إحياء 300 عام من تاريخ قلعة بيت الفتح بولاية بوشر
يقف بيت الفتح التاريخي بهدوئه المهيب شاهدًا أمينًا على تفاصيل لم تُكتب في الكتب. أبوابه الخشبية العتيقة التي طالها الزمن ما زالت تحتفظ بصدى الطرقات الأولى، وبحكايات أهل مرّوا من هنا، عاشوا الفرح والترقّب، ونسجوا أيامهم بين جدرانه، ولم يكن البيت مأوى فحسب، بل مساحة تُدار فيها شؤون الناس، ويتم فيها اتخاذ القرارات، وتُصاغ المواقف في لحظات صنعت التاريخ بصمت.
تعود جذور الحكاية إلى عام 1708م، حين وُلِد السيد خميس بن سالم البوسعيدي في قرية أدم، ونشأ في بيئة علمية صقلت فكره وأسهمت في بناء شخصيته القيادية، ومع اشتداد التحديات التي واجهت سلطنة عُمان آنذاك، برز السيد خميس رجلاً شجاعًا ومحنكًا، مساندًا للإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي "مؤسس الدولة البوسعيدية" في دحر الغزوات المعادية، والدفاع عن وحدة البلاد واستقرارها.
ولم يمر هذا الدور دون تقدير؛ إذ كافأه الإمام بمنحه سلطة حكم مسقط، اعترافًا بولائه وخبرته العسكرية، غير أن الظروف الداخلية وما رافقها من سوء تفاهم قادت السيد خميس إلى الاستقرار في ولاية بوشر، حيث تولّى شؤونها، واضعًا نصب عينيه بناء مجتمع متماسك وآمن، ولملم شتاته بحكمته.
من هنا بدأت ملامح العمران تتشكل؛ فتم تشييد عدة مبانٍ لخدمة العائلة والأهالي، كان أبرزها قلعة الفتح، التي أُقيمت في منطقة الفتح بولاية بوشر بمحافظة مسقط، وجاءت القلعة حصنًا وسكنًا في آن واحد، تعكس مكانة صاحبها، وتؤكد الدور السياسي والاجتماعي الذي اضطلع به في تلك المرحلة.
وقبل الشروع في بناء حصن بيت الفتح، خضعت كلتا المنطقتين لدراسة دقيقة وعميقة عند تحديد موقع القلعة،،حيث شكلت الجبال بيئة دفاعية طبيعية توفر حماية استراتيجية وتحدّ من قدرة أي غزو معادٍ على الاقتراب، بينما كانت الكثبان الرملية في المنطقة الشمالية الغربية تشكّل عقبة طبيعية تبطئ أي هجوم سريع أو انسحاب محتمل من قبل القوى المعادية، ما منح القلعة موقعًا استراتيجيًا متفردًا يمكنها من مراقبة محيطها والسيطرة على المناطق الحيوية المحيطة.
وتتميّز قلعة الفتح بموقع استراتيجي حصين، يصعب اختراقه من أي هجوم معادٍ، إذ تحيط بها الجبال من الشرق والجنوب، وتلال الرمال من الشمال الغربي، ما منحها حصانة طبيعية وتفوقًا دفاعيًا فريدًا. وبالإضافة إلى البعد العسكري، تتمتع المنطقة المحيطة بتربة زراعية خصبة ومصدر مياه موثوق، ما جعلها بيئة ملائمة للزراعة والإقامة. وكان السيد خميس البوسعيدي، الذي نشأ في ولاية أدم وانتقل إلى ولاية الرستاق بعد زواجه، على دراية تامة بفوائد نظام الأفلاج التقليدي، فساهم في تطوير العديد من العقارات الزراعية في المنطقة، ولا تزال المحيطات المحيطة بالقلعة تحافظ على نظام أفلاج متطور يضمن توزيعًا متساويًا ومستدامًا للمياه إلى جميع المناطق الزراعية المجاورة، مما يعكس رؤية السيد خميس في الجمع بين الدفاع والزراعة والاستقرار المجتمعي.
وتجاور قلعة الفتح عدة مبانٍ من طابق واحد تسكنها عائلة واحدة من المنطقة الأصلية، ويحد القلعة من الجهة الشرقية بركة سباحة تضم مسجدًا للنساء مزودًا بنظام مياه جوفية مخصص، ويتم التحكم فيه عبر قنوات جوفية مصممة لتوزيع المياه إلى مناطق مختلفة لاستخدامها في الري والأغراض المنزلية.
كما تضم قلعة الفتح عدة أحياء كانت تستخدم كغرف حراسة في المنطقة الشمالية الجنوبية، بالإضافة إلى إسطبلات للخيول وحيوانات أخرى مثل الماعز والأغنام.
الخطط التطويرية للقلعة
الوضع الراهن للقلعة قبل الترميم وفتحها، كما يتضح من الاستكشافات التصويرية، يظهر حاجتها الماسة لإعادة تأهيل فورية، إذ انهارت بعض الجدران بالكامل، بينما غرقت أبواب جميع الغرف في الأرض، ويوجد صدع عميق بين البرجين، ولا توجد أرضيات في الطابق الأرضي والطابق الأول باستثناء البرج الأمامي، كما انهارت جميع الأسقف وتدهورت حالة الجص.
وقبل الترميم، لوحظ أن الباب الخشبي الأنيق قد تمت سرقته، ويؤكد التصميم الخشبي المتقن لإطار الباب على الحرفية المتوارثة التي تتجلى في العديد من المنازل الفخمة والمزخرفة في أدم والمناطق المجاورة.
مستقبل قلعة بيت الفتح
يعتزم السيد ناصر بن سالم البوسعيدي، القائم بأعمال القلعة حاليًا، تجديد القلعة وإعادتها إلى شكلها وتصميمها الأصليين، وخلال المستقبل ستصبح القلعة متحفًا لعرض بعض القطع الأثرية المتعلقة بتاريخ عُمان بشكل عام.
وتقع القلعة في قلب ولاية بوشر، مما يسهل على الزوار زيارتها في جميع الأوقات. وبناءً على ذلك، وضمن رؤية تطويرية تهدف إلى إعادة إحياء بيت الفتح وتعزيز حضوره الثقافي والسياحي، جرى افتتاح مطعم وكافيه بيت الفتح إلى جانب نُزل بيت الفتح التراثي، في خطوة تمزج بين أصالة المكان وروح الحاضر.
وفي مقابلة مع القائمين على مشروع بيت الفتح والمشرفين عليه، تم الحديث عن تفاصيل المشروع من بداية الافتتاح التجريبي، حيث يحوي المشروع أربعة أجزاء وهي: البيت الكبير أو القلعة، والنزل، والمطبخ العماني، وكذلك أحواض السباحة، وتحتوي القلعة على 14 غرفة لها سطح مطل على الجبال والمزرعة، وأيضًا سيتم استخدامها لعرض المقتنيات التاريخية وتقديم الوجبات كتجربة للسائحين لتعريفهم بتاريخ سلطنة عُمان وعراقتها. ومن ضمن محتوى البيت المطبخ العماني الذي يتم فيه تقديم الإفطار العماني والقهوة فقط، وخلال الأشهر القادمة سيتم تقديم العشاء والغداء أيضًا، وسيكون الافتتاح الرسمي على مستوى راقٍ خلال الأشهر القليلة القادمة.
ويضم النزل التراثي، كما أشار القائمون عليه، 19 غرفة راقية، ويوجد فلج يحوي مياهًا جوفية طبيعية تنبع من جبال ولاية بوشر، وهذه المياه الجوفية تنحدر من المنطقة العليا إلى المنطقة السفلى، وتُستخدم هذه الأفلاج لسقي المزارع الموجودة في منطقة "صاد" بولاية بوشر. وأول محطة للمياه هي القلعة، وتم استغلال الفلج في نظام غرف الاستحمام القديم المعروف باسم "المجازة"، ويحوي النزل على 4 مجازات لضيوف النزل وعائلاتهم.
وأشار القائمون على المشروع إلى أن فكرة الفلج تم ترسيخها في النزل لكي تكتمل ملامح التجربة للزائر، بحيث تم تحويل مسار الفلج إلى مسار سباحة طبيعية بدون أي تدخل نظام صناعي أو معالجة كيميائية للمياه أو إضافات صناعية كالكلور، في مشهد يعكس عبقرية الإنسان العُماني في إدارة المياه منذ القدم.
وهذه القنوات التي تنساب بهدوء بين الحجر والنخيل، لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تمنح الزائر تجربة سباحة فريدة تمتزج فيها الطبيعة بالتاريخ، في أجواء من الخصوصية التامة والسكينة. وهنا لا يكون الماء مجرد عنصر للترفيه، بل جزء من الحكاية؛ حكاية فلج ظل يمنح الحياة للأرض والناس، وها هو اليوم يمنح زوّار بيت الفتح لحظة استثنائية من الصفاء والعودة إلى بساطة الزمن الجميل.
وجاء هذا التطوير ليحوّل البيت التاريخي من شاهد صامت على الماضي إلى فضاء نابض بالحياة، يرحّب بالزوار ويمنحهم تجربة متكاملة، حيث تتلاقى النكهات العمانية الأصيلة مع تفاصيل العمارة التقليدية المتقنة، وتستعيد غرف النزل أجواء الزمن الجميل، محتفظة بسحرها التراثي الأصيل، مع توفير كل متطلبات الراحة العصرية بأسلوب يوازن بين الأصالة والحداثة.
وتسعى هذه الخطط التطويرية إلى ترسيخ بيت الفتح كمحطة ثقافية وسياحية متكاملة، تحكي للزائر قصة المكان بأسلوب حي وحسي، حيث تتحول الزيارة إلى رحلة بين التاريخ والحياة اليومية، وتُسهم في تنشيط السياحة الداخلية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الوعي بالتراث الوطني. كما تعمل على الحفاظ على الهوية التاريخية للموقع باعتباره أحد المعالم البارزة المرتبطة بتاريخ الدولة البوسعيدية، ليصبح جسرًا حيًا يربط بين الماضي العريق والحاضر الديناميكي، بأسلوب مستدام وواعٍ يضمن استمرار مكانة البيت كمحفل ثقافي وفني وإرث حضاري خالد.
