فضيحة إبستين وسقوط النخب السياسية
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
إن كان الضغط المستمر للتواصل في عالم شديد الترابط يثقل كاهلك، فربما يجدر استحضار مثال جيفري إبستين، المدان بسلسلة اعتداءات جنسية على قاصرات. فالتدفق الهائل لنحو ثلاثة ملايين وثيقة نشرتها وزارة العدل الأميركية يؤكد أنه أمضى وقتًا استثنائيًا في مراسلة شبكة واسعة من أصحاب النفوذ الذين نسج معهم علاقات وثيقة.
تكاد المراسلات الإلكترونية وحدها تبدو عملًا متفرغًا، وبمعنى ما كانت كذلك. فالعناية الشخصية التي أولاهـا للمليارديرات وأفراد الأسر الملكية والقادة السياسيين ورجال الدولة والمشاهير والأكاديميين ونخب الإعلام هي الوسيلة التي أبقته في قلب شبكة القوة هذه.
كان دفتر عناوينه بمثابة سجل للأسماء التي تسهم في تشكيل تصوراتنا حول كيفية إدارة العالم. وفي الوقت نفسه، مثّل أداة لجذب بعض تلك الشخصيات إلى فلكه، وإلى عالم حفلات خاصة متهتكة واستغلالية أقيمت في نيويورك وعلى جزيرته في الكاريبي. ويُعتقد أن ثلاثة ملايين وثيقة أخرى ما زالت محجوبة، ومحتواها ـ كما هو متوقع ـ أشد إدانة للنخب العالمية التي أحاطت به.
كلما ظهرت وثائق جديدة، اتضحت صورة الحماية التي وفرتها هذه الشبكة لإبستين من تبعات سلوكه، سواء عبر التغاضي عن جرائمه أو المشاركة فيها. وتبدو طريقة عمله قريبة من أسلوب زعيم عصابة يفرض على المنتسبين الجدد المشاركة في جريمة لضمان ولائهم، حيث يُعدّ التواطؤ ضمانة للصمت.
القضية لا تقتصر على اختباء إبستين في وضح النهار لسنوات؛ فشبكة علاقاته كانت تتوارى معه تحت مظلة الحصانة. واستغلاله للفتيات والنساء الشابات يتجاوز حدود الفعل الفردي، ليطرح سؤالًا عن الأطراف التي استفادت من شبكات الاتجار التي أشرف عليها مع معاونته غيسلين ماكسويل.
هذا ما يفسّر حذف أجزاء واسعة من الوثائق المنشورة بعناية، بهدف حماية الدوائر المتورطة التي خدمها، أكثر مما يحمي الضحايا الذين تظهر هوياتهم في بعض الأحيان.
وتكشف الدفعات الأخيرة من الوثائق إشارات إلى تصور للعالم غالبًا ما ارتبط بخطاب يُنسب إلى نظريات المؤامرة؛ إذ كان إبستين في مركز شبكة عالمية تضم شخصيات نافذة من أطراف سياسية متباينة شكليًا. ويبدو أن الرابط بينها كان إساءة استغلال النساء والفتيات الضعيفات. وتشير الصور التي تجمع رجالًا أثرياء بشابات إلى احتمال امتلاكه مواد ابتزاز تُستخدم كوسيلة ضغط متبادل.
في إطار من التضامن المغلق، بدا أن أقرانه يحتمون ببعضهم. وقد استفاد إبستين من تسوية قضائية مخففة في فلوريدا عام 2008 انتهت بحكم محدود نسبيًا، رغم تعدد الاتهامات الأشد خطورة. كما تتضاءل غرابة نمط حياته الباذخ مع كل كشف جديد حول علاقاته مع الأثرياء ودعوته لهم لقضاء الوقت مع شابات في جزيرته، وهي ممارسات تُذكّر بأساليب الاستدراج المعروفة في عالم الاستخبارات.
وتظهر مؤشرات على ارتباطات بأجهزة استخبارات، خصوصًا الإسرائيلية، وفق ما تشير إليه الوثائق. ويُستشهد بعلاقته الوثيقة مع ماكسويل، التي كُشف لاحقًا ارتباط والدها بجهات استخباراتية، وكذلك بعلاقته مع إيهود باراك، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ورئيس الوزراء لاحقًا.
وتشير تقارير صحفية سابقة إلى إسهامه في تسهيل صفقات أمنية لإسرائيل مع دول عدة، إضافة إلى زيارات متكررة لضابط استخبارات عسكرية إلى شقته في مانهاتن. كما تتضمن وثائق بريد إلكتروني إشارات إلى تحويلات مالية. ويورد تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي وصفه بأنه كان قريبًا من باراك وتلقى تدريبًا استخباراتيًا على يديه. وفي مراسلة لاحقة عام 2018، طلب إبستين طمأنة شركاء استثمار قطريين بشأن علاقتهما، قائلًا: «ينبغي توضيح أنني لا أعمل للموساد». وتشير تسجيلات أخرى إلى نصائحه بشأن شركة تحليل البيانات الأميركية «بالانتير»، التي أبرمت لاحقًا اتفاقًا مع إسرائيل في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري.
إن هذه المعطيات لا تحظى باهتمام واسع في الإعلام المؤسسي، الذي انشغل بخيوط أضعف تشير إلى علاقات محتملة مع أجهزة روسية. ومع ذلك، فإن الضغوط لنشر الملفات - التي بلغت حد دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الاستجابة - تعكس بحثًا عن تفسير لانحرافات السياسة الدولية المعاصرة.
من تواطؤ سياسي في نزاعات دامية، إلى تقاعس بيئي، إلى حروب مدمرة، وصولًا إلى اندفاع غير محسوب نحو الذكاء الاصطناعي، تبدو الأحداث وكأنها تتحدى التفسير العقلاني. وتطرح الوثائق احتمال وجود منظومة مصالح تقوم على الجشع، وتفترض أن الانضمام إلى نخبة القوة يتطلب التخلي عن الاعتبارات الأخلاقية والتعاطف مع الخارجين عنها.
وربما تجد هذه الصورة صداها في التراث الأدبي؛ إذ كتب كريستوفر مارلو قبل أكثر من أربعة قرون مسرحية «الدكتور فاوست» التي يبيع فيها عالمٌ روحه للشيطان مقابل القوة، ثم أعاد غوته لاحقًا صياغة الفكرة في عمله «فاوست». في هذا السياق، يبدو إبستين أشبه بالوسيط الذي يعقد صفقة مماثلة - صفقة على حساب الضمير.
قد لا يكون مستغربًا أن الضجيج الإعلامي حول ملفات إبستين يعمل أساسًا على إغراق قصة أكثر صدقًا تحاول الظهور، فالنخبة نفسها التي كانت يومًا ترى في إبستين مديرًا لحلقاتها، تحاول الآن تحويل انتباهنا بعيدًا عن تواطئها في جرائمه، وتوجيهه نحو عدد محدود من الأفراد المختارين - ولا سيما في المملكة المتحدة، أندرو ماونتباتن-ويندسور وبيتر ماندلسون. ولا يُعد الاثنان ضحيتين تقدَّمان قربانًا، ومع ذلك يؤديان الغرض ذاته: إشباع شهية عامة متزايدة للانتقام.
وفي الوقت نفسه، فإن بقية دائرته إما تنكر الأدلة الراسخة على صداقاتها معه، أو ـ إذا حوصرت ـ تقدّم اعتذارًا سريعًا عن هفوة قصيرة في الحكم، قبل أن تلوذ بالاختفاء. وهذه محاسبة زائفة. فملفات إبستين لا تكشف فقط الخيارات المظلمة لقلة من النافذين، بل تُبرز بصورة أعمق منطقًا منحطًا لبُنى السلطة التي تقف خلف هؤلاء.
إن الشخصيات النافذة التي سافرت على متن طائرة «لوليتا إكسبريس» إلى جزيرته؛ والتي تلقت «جلسات تدليك» من نساء وفتيات جرى الاتجار بهن؛ والتي كانت تمزح باستخفاف حول ما تعرّضت له هؤلاء القاصرات، هي نفسها الأشخاص الذين ساعدوا بصمت إسرائيل على ارتكاب مذابح واسعة في غزة، بل دافعوا علنًا في بعض الحالات عن حقها في ذلك.
فهل يُفاجئنا أن أولئك الذين لم يهمسوا بكلمة اعتراض على قتل وتشويه عشرات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين، وتجويع مئات الآلاف غيرهم، كانوا أيضًا ممن تواطؤوا في طقوس إساءة للأطفال ـ أو غضّوا الطرف عنها ـ في محيطهم القريب؟
هؤلاء هم من طالبوا كل من أراد الدفاع عن أطفال غزة بأن يقضي وقته في إدانة حماس. وهم من سعوا في كل منعطف إلى التشكيك في أعداد الضحايا الأطفال عبر نسبتها إلى «وزارة الصحة التي تديرها حماس». وهم من أنكر استهداف المستشفيات اللازمة لعلاج الجرحى والمرضى من الأطفال، وتجاهل سياسات التجويع الجماعي للسكان. وهم أنفسهم من يزعمون الآن أن استمرار قتل أطفال غزة وتعذيبهم يشكّل «خطة سلام».
بغض النظر عن جرائم إبستين المتعلقة بالاعتداء الجنسي.
فقد كان التجسيد الأقصى لأيديولوجيتين مفسدتين مهيمنتين على المجتمعات الغربية: النيوليبرالية والصهيونية. وذلك وحده يفسر نجاحه الطويل في قممها. فالنيوليبرالية هي السعي وراء المال والسلطة لذاتهما، منفصلة عن أي غاية أسمى أو منفعة اجتماعية. وعلى مدى نصف قرن، شُجعت المجتمعات الغربية على تمجيد طبقة المليارديرات - وربما قريباً التريليونيرات - باعتبارها المؤشر الأعلى للنمو والتقدم الاقتصادي، بدلًا من النظر إليها كمؤشر على نظام أصابه العطب من داخله.
ومن المتوقع أن ينجذب فاحشو الثراء ومحيطهم إلى دعاة «المنظور طويل الأمد»، وهو تيار يبرر التفاوتات والظلم الحاليين، ويتعامل بتسليم مع اقتراب انهيار مناخي وبيئي مع استنزاف موارد الأرض. ويرى هذا التيار أن خلاص البشرية لا يتحقق بإعادة تنظيم المجتمعات سياسيًا واقتصاديًا الآن، بل بتعميق تلك الفوارق لتحقيق نجاح بعيد المدى عبر طبقة من «البشر المتفوقين» على طريقة نيتشه.
فالنخبة المالية الصغيرة تحتاج حرية مطلقة لتراكم مزيد من الثروة سعيًا إلى حلول ـ عبر الابتكار التقني بطبيعة الحال ـ لمشكلة البقاء على هذا الكوكب الهش. أما بقية البشر فيُنظر إليهم كعقبة أمام قدرة الأثرياء على رسم طريق النجاة. ويُترك الرجال والنساء والأطفال العاديون على السفينة الغارقة بينما يستولي المليارديرات على قوارب النجاة. وبعبارة أحد منظّري هذا الاتجاه، نيك بوستروم: «مجزرة هائلة للإنسان، وخطوة صغيرة للبشرية».
وباستخدام مصطلح من ألعاب الفيديو، يرى أفراد النخبة النيوليبرالية بقية الناس «شخصيات غير لاعبة» ـ عناصر خلفية تخدم اللاعبين الحقيقيين. وفي هذا الإطار، ما أهمية معاناة الأطفال، سواء في غزة أو في قصور المليارديرات؟
إذا بدا هذا شبيهًا بالاستعمار التقليدي و«عبء الرجل الأبيض» في نسخة محدثة، فلأن الأمر كذلك. وهذا يفسر انسجام النيوليبرالية مع أيديولوجية استعمارية أخرى وهي الصهيونية.
وقد اكتسبت الصهيونية شرعية أكبر بعد الحرب العالمية الثانية، في وقت حافظت فيه على منطق القوميات العرقية الأوروبية الذي بلغ ذروته في النازية. وقد جعلت إسرائيل، بوصفها نتاجًا للصهيونية، نسختها الخاصة من التفوق العرقي مقبولة. وتطالب هذه الأيديولوجيا بوحدة قبلية ضد «الآخر»، وتمنح الأولوية للعسكرة وتسعى باستمرار إلى التوسع الجغرافي.
هل يثير الدهشة أن تكون إسرائيل قد أسهمت عبر عقود في تقويض تطورات القانون الدولي التي وُضعت لمنع تكرار مآسي الحرب العالمية الثانية؟ وهل يثير الدهشة تنفيذ إبادة جماعية أمام أنظار العالم، مع إخفاق الغرب في وقفها ومشاركته فيها؟ وهل يثير الدهشة أن يزداد القمع الداخلي مع صعوبة إخفاء هذه الحقائق؟
ولهذا تُعد الأنظمة العسكرية وتقنيات المراقبة التي طورت ضد الفلسطينيين ذات قيمة عالية لدى طبقة ثرية غربية تسعى لتطبيقها داخليًا. ومن هنا أيضًا الدعوات لإحياء نماذج رقابية شاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتيح للدولة مراقبة الأفراد باستمرار.
قبل نحو عقدين، كان واضحًا أن جيفري إبستين مفترس. وفي السنوات الأخيرة بات من المستحيل اعتباره حالة أخلاقية شاذة منفصلة. لقد جسّد ووجّه ـ عبر ممارسات منحرفة ـ ثقافة أوسع ترى أن القواعد لا تنطبق على المميزين أو المختارين.
سيُضحّى ببعض حلفائه الأقل أهمية لإشباع رغبة الجمهور في محاسبة المتورطين. لكن لا تنخدعوا، فثقافة إبستين لا تزال حية.
جوناثان كوك هو كاتب وصحفي بريطاني مستقل، اشتهر بتغطيته الطويلة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
الترجمة عن موقع ميديل إيست آي.
