No Image
ثقافة

مجلة «أَلِف»: عمرٌ من المعرفة الرصينة

31 يناير 2026
31 يناير 2026

(1)

مصادفة سعيدة قادتني إلى جناح الجامعة الأمريكية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب الـ57 في دورته الحالية المنعقدة بالقاهرة. من أهم الأماكن التي أحرص على زيارتها سنويا جناح الجامعة الأمريكية أرستقراطي الطابع، أنيق الإصدارات؛ غزير العناوين المهمة التي تعالج موضوعات ومعارف شتى أغلبها يتصل بالأدب والتاريخ والحضارة والفنون والأنثروبولوجيا والآثار، وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها؛ وكتب وإصدارات أخرى..

وعادت بي الذاكرة إلى ما يقرب من ثلاثين عامًا أو يزيد؛ حينما تعرفت للمرة الأولى من أستاذي جابر عصفور على مجلة "أَلِف" للبلاغة المقارنة التي تصدر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنويا. يصدر منها عدد واحد فقط سنويا؛ وهي مجلة محكَّمة اكتسبت سمعة علمية ومعرفية عالية لهيئتها الاستشارية، ولدقتها في تحكيم البحوث والدراسات؛ فضلا على صدورها باللغتين العربية والإنجليزية معا.

أهداني أستاذي العدد الـ(17) منها أو بالأحرى المجلد الضخم الذي صدر بعنوان «خطاب ما بعد الكولونيالية في جنوب آسيا» وقد استشف أستاذي تهوسي بإدوارد سعيد و"نقد ما بعد الاستعمار"، وقد علم مني أنني قرأت رواية البريطاني من أصل باكستاني طارق علي "ظلال شجرة الرمان" وهي الجزء الأول من خماسية تاريخية صدرت تباعا.

قال لي إن من بين دراسات هذا العدد/ المجلد، دراسة رائعة كتبتها الناقدة الكبيرة ماري تريز عبد المسيح عن هذه الرواية؛ تقرأها وتفكك مستوياتها المعرفية وتُنطق المسكوت عنه فيها بتوظيف أدوات وإجراءات "نقد ما بعد الاستعمار".

فتحت دراسات هذا المجلد الضخم الباب على مصراعيه أمام الباحث الشاب الذي كنته آنذاك للانعتاق من أسر التحليل الشكلاني للنصوص والذي ظل يدور في حلقة مفرغة من الأشكال والدوائر والمثلثات والمربعات؛ وتحول النقد الأدبي في ممارسات البنيويين والتفكيكيين ومن دار في أفلاكهما إلى ألغاز لا تحل أبدًا!

بفضل قراءة دراسات ومقالات هذا العدد من مجلة (ألف) للبلاغة المقارنة أدركت أن تحليل النصوص قد يكون ممتعا وعميقا ورصينا إذا ما وضع في علاقاته المركبة مع الثقافة ومع الأنساق الثقافية المتعددة والمتداخلة، وكانت هذه هي البداية لاكتشاف ما سيعرف بعد ذلك بعقدين أو ثلاثة في العالم العربي بالدراسات الثقافية (ولكن هذا حديث آخر في حلقات تالية من مرفأ قراءة).

(2)

وهكذا، ومنذ العام 1981 وحتى وقتنا هذا تصدر مجلة ألف «للبلاغة المقارنة»، سنويا عن قسم الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأمريكية في القاهرة. وهي -في أبسط تعريف لها- مجلة نقدية محكَّمة تنشر دراسات باللغتين العربية والإنجليزية، وبالفرنسية في بعض الأحيان. تناول أهم أعدادها بل أقيمها موضوعات عن "الفلسفة والأسلوبية"، و"جماليات الماركسية"، و"جماليات المكان"، و"الذات والآخر"، و"التناص والمجاز والتمثيل في العصور الوسطى"، و"حقوق الإنسان والشعوب"، و"خطابات ما بعد الكولونيالية"، و"الأدب والمقدس"، و"التجريب الشعري في مصر في السبعينيات"، و"إدوارد سعيد"، و"حفريات الأدب"، و"أدب الرحلة في مصر والشرق الأوسط".. وغير ذلك من الأعداد والمحاور والموضوعات القيمة.

وتقوم استراتيجية المجلة على تقديم الخطابات النقدية المختلفة التي تأسست مع الانفجار المعرفي الرهيب، منذ ستينيات القرن العشرين، في مجالات النقد والبلاغة ونظريات الأدب والأنثروبولوجيا وتحليل الخطاب والنقد الثقافي من منظورٍ منفتح على الاتجاهات كافة. وبرغم هذا الانفتاح «الفكري» ثمة قواعد حاكمة تحاول الملاءمة بين متطلبات المعرفة والإبداع في العالم، وإشكاليات الثقافة العربية التي تسعي للاندماج فيما هو "كوني" دون أن تفقد علاقتها بتقاليدها المحلية، ودرجة التطور المعرفي والثقافي فيها. ثمة إجماع في أوساط الدارسين والباحثين والمعنيين بالنقد الأدبي والخطابات النقدية أن المجلة تعتبر إحدى المجلات التي أسهمت في تطوير الخطاب النقدي عن الأدب في العقود الخمسة الماضية.

(3)

طوال ما يقرب من أربعين سنة، ترأس تحرير المجلة الناقدة والأكاديمية العراقية المرموقة فريال جبوري غزّول؛ الأستاذة بقسم الأدب المقارن بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. نجحت غزّول بامتياز في إكساب المجلة سمعتها الراقية وطابعها المعرفي الرصين؛ وصارت واحدة من المجلات التي لا يستغني عنها دارس أو باحث أو ناقد أو مهتم بالإنسانيات والمعرفة الإنسانية عمومًا.

في حوار أجرته معها الصحفية سهير عبد الحميد؛ توضح فريال غزول السياق الذي ظهرت فيه مجلة "ألف" للوجود ورأت فيه النور للمرة الأولى عام 1981، تقول فريال غزول:

"«ألف» مجلة سنوية أنشأتها مع الصديقتين سيزا قاسم وبربارا هارلو، وبتشجيع من رئيسة قسم الأدب الإنجليزي والمقارن في الجامعة الأمريكية (بالقاهرة). وهي تنشر مقالات محكمة في موضوعٍ محدد؛ مثل «المجاز والتمثيل في العصور الوسطى»، و«حقوق الإنسان والشعوب في الأدب والعلوم الإنسانية» وغيرها.

كنا نقبل دراسات جادة، تصب في محور العدد، باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية، ونرفق ملخص المقالات باللغتين العربية والإنجليزية؛ حتى يتسنى التفاعل الثقافي. إنها مجلة أكاديمية يستخدمها الباحثون في كل أنحاء العالم".

كان الأهم -بالنسبة لي- مع مرور الوقت ومعاودة القراءة والاتصال بدراسات وبحوث المجلة، هو اكتساب هذه الدراسات قيمة مضاعفة ومضافة مع مرور الوقت (مثل السجاد العجمي الذي كلما مر عليه الزمن غلا ثمنه وارتفعت قيمته؛ لندرته وفرادته وصعوبة تقليده)، هكذا كانت دراسات عديدة وبحوث عدة نشرت في أعداد مجلة (ألف) وبخاصة خلال الفترة من 1981 إلى 2001.

حوالي عشرين سنة (نصف عمر المجلة تقريبا) مثلت فترة الطلب والدرس والتكوين لكاتب هذه السطور؛ فكان اكتشاف هذه الدورية بمثابة الكنز لي خصوصًا بما ارتبطت به من تقديم كتابات ودراسات عميقة وذات جدة وطرافة في مسارات الفكر والحداثة وما بعد الحداثة في الأدب والنقد وتحليل الخطاب.. إلخ.

من بين الأعداد العشرين التي صدرت في تلك الفترة وكلها كان رائعا وجديدا ومهما، أتوقف عند العدد الذي خصصته المجلة لابن رشد. كان عددا ضخما ومترعا بالدراسات الفخيمة والمهمة؛ للدرجة التي حدت برئيسة تحرير المجلة الناقدة والأكاديمية العراقية القديرة فريال جبوري غزول أن تتوقف عند هذا العدد بالتحديد في واحد من الحوارات التي أجريت معها لتقول عنه بالحرف:

"في «أَلِف: مجلة البلاغة المقارنة» التي كنت أرأس تحريرها أنجزنا عددًا في أكثر من ست مائة صفحة في عام 1996م بعنوان «ابن رشد والتراث العقلاني في الشرق والغرب» فهو المفكر الذي ساهم في تشكيل النهضة الأوروبية بما يطلق عليه «الحقيقة المزدوجة»؛ حيث يتوافق الوحي الإلهي مع العقل البشري؛ أي أن ابن رشد الفيلسوف قد بشّر بأهمية إعمال العقل في التفسير والتأويل. ومع أن هناك دراسات قيمة عن ابن رشد في الدراسات الفلسفية العربية المعاصرة إلا أنه لم يتجاوز في حضوره المجال الأكاديمي ليدخل فاعلًا في الوعي الجماعي".

(4)

قبل عدة سنوات (ربما عقد كامل من الزمان) أكملت ما كان ينقصني من أعداد أَلِف (مجلة البلاغة المقارنة) منذ العام 1981. اكتملت مجموعتي بدءًا من العدد أو المجلد (17) حتى العدد (37)؛ ثم من العدد (37) حتى العدد (44)؛ أي أنه أصبح لدي مجلدات ما يزيد على ثلاثين سنة بأكملها؛ وهي ثروة لا تقدر بثمن لمن اتصل بالدراسات اللغوية والنقدية و"الدراسات الثقافية"، و"تحليل الخطاب" بسبب أو صلة.

مكتبة نقدية ومعرفية مذهلة، تشكلها أعداد مجلة "ألف" في مجموعتي الخاصة، وإذا وضعنا في الاعتبار أن نصف المواد المحررة والمكونة للعدد الواحد تكون باللغة العربية والنصف الآخر بالإنجليزية أو (أو في الأغلب بنسبة الثلثين إلى الثلث)، يقوم على تحريرها نخبة من المتخصصين الممتازين، ولها لجنة تحكيم غير معلنة لإجازة البحوث والمقالات المنشورة بها، فإننا بإزاء ثروة بالعربية والإنجليزية لا مثيل لها بين مطبوعاتنا ودورياتنا المتخصصة.

على مدار 45 سنة نُشرت في هذه المجلة بحوثٌ ومقالات ودراسات رائدة، ومثّل بعض أعدادها بمحاوره المختارة مراجع أساسية لا غنى عنها في بابها (قد يحتاج الواحد منها إلى حلقة أو أكثر للحديث عنها باستفاضة).

سعادتي لا توصف بهذه المجموعة الرائعة.. حقيقي ممتن لجناح الجامعة الأمريكية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب.