الضغينة التي تصنع الطغاة: ما يكشفه التاريخ عن القوة المحركة للاستبداد

28 يناير 2026
28 يناير 2026

ترجمة: نهى مصطفى

يؤدي انتصار كاسح في صراعٍ عالمي بين الديمقراطية والاستبداد إلى انطلاق موجةٍ من الديمقراطيات الجديدة، ولا سيما في وسط وشرق أوروبا، يسود فيه نموذج الولايات المتحدة للرأسمالية العدوانية والمبتكرة، واضعًا الأسس الحاكمة للاقتصاد العالمي.

غير أن هذا الانتصار لا يلبث أن يتلاشى، ليحل محله السخط، وتبرز معه أولى ملامح الانهيار. وسرعان ما تعود الحكومات الاستبدادية إلى الظهور داخل الديمقراطيات الناشئة، ما يدخل الديمقراطية والرأسمالية معًا في أزمة قد تكون قاتلة.

هذا المسار يصف بسهولة العقدين الفاصلين بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما يصف التاريخ الحديث منذ نهاية الحرب الباردة. ففي الحالة الأولى، أدت هيمنة النموذج الرأسمالي الغربي، إلى جانب المطالب الديمقراطية الشاملة التي طرحها ويلسون، إلى ردة فعل عنيفة من الحركات الاستبدادية في ألمانيا وإيطاليا وغيرها. أما في الحالة الثانية، فقد أسفر انتصار الكتلة الغربية وزوال المنافس الرئيسي للديمقراطية الليبرالية والرأسمالية عن بروز مقاومة من قادة استبداديين، أو ميالين إلى الاستبداد، يزعمون تمثيل مصالح من جرى تهميشهم في ظل النظام المهيمن، في أماكن مثل المجر وروسيا، وحتى الولايات المتحدة.

تحمل دورة التحول الديمقراطي وصعود الاستبداد في أوائل القرن العشرين دروسًا وتحذيرًا لصناع السياسات في أوائل القرن الحادي والعشرين. فكما هو الحال الآن، يعود صعود الاستبداد اليميني، إلى حد كبير، إلى شعورٍ عميقٍ بالإذلال عند من تخلفوا عن ركب النظام السياسي والاقتصادي الناشئ. ففي فترة ما بين الحربين العالميتين، حفزت هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الأولى، وتسوية الحرب، وانتصار الرأسمالية الغربية، استياءً مريرًا تبلور في حركات فاشية في أنحاء أوروبا. وفي نهاية الحرب الباردة، غذت التحولات الاقتصادية المؤلمة في روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق الأخرى، فضلًا عن البطالة الناجمة عن التغير التكنولوجي، والاستعانة بمصادر خارجية للوظائف في العالم الغربي، غضبًا موجهًا ضد النخب المحلية والمهاجرين الأجانب، وهو ما استغله القادة المستبدون.

أدى فشل القادة الغربيين في إدراك ومعالجة مصادر الإذلال هذه قبل قرن من الزمان إلى كارثة عالمية. وبدون خطة لمعالجة المظالم المتفاقمة اليوم، قد يسلك العالم مسارًا مماثلًا.

كما كتب المؤرخ روبرت باكستون، كان نجاح الحركات الفاشية في أوروبا بين الحربين العالميتين مرتبطًا بشكل كبير بهزيمة البلدان في الحرب العالمية الأولى. فقدت المجر أكبر نسبة من أراضيها، وأقامت عام 1919 أول نظام استبدادي يميني، وتبعتها النمسا في أواخر عشرينيات القرن العشرين. وفي إيطاليا، استغل موسوليني شعور «النصر المشوه» الناتج عن عدم الوفاء بوعود 1915 الإقليمية. غذى شعور الإهانة سياسات قومية انتقامية استهدفت «الأعداء» الداخليين بدعوى الاستعداد لحرب قادمة، ومع صعود النازية استخدم هتلر خطابًا ضد «مجرمي نوفمبر» وانتقد مظاهر العولمة، مثل نقل الوظائف إلى الصين. استعار القوميون السلطويون خطاب اليسار؛ فقدم موسوليني إيطاليا كأمة بروليتارية، وبدأ هتلر نشاطه عام 1919 في سياق يساري، وتشابهت الكتيبات الفاشية مع اليسارية في نقد «البرجوازية». كما عكست وقائع مثل اغتيال هورست فيسل عام 1930 وحديث كارل إرنست تقاربًا ملتبسًا بين الحركات. منح مفكرون هذا المزاج إطارًا نظريًا؛ إذ ربط كارل شميت ديمقراطية فايمار بعصبة الأمم ومعاهدة فرساي، ودعا لاستبدال النظام الليبرالي بـ«مساحات كبرى» تهيمن عليها قوى عظمى، معتبرًا مبدأ مونرو نموذجًا لمستقبل تهيمن فيه ألمانيا.

استغل الطامحون إلى السلطوية الانتقادات العسكرية والاقتصادية، إذ دعا جوزيف جوبلز عام 1932 إلى إقامة حواجز جمركية حول ألمانيا، وتحدث جريجور شتراسر عن «شوق مناهض للرأسمالية» يشترك فيه 95٪ من الألمان. وحققت هذه الخطابات نجاحًا انتخابيًا، إذ بدأ اختراق النازيين أواخر عشرينيات القرن الماضي في المناطق الريفية شمال وشرق ألمانيا، المتضررة من الحرب والمنافسة الزراعية العالمية، حيث أفلست المزارع وتضررت الطبقة الوسطى الريفية، التي قدم النازيون أنفسهم ممثلين قوميين لها في مواجهة برلين اليسارية نسبيًا، وسط خطاب معادٍ للسامية عبر عنه كتاب وصحفيون.

شعرت الطبقة الوسطى البروتستانتية بأن هزيمة الحرب العالمية الأولى لم تكن اقتصادية فقط، بل دينية أيضًا، مع سقوط الإمبراطورية وبروز ديمقراطية صاغتها الأحزاب الكاثوليكية والاشتراكية، ما عمق شعورها بالغربة. وكان لخطاب النازيين القائم على الفخر الوطني والطبقي والديني أثر واسع، لكنه لم يكن كافيًا وحده للوصول إلى السلطة؛ إذ احتاجت الحركات اليمينية المتطرفة إلى التكيف مع النخب التقليدية. فقد وصل موسوليني بدعم كبار ملاك الأراضي ودعوة الملك فيكتور إيمانويل الثالث، بينما تحالف هتلر مع الجيش وكبار رجال الأعمال لكسب تأييد بول فون هيندنبورج، مقدمين مخرجًا للنخب من الأزمات السياسية، في ظل إحباط الليبراليين الإيطاليين، وتذمر رجال الأعمال الألمان من التنظيم الديمقراطي، وغضب العسكريين من رفض تمويل إعادة التسلح.

بالتحالف مع المؤسسة المحافظة، سرعان ما فقد الفاشيون الألمان والإيطاليون طابعهم الشعبوي المناهض للرأسمالية. لكن النخب بالغت أيضًا في تقدير قدرتها على السيطرة على القادة الذين تحالفت معهم انتهازيًا. ففي ألمانيا، فشل القادة العسكريون ورجال الأعمال الذين مهدوا الطريق لهتلر للوصول إلى المستشارية في إدراك قسوته وتطرفه وقدرته على ترسيخ نفوذه السياسي على الشعب الألماني. وما ظنوه صفقة ذكية لضمان مصالحهم الخاصة أدى إلى دمار شبه كامل لأوروبا.

بعد مرور قرن من الزمان، لا يزال القلق بشأن المكانة الاجتماعية عاملًا محفزًا قويًا يغذي النزعة الشعبوية الاستبدادية في جميع أنحاء العالم. عدوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على جورجيا عام 2008، والحرب المستمرة في أوكرانيا، والعديد من الجهود المبذولة لتقويض الديمقراطيات الغربية، كلها متجذرة في الشعور بالإذلال جراء انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي وصفه بوتين بعبارته الشهيرة «أكبر مأساة جيوسياسية» في القرن العشرين، وفي الشعور بتوسع الغرب على الأراضي الروسية السابقة. لكن الحرب الباردة لم تكن مجرد خسارة لموسكو، بل كانت أيضًا، في أحسن الأحوال، نصرًا أجوفًا لكثير من الناس في الدول الغربية الذين لم يجنوا نصيبًا من غنائمها. فبعد عقود من النمو الاقتصادي الذي أعقب الحرب، شهدت جميع الدول الغربية الظاهرة نفسها: نمو ضئيل أو معدوم في الدخول وانخفاض مستويات المعيشة لغالبية السكان. أضف إلى ذلك، النمو الهائل في دخل النخب والهجرة الكبيرة، والنتيجة أرض خصبة للسياسات الشعبوية التي تركز، باختصار، على الإذلال.

في أوساط الحلفاء الديمقراطيين للولايات المتحدة، حفز هذا الشعور بالإذلال صعود أحزاب اليمين المتطرف، لا سيما في المناطق التي تعاني من ركود اقتصادي. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، ازداد الدعم الانتخابي لحزب البديل من أجل ألمانيا(AfD)، اليميني المتطرف الموالي لروسيا والمناهض للهجرة، بشكل ملحوظ منذ عام 2015، ما يجعله الحزب الأكثر شعبية في ألمانيا عام 2025.

ويتركز دعم الحزب بشكل خاص في ألمانيا الشرقية سابقًا. ومثل روسيا، «خسرت» ألمانيا الشرقية الحرب الباردة، ويعتبر العديد من الألمان الشرقيين إعادة التوحيد اللاحقة استيلاءً عدائيًا تعرضوا خلاله لإهانات متكررة من قبل الاتحاد السوفيتي. وبالفعل، يتطابق الدعم القوي لحزب البديل من أجل ألمانيا في الانتخابات الأخيرة تقريبًا مع الوضع في ألمانيا الشرقية سابقًا.

في المملكة المتحدة ، شكل استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثالًا آخر على قوة سياسة الإذلال. فقد تركزت أغلبية الناخبين المؤيدين للخروج بشكل غير متناسب في شمال البلاد الصناعي سابقًا، والذي ظل متخلفًا عن نمو الجنوب الأكثر ازدهارًا طوال قرن من الزمان. وركزت حملة الخروج، التي قادها جزئيًا نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، على القومية الإنجليزية العرقية، وكراهية الأجانب، والعداء للمهاجرين، وانعدام الثقة بالنخب.

وقد تبنى حزب فاراج الجديد، «إصلاح المملكة المتحدة»، هذه المواقف بنجاح كبير، إذ تصدر الحزب استطلاعات الرأي في العام الماضي.

تغيرت الولايات المتحدة نفسها، مهندسة النظام الاقتصادي الحالي، بفعل سياسات الإذلال. ففي عقده الأول في الساحة السياسية الأمريكية، نجح الرئيس دونالد ترامب في حملاته الانتخابية بشعارات مثل «أنا انتقامكم» و«لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا».

وقد مثلت ولايته الثانية، بما فيها من ملاحقات قضائية ونشر عسكري واستعراض للقوة، عملًا انتقاميًا كبيرًا من أولئك الذين شعر أنهم أهانوه، وبالتالي من مؤيديه الأساسيين. وحتى المنتصر بلا منازع في الحرب الباردة والمستفيد الرئيسي من النظام العالمي الذي انتصر في أعقابها، ليس بمنأى عن قوى الضغينة الجارفة.

حذّر إرنست ماي من سوء استخدام القياس التاريخي في صنع السياسات، مؤكدًا أن التعلم من التاريخ صعب لكنه ضروري، لأنه يتيح تفكيرًا أكثر مرونة، وهو ما تحتاجه الولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين، واحتمال تفكك حلف الناتو، وأزمة ديمقراطية داخلية.

يتطلب كبح صعود الاستبداد معالجة مشاعر الإذلال والقلق على المكانة الاجتماعية. ويقدم التاريخ نماذج ناجحة، أبرزها ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين أسهمت سياسات ألمانيا الغربية الاقتصادية والاجتماعية في تعزيز النمو والرفاه والمساواة النسبية، ما حال دون عودة اليمين المتطرف، بدعم من إدارة كونراد أديناور داخليًا، وخطة مارشال وإعادة إعمار أوروبا واليابان في عهد ترومان.

واليوم، تبرز الحاجة إلى تحول مماثل؛ إذ يمكن لسياسات تقلل التفاوت الاقتصادي وتعالج أوجه القصور في الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أن تحد من جاذبية الشعبوية. فتعزيز المساواة والفرص لا يحسن حياة المهمشين فحسب، بل يبعث رسالة بأن الدولة تقدر جميع مواطنيها، وإلا سيستمر العالم في الدوران بين الديمقراطية والاستبداد.