بريد القراء

15 ساعة كافية لميلاد شخص آخر

06 فبراير 2026
06 فبراير 2026

هناك قصص كفاح كثيرة تثبت بأن البعض يصنع نفسه بنفسه ومسيرته في الحياة رغم كل العقبات والتحديات، يحدثني شخص قريب عن معاناته في الحصول على عمل في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي.

وكيف جاء إلى مسقط يبحث عن فرصة عمل بعد أن أجبرته الظروف أن يخرج من قريته البعيدة، لينتقل من وسيلة نقل إلى أخرى حتى يصل إلى مسقط التي لا يعرف عنها شيئًا "في تلك الفترة"، كل أحلامه تتلخص في إيجاد مكان يعمل فيه بعد أن خرج لتوه من مقعد الدراسة، ولم يكتب الله له الالتحاق بالسلك العسكري لعيب خلقي وُلِد معه ولا ذنب له فيه.

في المرة الأولى عندما جاء إلى العاصمة مسقط وزع أوراقه بين مؤسسات القطاع العام والخاص، وهذه هي المرة الثانية التي يعود فيها إلى هذا المكان بعد أن وصله اتصال من شركة تريد موظفين على وجه السرعة، أخبره المتصل بأن صاحب العمل والمدير العام بها يريد مقابلته قبل أن يوافق على انضمامه في العمل.

أخبره المتصل أيضًا بأن موعد المقابلة سيكون في صبيحة الغد عند الساعة التاسعة صباحًا، لم يعترض رغم أنه يعلم بأن المسافة ما بين قريته ومسقط قرابة خمس ساعات، لأن المواصلات ليست سهلة ويجب عليه أن يتنقل من سيارة إلى أخرى حتى يصل إلى مقر الشركة.

مجرد التفكير في المسافة كفيل بأن يشعره بالضياع والخوف من مواجهة مشقة الانتقال والمصاريف المالية، لكن كان أمله كبيرًا في الاستقرار، قبل الفجر بساعات كان يقف على ناصية الطريق المؤدي إلى العاصمة مسقط، انتقل كما هو متوقع من محطة إلى أخرى حتى وصل باكرًا إلى مقر الشركة.

بمجرد دخوله من البوابة الكبيرة للشركة، أخبره موظف الاستقبال بأن المدير العام يأتي عند العاشرة وعليه الانتظار خارجًا لأنه لا مكان لديه في الانتظار، وأن القاعة مخصصة فقط لكبار الضيوف، وجد نفسه خارجًا يحدث نفسه ويأمل أن يأتي المدير حتى لا يعود ثانية في يوم آخر.

كان موقف المدير خاليًا لأن الوقت لا يزال مبكرًا لوصوله، ظل منتظرًا في الحر والشمس، بينما الوقت يمر ببطء شديد، ومع ذلك كان يحمل في قلبه أملًا في الحصول على الوظيفة وحتى لا يظل باحثًا عن عمل لفترة طويلة.

عند الحادية عشرة، وقفت السيارة الفارهة في موقف المدير العام، نزل منها شخص يحمل في يده حقيبة، اقترب منه وسلم عليه وعرفه بنفسه، لم يكترث المدير بالواقف بجانب سيارته بل أخبره بأن ينتظره في الاستقبال حتى يفرغ من أعماله ثم يأذن له بلقائه.

دخل المدير الشركة وصعد إلى مكتبه في الطابق الثاني، بينما الباحث عن عمل ظل واقفًا في ردهة الاستقبال يسلم على من يدخل أو يخرج، عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، نزل المدير من مكتبه ذاهبًا إلى الخارج، قال للواقف لساعات طويلة: "أراك في المساء لا تذهب، أريد أن أتحدث معك.." ثم انصرف نحو سيارته!

ظل الشاب متسمرًا في مكانه، بدأ يفكر أين يذهب طيلة هذا الوقت؟ موظف الاستقبال أشفق على الشاب وجلب له كرسيًا من أحد المكاتب القريبة، أحس الشاب باليأس لكنه ظل صامدًا رغم التعب النفسي والجسدي والجوع الذي يعانيه، ولا يعرف لماذا طلب منه المجيء إلى هذا المكان!

عند الثامنة مساء جاء مدير الشركة، نظر إلى الشاب المتعب، ثم أمره بأن يتبعه، بدأ المدير جولته المسائية في الشركة بينما الشاب يتبعه، دون اكتراث من المدير بأن هذا الشاب يشعر بالانكسار ورغبة في الخروج من هذا الكابوس، عند العاشرة مساء دخل المدير في اجتماعه المسائي، وظل الشاب مشردًا بين أوراق الشركة.

وفي لحظة يأس وانكسار، أدرك الشاب بأنه لا قيمة لوجوده في المكان، فقرر العودة إلى قريته، نزل بحزن إلى الاستقبال، ثم بدأ مشوار العودة إلى مكانه البعيد بعد أن حل الظلام على الشوارع.

عاد الشاب إلى عائلته التي كانت تأمل أن يظفر ابنها بالوظيفة، لكنه لم يفتح لهم سجل الأحداث وأخبرهم بأنه سيستمر في البحث عن عمل، بعد أيام فتح الله لهذا الشاب العمل في إحدى الوزارات وتحصل على فرصته في العمل، ومع ذلك لم ينسَ ذلك الشخص الذي نزع الله من قلبه الرحمة والشفقة والإنسانية... وبعد سنوات طويلة ظلت تلك الحادثة حاضرة في ذهن ذلك الشاب، فغضبه لم يطفأ رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الحادثة المؤلمة.

العبرة: إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس تذكر قدرة الله عليك، فهناك قول مأثور: "البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان"، من يدري، ربما ذلك المدير يواجه تحديًا أصعب من التحدي الذي اصطنعه لذلك الشخص البسيط، وسينزل الله عليه غضبه يومًا، ويذيقه مما أذاق به الضعفاء المحتاجين إلى المساعدة، وربما هي 15 ساعة قضاها ذلك الشاب في تلك المحنة، إلا أنها كانت كفيلة بصناعة شخص جديد، فمن الانكسار والحزن والألم إلى السعادة وطلب القصاص والاختصام إلى الله فيمن ظلم وتكبر على العباد.