كتب ـ فيصل بن سعيد العلوي
بين القرى العمانية القديمة ومشاهد البحث عن الماء في الأفلاج يعود الزمن في مسلسل «القافر» إلى لحظة مفصلية تشكلت فيها العلاقة بين الإنسان والأرض كشرط للحياة والاستمرار، في تجربة درامية جديدة تستعيد الذاكرة المكانية والإنسانية. وفي هذا السياق يواصل تلفزيون سلطنة عمان تصوير المسلسل المأخوذ عن رواية «تغريبة القافر» الحائزة على جائزة البوكر العربية لعام 2023 للروائي زهران القاسمي؛ حيث من المؤمل أن يعرض على شاشته خلال شهر رمضان المبارك في ثلاثين حلقة، وهو من إخراج تامر إسحاق، (وهو مخرج سوري يعمل في مجال الدراما التلفزيونية، وراكم خبرة طويلة عبر إخراج عدد من الأعمال العربية التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والأعمال التراثية الشعبية، واشتغل في بيئات ثقافية مختلفة داخل سوريا وخارجها، ومن أبرز أعماله مسلسلات معروفة حظيت بحضور جماهيري عربي). ويشارك في مسلسل «القافر» عدد من الفنانين العمانيين إلى جانب وجوه شابة تخوض تجربتها التلفزيونية الأولى. وحول هذه التجربة يتحدث المخرج تامر إسحاق لـ «عمان» للغوص في بعض التفاصيل الخاصة بالعمل وكواليسه وأمنياته.
بداية حول الدوافع الإخراجية لاختيار النص يقول المخرج تامر إسحاق: حين عُرض علي مشروع تحويل رواية «تغريبة القافر» إلى عمل تلفزيوني قرأت النص بعناية. ولا أخفي إعجابي الكبير بهذه الرواية اللافتة؛ لما تنطوي عليه من معانٍ إنسانية عميقة، وما تحمله في نسيجها من تداخل بين الواقعي والأسطوري، وهو ما منحها ثراء دلاليا وجماليا واضحا. وهذا العمق ـ إلى جانب قدرتها على بناء عالم متكامل وشخصيات قابلة للتنامي ـ جعلني أراها مادة رئيسية صالحة لمعالجة درامية ممتدة في ثلاثين حلقة، وقادرة على التحول إلى عمل تلفزيوني يمتلك مقومات الاستمرار والتأثير ضمن سياق العرض الرمضاني. أحد أهم المحاور التي شدتني في الرواية يتمثل في العنوان العريض المتصل بالماء، وعلاقة العُمانيين به سواء عبر المطر أو الأفلاج أو البحث الدائم عنه كجوهر للحياة. وهذه الثيمة لا تحضر كعنصر ثانوي في النص، لكنها تشكل مدخلا أساسيا يفتح آفاقا واسعة على المستويين الدرامي والبصري، ويمنح العمل كثافة إنسانية وسينمائية واضحة. وفي الواقع أن تحويل الرواية إلى مسلسل من ثلاثين حلقة أتاح الاشتغال على هذا المحور كذاكرة جمعية حية قادرة على مخاطبة المشاهد العُماني مباشرة، واستحضار علاقة متجذرة تتجاوز حدود المكان لتلامس أسئلة البقاء والانتظار والصراع مع الطبيعة.
المعالجة الدرامية
وحول المعالجة الدرامية وآليات تحويل الرواية إلى عمل بصري يستعيد المخرج تامر إسحاق علاقته الشخصية بالدراما التراثية وما تتيحه من اشتغال على المكان والذاكرة، حيث يقول: أميل بطبيعتي إلى الأعمال التراثية، وربما تجذبني هذه الحالة أكثر من الدراما الاجتماعية. ورغم أنني قدّمت تجارب اجتماعية متعددة إلا أن شغفي الحقيقي ظل مرتبطا بالأعمال التراثية الشعبية، ولدي تجارب سابقة في هذا النوع من الدراما في أكثر من عمل عربي. وعند الاقتراب من الدراما العُمانية حرصت على أن يبدأ العمل ببحث جاد انطلاقا من الرواية نفسها ومن تفاصيلها السردية وصولا إلى تفاصيل المعالجة الدرامية والعادات والتقاليد والسياق الاجتماعي الذي تتحرك فيه الشخصيات.
ويشير «إسحاق»: في الجوهر هناك قواسم مشتركة واسعة بين المجتمعات العربية من الشام إلى مصر ولبنان والعراق؛ إذ تتشابه البنية العامة للحياة والعلاقات الإنسانية بينما تكمن الفروق في التفاصيل الدقيقة للعادات والممارسات اليومية. وهذه التفاصيل هي ما يمنح كل بيئة خصوصيتها، أما الأجواء العامة فهي آسرَة وغنية إلى حد لا يسمح لي أن أكون مجرد متفرج، لكنها تدفعني كمخرج لأن أكون جزءا فاعلا في صياغتها ومحاولة تقديم شيء صادق من خلالها. وهذه الدراما تعني لي الكثير على المستوى الشخصي؛ لأنها تنتمي إلى نوع أحبه، وأشعر تجاهه بشغف حقيقي.
ويضيف مخرج مسلسل «القافر»: ما شدني أيضا عمق العلاقة بين الشخصيات الدرامية والأفلاج والجبال والأمطار والأرض والزراعة؛ فهذه العناصر تشكل خلفية بصرية، وفي الوقت نفسه تفتح أفقا تخييليا وروحيا يفرض منطقه الخاص على الحكاية. وهنا تبرز المسألة الأساسية في التحويل من الرواية إلى التلفزيون؛ فالرواية تسمح للكاتب بالتحليق في فضاءات قد تميل إلى الفانتازيا، أما العمل التلفزيوني فيتطلب منطقا بصريا وسرديا يجعل المشاهد يصدق ما يراه، ويعيشه وجدانيا ويتفاعل معه، فيحزن ويفرح ويتأثر. وكانت مهمتي أن أعمل على تحويل هذا العالم إلى منطق درامي متماسك من تفاصيل الحكاية الكبرى إلى أدق تفاصيل الشخصيات مع بناء خطوط واضحة لكل شخصية؛ بحيث تتكامل داخل نسيج الحارة، ويصبح لكل فرد حكايته ومساره الخاص. ومن خلال هذا التجانس والتشاركية بين الشخصيات يتشكل من الحكاية عالم حي يمكن للمشاهد أن يدخل إليه، ويصدق أحداثه، ويتفاعل مع مصائره، وهو التحدي الحقيقي الذي حملته هذه التجربة وأتمنى أن أوفق فيه.
خصوصية المكان
وفي حديثه عن خصوصية المكان الذي يعد أحد أهم العناصر الفاعلة في بناء العالم الدرامي يوضح المخرج تامر إسحاق أن التجربة العُمانية شكلت له فضاء بصريا وإنسانيا مختلفا. ويقول: الخصوصية العُمانية كانت عنصر جذب أساسيا بالنسبة لي بكل تفاصيلها من الحالة التراثية العامة إلى الأسواق والحارات والبيوت مرورا بالجبال والأراضي والبحر وصولا إلى الشخصيات نفسها وما تحمله من تنوع وثراء. وهذا التراث العُماني بعاداته وتقاليده وبما يتضمنه من تفاصيل دقيقة في الاكسسوار والملابس وطريقة الكلام وآليات التعاطي وأنماط التفكير شكّل عالما حيا ومتكاملا شدني بقوة، لكن ما كان مهما بالنسبة لي هو كيفية اشتغال الشخصيات داخل هذا العالم، وكيف تواجه مشكلاتها وتبحث عن حلول منطقية نابعة من بيئتها؛ بحيث يصدقها المتلقي، ويتفاعل معها. والهدف كان أن يرى المشاهد من خلال العمل تاريخا ربما عاشه بنفسه، أو عاشه أجداده من قبله، وهو تاريخ لا يزال حاضرا في الذاكرة الجمعية، ويجد كثيرون متعة خاصة في استعادته عبر هذا النوع من الأعمال. وهذه المقاربة جعلت المهمة شاقة، لكنها في الوقت ذاته كانت التحدي الحقيقي في إنجاز هذا العمل داخل سلطنة عُمان.
رهان التفاعل
وفي ختام حديثه أعرب المخرج السوري تامر إسحاق مخرج مسلسل «القافر» المؤمل بثه في شهر رمضان على شاشة تلفزيون سلطنة عمان عن سعادته بتجربة العمل في عُمان، وما يعلقه من آمال على حضور المسلسل وتفاعله مع الجمهور؛ حيث قال: أشعر بسعادة كبيرة لوجودي في سلطنة عُمان وإنجاز عمل بحجم هذا المسلسل. والأمل دائما أن يكون العمل على قدر الرهان المبذول فيه، وعلى مستوى الجهد والتعب الذي رافق مراحل إنجازه مع إدراكنا أن ذائقة المشاهد لا يمكن التنبؤ بها، غير أن ما يمكن الرهان عليه هو حجم العمل والصدق المبذول فيه. فنحن كفريق عمل حرصنا على تقديم عمل قادر على المنافسة؛ عمل يحمل عناصر التشويق والدراما، ويتقاطع مع مشاعر الحب والحزن والفرح بما يتيح للمشاهد أن يتفاعل معه ويتعاطف مع شخصياته، وأن يجد نفسه منساقا مع الحكاية ومساراتها. والهدف لم يكن إنجاز عمل للاستهلاك العابر فحسب، بل تقديم حكاية تأخذ المشاهد إلى عوالمها وأمكنتها، وتدعوه للدخول في تفاصيلها الإنسانية.
في النهاية تبقى المكافأة الحقيقية هي محبة الناس للعمل وتفاعلهم معه. وأتمنى من قلبي أن نكون على قدر الجهد الذي بذلناه في سباق مع الزمن لإنجاز هذا المشروع وتقديمه في موسمه الرمضاني. وأتوجه بالشكر إلى تلفزيون سلطنة عُمان، وإلى جميع العاملين في هذا العمل، وإلى الفنانين العُمانيين الذين أسعدني التعاون معهم في تجربة أعتز بها كثيرا، وأؤمن أنها لن تكون الأخيرة، وإنه شرف كبير لي. وأتمنى أن يشكّل «القافر» صفحة جديدة في مسار الدراما العُمانية التي تستحق حضورا دائما على المستوى المحلي، وعلى المستوى العربي أيضا.