تصميم مستقبل غزة تحت الوصاية الأمريكية

28 يناير 2026
28 يناير 2026

بدأت المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة، وهي جزء من برنامج دونالد ترامب المكوَّن من 20 بندًا لإنهاء الحرب، رسميًا في 14 يناير الجاري، على يد «ستيف ويتكوف» المبعوث الخاص الأمريكي، وفي التوقيت نفسه تمامًا مع تصعيد إسرائيل لقصف قطاع غزة. وبعد أيام قليلة من ذلك، شرح الرئيس الأمريكي رسميًا هيكل «هيئة السلام» التي يُتوقَّع أن تُنجز خطة البنود العشرين.

وفي الوقت الذي لم تتحقق فيه بعدُ كثيرٌ من تعهدات إسرائيل في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار ـ مثل وقف الهجمات، وإدخال المساعدات، والانسحاب الكامل من المنطقة المحددة في غزة، وفتح معبر رفح ـ أُعلن بدء المرحلة الثانية في ظروفٍ تشير، بحسب تقارير إعلامية، إلى أنه رغم الاتفاق القائم لا يزال خطر اشتعال الحرب مجددًا في غزة قائمًا، وأن الجيش الإسرائيلي يستعد لعملية برية جديدة محتملة ضد «حماس» في شمال غزة.

ومع بدء المرحلة الثانية، التي وصفها نتنياهو بأنها «رمزية»، جرى الكشف عن مؤسسات وأشخاص مختلفين. وقد وقّع ترامب ميثاق «هيئة السلام» على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وأبدى رغبة في توسيع صلاحيات الهيئة لمعالجة الأزمات والصراعات في أنحاء العالم، لا في غزة وحدها.

وكما في المرحلة الأولى، يُتوقع أن تواصل إسرائيل في المرحلة الثانية أيضًا خرق وقف إطلاق النار وتوسيع منطقتها العازلة. وإضافةً إلى ذلك، وبالنظر إلى أن نتنياهو يواجه هذا العام انتخابات حساسة، فهو لا يريد أن يدفع في إسرائيل كلفةً سياسية مقابل السماح بتقدم وقف إطلاق النار وإعلان نهاية الحرب بالكامل.

طبقات البنية الإدارية لخطة ترامب تحمل أسماء جديدة بأهداف شبيهة بالأهداف الاستعمارية السابقة، وربما بمصير مماثل:

1. هيئة السلام

هذه الهيئة هي الجسم الرئيسي على المستوى الدبلوماسي والكلّي للخطة، وتعمل كمنظمة دولية جديدة، وتضم قادة ومسؤولين رفيعي المستوى من دول دُعيت لتوفير الغطاء السياسي والمالي للخطة.

قُدِّم ترامب بوصفه رئيسًا مدى الحياة للهيئة ويتمتع بحق النقض (الفيتو). وقد دُعي قادة نحو 60 دولة للانضمام إلى هذه الهيئة التي يتوقع ترامب أن تشرف على «بناء القدرات الحكومية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمار، والميزانيات الكبرى، وحشد رأس المال» في هذه المنطقة المحاصرة، وأُلزمت الدول الراغبة في مقعد دائم بدفع مليار دولار.

وفي حين لم تُدعَ السلطة الفلسطينية للمشاركة في الهيئة، فإن قبول نتنياهوـ المطلوب لدى لاهاي بوصفه مجرم حرب ـ دعوة ترامب للانضمام إلى «هيئة السلام»، فيما يواصل التقدم داخل غزة بدل الانسحاب إلى الحدود المتفق عليها، يمثل تناقضًا مريرًا في عالم اليوم. وهو في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار لا يسعى إلا إلى نزع سلاح «حماس» بالكامل، وهو واثق من أن الولايات المتحدة لن تمارس ضغطًا عليه للالتزام بتعهدات وقف إطلاق النار. وكأن «الخط الأصفر» تحت ظل دعم البيت الأبيض يتحرك يومًا بعد يوم لصالح المحتلين.

2. المجلس التنفيذي لهيئة السلام

هذا المجلس، ومقره واشنطن، يتصدر الهرم، ويُعد مركز القوة وصنع القرار الاستراتيجي، ويشرف على كامل المنظمة (لا على غزة وحدها). ويتولى إدارة الميزانية، وجذب الاستثمارات، وتحديد السياسات العامة والرؤية الاستراتيجية، ويخضع مباشرةً لترامب. ويضم: ماركو روبيو (وزير الخارجية الأمريكي)، جاريد كوشنر (صهر ترامب)، ستيف ويتكوف (المبعوث الخاص لترامب)، توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق)، مارك روان (أحد عمالقة وول ستريت والرئيس التنفيذي لـ«أبولو»)، أجاي بانغا (رئيس البنك الدولي)، وروبرت غابرييل (نائب مستشار الأمن القومي لترامب). ويضم هذا المجلس مليارديرات وشخصيات قريبة من إسرائيل، ومنكري الإبادة في غزة، وغالبًا يفتقرون إلى معرفة عميقة بالمنطقة وفلسطين.

ولمساندة المجلس، عيّن ترامب مستشارين استراتيجيين كبيرين ذوي سجلات جدلية: آري لايتستون (مدافع شرس عن المستوطنين، لعب دورًا محوريًا في دفع «اتفاقات إبراهيم»، المدير التنفيذي لمعهد سلام اتفاقات إبراهيم، تعاون وثيق مع مجموعات تمويل مشاريع عمرانية في إسرائيل، ومن المؤسسين الرئيسيين لـ«المؤسسة الإنسانية لغزة») وجوش غرونباوم (من المستشارين المقربين لجاريد كوشنر وناشط في مشاريع التنمية الاقتصادية المرتبطة بخطط سلام كوشنر، ومنها خطة «ريفييرا» الشهيرة لتطوير سواحل غزة)؛ وذلك ليعملا جسرًا رابطًا بين المجلس التنفيذي والفرق الميدانية. ويتوليان القيادة اليومية للمشاريع والعمليات الاستراتيجية والتنفيذ المنظم لمهام المجلس وأولوياته الدبلوماسية، بما يعكس أهمية ومحورية دورهما في عمل المجلس.

3. الهيئة التنفيذية لغزة

هذه الهيئة هي المستوى العملياتي والإقليمي، شُكّلت خصيصًا لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار داخل قطاع غزة، وتؤدي دور الوسيط بين ساسة واشنطن وإدارة غزة المحلية.

وقال البيت الأبيض في بيان: «ستساعد هذه الهيئة في دعم حوكمة فعّالة وتقديم أفضل الخدمات من الدرجة الأولى بما يدفع السلام والاستقرار والازدهار لسكان غزة.»

وتتكون «الهيئة التنفيذية لغزة» من 11 عضوًا، وتتولى المسؤوليات التشغيلية والرقابية على إعادة الإعمار وأمن غزة وأنشطة اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية، ومهمة التنسيق الإقليمي. وهي مسؤولة عن تطبيق برامج الاستقرار ونزع السلاح وإعادة الإعمار ميدانيًا. وستتعاون «الهيئة التنفيذية لغزة» مع مكتب «الممثل السامي» ومع الحكومة التكنوقراطية الفلسطينية أو «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، ويضم أعضاؤها مزيجًا من أربعة أعضاء من المجلس التنفيذي (كوشنر، بلير، ويتكوف، وروان) إلى جانب مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين: حسن رشاد (رئيس المخابرات المصرية)، ريم الهاشمي (وزيرة إماراتية)، علي الثوادي (دبلوماسي قطري)، هاكان فيدان (وزير خارجية تركيا)، ياكير غباي (ملياردير ومستثمر عقاري إسرائيلي-قبرصي)، سيغريد كاغ (دبلوماسية هولندية ومنسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في غزة)، ونيكولاي ملادينوف (دبلوماسي بلغاري).

وملادينوف، الذي عُيّن «الممثل السامي لهيئة السلام»، يشرف على نقل السلطة من حكم «حماس» إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، ويعمل «حلقة وصل ميدانية» بين هيئة السلام واللجنة. وقد دعم خلال سنوات 2015-2020، حين كان مبعوثًا للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، «اتفاقات إبراهيم». وللانضمام إلى هذه الهيئة أيضًا، لم يُختر حتى ممثل فلسطيني واحد.

4. اللجنة الوطنية لإدارة غزة

في أدنى مستوى من الهيكل، توجد لجنة من تكنوقراط فلسطينيين برئاسة علي شعث، تتولى الشؤون الإدارية والخدمية اليومية تحت إشراف «الهيئة التنفيذية لغزة». وهذه اللجنة المؤلفة من 12 شخصًا (لم تضمّ القائمة سوى اسمين فقط من الأسماء التي طرحتها الفصائل الفلسطينية) قُدّمت بوصفها إطارًا سياسيًا من شخصيات غير فصائلية ذات اختصاص إداري وفني، لتتولى بدلًا من «حماس»ـ التي حكمت غزة قرابة عقدين ـ إدارة الشؤون اليومية لغزة بوصفها جزءًا من المرحلة الثانية لخطة وقف إطلاق النار، وتحت رقابة وإشراف هيئة السلام التابعة لترامب.

5. قوة الاستقرار الدولية

إلى جانب المستويات المذكورة، عيّن ترامب الجنرال جاسبر جفرز، القائد السابق للعمليات الخاصة الأمريكية، قائدًا لقوة حفظ الاستقرار الدولية في غزة، لتتولى مراقبة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل والدائم، وضمان وصول آمن للمساعدات ومواد البناء.

وبالنظر إلى هذا التسلسل الهرمي وإلى الأشخاص المختارين، يبرز سؤال جدي: كيف يمكن لهيئة يُفترض أن تعيد إعمار غزة وتحقق الاستقرار فيها أن تعمل من دون حضور فلسطينيين، بينما تضم أشخاصًا دعموا علنًا الإبادة الإسرائيلية في غزة؟

وفي حين تقدم واشنطن هذا الإطار بوصفه خارطة طريق لـ«إعادة الإعمار والرفاه» في غزة، فإن تجاهل فاعلية الفلسطينيين واستبعادهم من أعلى هيئة لصنع القرار بشأن مستقبل غزة السياسي والاقتصادي وبنية الحكم القادمة، وحصرهم في الشؤون الإدارية-الخدمية، يُظهر أنهم بلا دور في تقرير مصيرهم.

ففي هذا المشروع، تتلقى «اللجنة الوطنية» التعليمات من «الممثل السامي»، وجميع الطرق تنتهي إلى البيت الأبيض وإلى ترامب شخصيًا. وهذا يبلغ حد الإذلال والإهانة لشعبٍ كامل، ويعادل دفن المشروع الوطني الفلسطيني ووضع غزة تحت إدارة عمالقة التجارة لتنفيذ «ريفييرا ترامب».

وبهذا الترتيب، يتعامل ترامب مع غزة لا بوصفها أرضًا يسكنها أكثر من مليوني إنسان وكيانًا سياسيًا-وطنيًا، بل بوصفها «مشروع إدارة عقارات واستثمار»؛ فيضع القرار الاستراتيجي في يد مستثمرين وساسة أجانب، ويحوّل غزة إلى أول منطقة في العالم تُدار على هيئة كونسورتيوم تجاري-أمني؛ يُعرَّف استقرارها لا من أجل أهلها، بل من أجل أمن الاستثمار وازدهار مشاريع العقار على سواحل المتوسط.

إن هذا المشروع شكلٌ من الاستعمار الجديد لتغيير هيئة غزة تحت إشرافٍ خارجي وبما يلائم ذائقة الخارج؛ إذ يُحدَّد مصيرها خارج الحدود ومن دون رضا أصحاب الأرض أو مشاركة شعبٍ تحمّل لأكثر من عامين القصفَ والنزوحَ والجوعَ والقتل ـ في ما يذكّر بتجارب فرضٍ خارجي سابقة مثل الوصاية البريطانية.

يقوم إطار خطة ترامب على فكرة أن كيانًا سياسيًا فلسطينيًا يمكن أن تُنشئه قوى خارجية وتُدمجه كليًا في منظومة الاحتلال لإدارة الشأن الفلسطيني. بينما الحل الوحيد القادر على ضمان استقرار غزة والمنطقة هو استقلال فلسطين الكامل، اعتمادًا حصريًا على إرادة أهلها، وبمسار واضح نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة بالكامل.

يحمل المقترح متعدد الطبقات الذي يقدمه ترامب عيوبًا عديدة، منها: الإقصاء المنهجي للفلسطينيين من تشكيل مستقبلهم وتجاهل حقوقهم السياسية؛ تفضيل أولويات إسرائيل العسكرية على تحسين أوضاع سكان غزة؛ هندسة سكان غزة تحت لافتة إعادة الإعمار عبر نقل مركز الثقل السكاني باتجاه الجنوب؛ النظر إلى غزة لا بوصفها مجتمعًا منكوبًا بالحرب تحمل عقودًا من الحصار والنزوح والحروب المتكررة وانعدام الأمن المزمن، بل بوصفها أرضًا «فارغة» لبناء فنادق وأماكن فاخرة ومناطق تجارية ومراكز بيانات ومنتجعات ساحلية؛ والأهم: تفادي معالجة الأسباب الجذرية للمسألة الفلسطينية ولمعاناة غزة، أي الاحتلال والحصار والسيطرة العسكرية.

وخلاصة القول: إن هذه الخطة، التي ترمي إلى تثبيت الاحتلال والنزوح وفرض نوع جديد من الوصاية من دون أي إشارة إلى فاعلية الفلسطينيين وقدرتهم، ومن دون إدراك أن السلام والاستقرار لا يمكن بناؤهما على إقصاء أصحاب الأرض، محكوم عليها بالفشل.