No Image
بريد القراء

عندما تنطفئ أنوار الشوارع!

05 فبراير 2026
05 فبراير 2026

"ليتنا نستطيع أن نسأل الطرقات عن نهايتها قبل أن نسلكها!".. من أصعب المشاعر التي تجتاح الإنسان ولا يستطيع التخلص من كابوسها المخيف "الشعور بالظلم"، ويزداد الألم أكثر عندما لا يجد السبب الحقيقي وراء هذه الاتهامات التي تطارده سواء بـ"التزوير أو الكذب أو الخداع والتدليس".. ولا يجد من يستمع إليه أو يجد طريقة يدافع بها عن نفسه، ويجد نفسه وحيدًا.. لا صديق أو قريب يصدق شكواه أو يدفع الظلم عنه، بل تظل الاتهامات تنصب حواجزها حوله، وتحاصره المشكلات من كل جانب، كل ذلك بسبب أنه تدخل في أشياء لا تعنيه واهتم بأمور لا طاقة له فيها.

ومع الوقت يزداد ألم البعض بالغربة النفسية، خاصة عندما يرى علامات التهكم والسخرية في عيون الآخرين، الكل يعتقد أنه شخص مخادع لا أمان أو طمأنينة بقربه، فالكل يجمع على أنه شخص سيئ للغاية.

ليست كل التهم التي نلصقها بالآخرين تكون في مكانها الصحيح أو أنها حقيقية، فبعض المتهمين أبرياء حتى وإن تآلفت الظروف وتكالبت على اتهامهم بالباطل.

لهذا وجد العدل إما في الأرض أو السماء، فهناك من يعيش سنوات يتجرع ذنبًا لم يكن ذنبه، وتهمة لم تقترفها يداه، ولكن العدالة تأتي ولو بعد حين.

إن إلصاق التهم بالآخرين "زورًا وبهتانًا" أصبح شيئًا يؤرق مضاجع البعض في هذه الأيام، تصاب بنوع من التوهان عندما لا تعلم بأي ذنب تحاسب، ولا تعرف لماذا يكيل بعض الأشخاص التهم نحوك، بل يسعى جاهدًا نحو تلطيخ سمعتك بسوء، تصرخ بأعلى صوتك بأنك مظلوم، وبأن كل الادعاءات الموجهة إليك باطلة، تعلم بأنك لا تقف الآن أمام محكمة عادلة خارج إطارها الصحيح، بل لا تجد من يصغي لشكواك، الكل يديرون ظهورهم عنك ويسيئون الظنون بإنسانيتك، لن تجد بينهم أحدًا يردع المعتدين عن محاولة إلحاق الضرر النفسي بك، عندها فقط "تعلم بأن الشكوى لا بشر سواك" بل لله سبحانه وتعالى.

يعرب مارتن لوثر كينغ الابن عن استغرابه من ردود أفعال بعض الناس فيقول: "إنَّ المأساة الحقيقيّة ليست القمع والقسوة التي يمارسها الأشرار، بل الصمت الذي يُبديه الأخيار إزاء ذلك. إنَّ مشاهدة الظلم وعدم القيام بأي شيء هو بمثابة المُشاركة في هذا الظلم، لأن الشر لا يعتمد على قوته الذاتية، بل على جبن أولئك الذين يرفضون مواجهته"..

وهذا القول يأخذنا نحو ضفة أخرى من الحوار، وهي تتمثل في صمت البعض عن قول الحقائق، لن ندخل في تفاصيل ضيقه، بل إن مجالات الحياة كثيرة وطرقاتها أوسع من تشخيص مكان دون آخر، فمتى وقع ظلم على إنسان ونحن نعرف الحقيقة يجب علينا قولها مهما كانت النتائج.

كم من أشخاص أسأنا الظنون بهم، واتهمناهم ظلمًا وعدوانًا، ولم نتيقن مما قيل لنا عنهم، فكانت اتهاماتنا لهم سهامًا باطلة؟ وكم من أبرياء نالهم الظلم ولم ينصفهم الناس حتى رحلوا؟ عقاب الناس أحيانًا يكون أكثر ألمًا من عقاب المحاكم، لأن عقاب البشر "بدون تيقن أو تدبر أو تعقل" بل هو أكثر إنجازًا وسرعة.

من السهل أن تصدر الأحكام جزافًا، فتنفذ بحقك القطيعة والأحكام الجائرة، أشخاص اتهموا بذنب لم يرتكبوه، ولم يجد الأبرياء من ينصفهم أو يعيد لهم كرامتهم المسلوبة بعار الذنب الذي لا ذنب لهم فيه سوى الصمت!.

لذا عندما تريد أن تحكم على الآخرين لا تستمع إلى طرف دون آخر، بل تيقن وحكم عقلك أولًا قبل قلبك، فربما ما وصلك ليست الحقيقة الكاملة، وإنما هناك أشياء مخفية يمكن أن تدخلك في سراديب الخطأ والظلال فتظلم بدون أن تشعر بأنك سكين تقطع بها أوصال الأبرياء بدون رحمة.

بعض الناس يرى أن يقف على حياد، لكنه لا يعلم شيئًا عن الحقيقة الغائبة، وهي كما قالها المدافع عن الفصل العنصري في أفريقيا ديزموند توتو: "إذا كنت محايدًا في مواقف الظلم، فقد اخترت أن تقف بجانب الظالم! أرأيت إذا وضع فيلٌ قدمه على ذيل فأر وقلت إنّك محايد، هل سيُقدِّر الفأر حيادك؟"

هناك بعض الناس يفضل أن يكون دوره في القضية كدور الجمهور المتفرج على العرض، لا يريد أن يكون شطرًا أو خصمًا لأحد، لكنه بذلك يرتكب حماقة كبيرة، فكما يقول الناشط الحقوقي ديزموند توتو مرة أخرى: "لا تنخدعوا بالاعتقاد بأنّ معاناة الآخرين لا تعنيكم. إنّ الظلم عدوى، وعندما يصيب ركنًا واحدًا من المجتمع، فإنّه سوف ينتشر حتمًا، ويُهدِّد حريّة وكرامة وسلامة الجميع. والترياق الوحيد هو الوقوف في وجه الظلم، حتى عندما يبدو ذلك غير مُريح".

إذن نحن أمام معطفين: أولهما أن نتيقن قبل أن نتهم الآخرين، والثاني أن لا نبقى صامتين ونحن نعرف الحقيقة الغائبة.