الحارات العُمانية القديمة ودورها في حفظ الذاكرة التاريخية: حارة قصرى بولاية الرستاق أنموذجًا
تُعدّ الحارات العُمانية القديمة من أبرز الشواهد المادية على التاريخ الاجتماعي والعمراني لعُمان، إذ تمثل منظومات معمارية متكاملة تعكس أنماط العيش، والتنظيم المكاني، والعلاقات الاجتماعية السائدة في فترات تاريخية متعاقبة. وقد احتضنت هذه الحارات القلاع والحصون، والمنازل، والمساجد، والأسواق، مشكلةً نسيجًا عمرانيًا نابضًا بالحياة، ظل شاهدًا على براعة الإنسان العُماني في البناء والتكيّف مع البيئة. ورغم الأهمية التاريخية والثقافية الكبيرة التي تمثلها الحارات القديمة، وما تبذله الجهات الحكومية من جهود للحفاظ عليها في ظل التوسع العمراني المتسارع، إلا أن كثيرًا منها لم يحظَ بالاستثمار الأمثل الذي يؤهلها لتكون وجهات سياحية فاعلة ومراكز بحثية حيوية، ترفد الاقتصاد المحلي وتسهم في تعزيز الهوية الوطنية. وتُعد ولاية الرستاق بمحافظة جنوب الباطنة من أبرز الولايات العُمانية الغنية بالمواقع التراثية، لما تضمه من قلاع وحصون وحارات وأسواق قديمة، تشهد على مكانتها السياسية والعلمية عبر التاريخ، إذ كانت عاصمة لعُمان في بعض الفترات. ومن بين حاراتها القديمة، تبرز حارة قصرى بوصفها نموذجًا معماريًا متميزًا للحارات العُمانية التقليدية، تقع في قلب مدينة الرستاق، بالقرب من قلعتها الشهيرة، وتحيط بها مناطق العلاية والمحاضر.أولًا: الدلالة التاريخية والمعمارية لتسمية حارة قصرى تُعد تسمية حارة قصرى من التسميات ذات الدلالات المعمارية والاجتماعية العميقة، إذ يرتبط الاسم لغويًا بمفهوم "القصر" الذي يدل في المعاجم العربية على المنزل الواسع أو البناء المتين. ويعكس هذا المعنى طبيعة الحارة بوصفها تجمعًا سكنيًا منظمًا، يضم بيوتًا كبيرة نسبيًا مقارنة بغيرها من الحارات، ومرافق عامة تؤدي وظائف دينية وتعليمية واجتماعية. ولا يُفهم الاسم هنا على أنه قصر سلطاني بالمعنى السياسي، بل بوصفه مركزًا عمرانيًا ذا مكانة داخل نسيج مدينة الرستاق، ارتبط بالعلم والإدارة والسكن المستقر.ثانيًا: البنية العمرانية وأجزاء الحارة تتميز حارة قصرى ببنية عمرانية متكاملة، تعكس وعيًا تخطيطيًا واضحًا لدى البنّاء العُماني، إذ تتكون من شبكة من الأزقة والسكك الضيقة التي تتفرع من مداخل رئيسة، بما يحقق الخصوصية والأمن، ويساعد على التكيّف مع الظروف المناخية. وتضم الحارة أبوابًا رئيسة (شرقية وغربية) كانت تُغلق في أوقات محددة، ما يدل على طابعها شبه التحصيني. وتتوزع داخل الحارة مجموعة من البيوت التاريخية ذات الطابقين، المبنية من الطوب اللبن والحجر، والمزودة بالإيوانات(جمع إيوان) والمجالس والمخازن، بما يعكس الوظائف السكنية والاجتماعية المتعددة. كما تضم الحارة مسجد قصرى، الذي لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل مؤسسة علمية واجتماعية، عُقدت فيه حلقات العلم، واللقاءات العامة، وأسهم في تخريج عدد من العلماء. ويمثل بيت الكتب أحد أبرز مكونات الحارة، إذ يُعد شاهدًا على المكانة العلمية لقصرى، ودليلًا على وجود نظام وقفي داعم للعلم والمعرفة. كما تؤكد البيوت الأخرى، مثل بيت الفلج والبيت الكبير والصغير، على تنوع الوظائف العمرانية، وارتباطها بأنظمة المياه (الأفلاج) والتنظيم الاجتماعي للأسرة والمجتمع.ثالثًا: أهم الأحداث التاريخية المرتبطة بحارة قصرى ارتبط تاريخ حارة قصرى بتاريخ مدينة الرستاق نفسها، التي كانت مركزًا سياسيًا وعلميًا مهمًا في عُمان، وعاصمة لها في فترات متعددة. وقد شهدت الحارة ازدهارًا علميًا ملحوظًا خلال القرون الهجرية المتأخرة، خاصة في ظل وجود علماء بارزين، مثل الشيخ خميس بن سعيد الشقصي والشيخ راشد بن سيف اللمكي، الذي لعب دورًا محوريًا في الحركة العلمية والفقهية، واتخذ من مسجد قصرى وبيوتها مراكز للتدريس والإفتاء. كما تأثرت الحارة بالأحداث السياسية والعسكرية التي مرت بها الرستاق، لا سيما خلال الصراعات الداخلية في عهد اليعاربة، والتي أدت إلى تدمير بعض مرافقها، مثل بيت الكتب، ما انعكس سلبًا على دورها العلمي. ومع ذلك، ظلت الحارة محتفظة بمكانتها الرمزية والتاريخية، واستمر وجودها كجزء من الذاكرة الجمعية للمدينة.رابعًا: متحف بيت الغربي: مبادرة مجتمعية في إحياء التراث المحلي يُمثّل متحف بيت الغربي بحارة قصرى أحد أبرز مشاريع إحياء التراث في ولاية الرستاق في السياق المعاصر، وقد ارتبط تأسيسه بمبادرة مجتمعية فردية قادتها زكية بنت سالم اللمكية، التي أسهمت في تحويل أحد البيوت التاريخية بالحارة إلى فضاء ثقافي يعكس الذاكرة الاجتماعية والعمرانية للمكان. انطلق المشروع بجهد ذاتي، معتمدًا على جمع المقتنيات التراثية والحرفية، ليؤدي المتحف دورًا يتجاوز العرض المادي، نحو التوعية الثقافية وتنشيط الحياة الاجتماعية بالحارة. أسهم المتحف في استقطاب الزوار من داخل السلطنة وخارجها، وتنظيم فعاليات ثقافية واجتماعية، خاصة في المناسبات الدينية والوطنية، ما جعله محطة سياحية وثقافية مهمة، حازت على جوائز محلية وإقليمية. ورغم هذا النجاح، واجهت المبادرة تحديات عدة، من أبرزها ضعف الصيانة وتأخر الترميم، ومحدودية الدعم المؤسسي والوعي المجتمعي بأهمية الاستثمار في التراث، وهو ما يبرز الحاجة إلى تعزيز الشراكة بين المبادرات الفردية والمؤسسات الرسمية لضمان استدامة هذا النوع من المشاريع التراثية.خامسًا: مقترحات تطوير حارة قصرى واستثمارها سياحيًا وثقافيًا يمثل تطوير حارة قصرى فرصة حقيقية لتعزيز السياحة الثقافية المستدامة في ولاية الرستاق، وذلك من خلال تبني رؤية شاملة لإعادة تأهيل الحارة، تقوم على الحفاظ على طابعها المعماري الأصيل، مع إعادة توظيف مبانيها بوظائف معاصرة. ويمكن تحويل بعض البيوت إلى نُزل تراثية، ومتاحف صغيرة، ومراكز ثقافية، ومكتبات، بما يعيد للحارة دورها الاجتماعي والعلمي.كما يُقترح إنشاء إدارة متخصصة لإدارة الحارة، تضم مختصين في التراث والعمارة والسياحة، مع إشراك المجتمع المحلي في عمليات التطوير، ورفع مستوى الوعي بأهمية التراث بوصفه موردًا اقتصاديًا وثقافيًا. ويُعد دعم المشاريع الفردية، مثل متحف بيت الغربي، عنصرًا محوريًا في إنجاح عملية الإحياء، مع توفير الصيانة الدورية، والحماية القانونية للمباني التاريخية.وتسهم هذه المقترحات في تحويل حارة قصرى من فضاء مهجور أو شبه مهمل، إلى مركز جذب سياحي وثقافي، يعزز الهوية العُمانية، ويربط الماضي بالحاضر، دون أن يتحول التراث إلى مجرد ديكور سياحي بلا روح.
