السؤال/ السرد/ الواقع هواجسُ الكتابة وقلقها
28 يناير 2026
28 يناير 2026
حمود سعود -
تقود سيارتك، تنظر إلى خارج النافذة، وخارج المعنى، تفتح النافذة المغلقة/ شبه المعتمة، ترى العُلب الإسمنتيّة تتكاثر بعدما كان المكان «سيحا»، فضاءً مفتوحًا، غابة من أشجار «السّمر»، كلُّ علبة إسمنتيّة تحملُ بداخلها حكاية، وفي الحكاية غربة الكائن وقلقه، سيصرخ أو يهمس الكائن النائم داخل هذه العُلب: ما الذي رمى بي هنا؟ هل ستنبتُ أحلام أطفالي هنا؟ ماذا سيفعل الزمن بجذوري وذكرياتي في القُرى البعيدة؟
لا علينا، لا من سؤال الكائن القلق، ولا من العُلب الإسمنتيّة التي صارت قدرنا وجحيمنا. علينا أن نتتبّع رائحة الحكاية وسؤال السرد، فعلبة السرد أكثر دهشة وجمالًا من علبة الحداثة وحرائقها، تغيرتْ أشكال البيت من الكهوف إلى ناطحات السحب، إلّا أنّ الحكاية ظلّت صامدة وتمددت، يعود الأب متعبًا من رحلة الصيد أو رحلة العمل، فيدلق حكاياته في المساء لتنام الحكايات في مخيلة أطفاله، يدحرج الأطفال الحكايات في دروب أحلامهم.
الكائن النائم في علبته الإسمنتيّة المسماة «بيت» سيكتشف خديعة المدينة، بعدما تلدغه أنياب الرأسماليّة، لكنّ الرجل الذي قاد سيارته، وفتح نافذتها، وأطلق سؤاله، يذهب هو الآخر إلى أفخاخ الحياة، عليه أن يقود سيارته إلى «دوار مكّة»؛ ليشتري من محلّ «دواجن بوشر» دجاجا لعائلته، وبعدها سيذهب إلى محلّ الشابين ليشتري سمكا، سيدحرج له بائع الدّواجن المصريّ حكايته ونكاته، لكنّه مسكون بسؤال السرد، حكى البائع المصريّ عن هجرته من صعيد مصر إلى السودان في طفولته، وعمله في الزراعة وتربية الإبل، هرب من السودان عندما شبّت نيران الحرب، ثمة خيط للحكاية يتشكّل، لكنَّ الزبائن يقطعون خيط الحكاية، جعل البائع ينسى حكايته.
ــ لو سمحت 10 دجاجات 900 جرام. مقطع.
ــ لو سمحت 15 دجاجة بدون تقطيع.
لا يمكنك أيّها السّارد أن تبعثر بالحكاية هكذا الآن، أنت تخرج من محلّ دواجن بوشر، والحكاية لم تكتمل في فم البائع، ومكّة ليست مكّة في مخيّلة القارئ. وقبل أن تضع بطاقة البنك في مكينة البائع، تصدمك العبارة التي يضعها في وجه المكينة: «هتدفع يعني هتدفع».
أهي عبارة للتهديد؟ أم للضحك؟ أم للسخرية من واقع مشترك بين بائع مغترب ومشترٍ ضائع في أفخاخ الحياة؟ علقت العبارة في ذهن السّارد، وأخذ يرددها: «هتدفعوا يعني هتدفعوا، هتدفعوا أحلامكم وأيامكم وأعماركم».
لا عليك من بائع الدواجن، ولا بوشر، ولا مكّة، ولا السّودان، ولا من العبارة السّاخرة من كلّ شيء. أنت الآن هنا في العامرات، تُفتّش عن حكاية، أو فكرة نصّ، لنذهب إلى محلّ السّمك، الشابّان القادمان بأحلامهما من قريات إلى العامرات، تستقبلك عيون الأسماك المفتوحة على مياه الخيال، تستغيث بك لتكتب عن رحلتها من المحيط الهندي إلى سواحل بحر عمان، رحلتها في الضوء والظلام، لتقع في شباك الصيادين في قريات. وتُوضع في قوالب الثلج؛ لكيلا تذوب في جحيم العامرات. تحدّق كمجنون في عيون الأسماك، ترى بحارا ومحيطات، أعماقا زرقاء، بواخر شركات تحرث البحر، تسمع أغاني صيادين موتى تنبعث من عيون الأسماك، ترى في عين السمكة ما لا تراه في واقعك. ترى أغاني الماء، ووحشة الليل في المحيط، وفرح الشمس في عمق البحر.
عندما شاهدني البائع القرياتيّ أحدّقُ في عيون أسماكه، قال بصوت منزعج:
ــ تفضل أخوي.
ــ لا بس تذكرت رسومات محمد نظام .
بعدها أردفتُ قائلًا: أريد ... كليو مقطع سمك.
قبل أن تخرج من محلّ الأسماك، تتوقف مرة أخرى أمام العيون المفتوحة، لا تشبه عيون الموتى، ولا عيون العمّال المتعبين، لماذا تُحدق بي هذه الأسماك؟ لماذا أصبحتُ مرتعبًا من العيون المحدقة بي؟
تعود إلى علبتك الإسمنتيّة أيها السّارد، حاملا معك دجاج بوشر وأسماك قريّات، تدور في دوار «الدقل»، محدّقًا في الطيور التي تقف في نخيل الدوار، وهي تحدّق بالعابرين إلى أعمالهم وأحلامهم وخيباتهم. ماذا لو كتبتْ تلك الطيور المنتشية بالصباح سيرة التعب في عيون العابرين؟ هل ستمتلئ علبة السرد بحكاية الواقع أم أنّ ملح الخيال سيفسد الحكاية؟
ما ذكرته فيما سبق، هي هواجس لسؤال السرد، هواجس يتداخل فيها ما هو شخصيّ وذاتيّ بما هو جمعيّ، يمكن للسّارد أن يطرحَ ويحلّل هواجس هذا السرد بعيدًا عن مناشير النظريّات وسكاكين النقّاد؛ فالأسئلة التي تتفجّر من كبد السرد أجمل من الأسئلة التي تَزرعها النظريّات في حقول السّرد، فالسّارد يشعر بأشواك الأسئلة في قدميه ومخيّلته، ربّما هي أسئلة للقلق الشخصيّ من هواجس الكتابة، قد لا يتفق الساردون معها، أو لم تعبر في مخيّلتهم، لكنّ هذه الهواجس تتفجّر في دروب السرد؛ فسؤال الخيال يلحّ في كلّ نصّ، سؤال لا يزاحمه الواقع، بل يكون الخيال هروبًا فاشلًا من قلق الواقع وقضايا الحياة أحيانا، فمن الصعوبة أن يوازن السارد بين الواقعيّ والمتخيّل في نصوصه؛ إذ الخيال ضرورة لا بدّ منها، والواقع نهر للحكايات.
لنعد إلى طرح الهواجس مرّة أخرى بصورة مختلفة من باب الاحتمالات؛ فالرّجل الذي يسكن العُلب الإسمنتية لا علاقة له بسؤال السرد، لكنّ قلقه واغترابه يمكن أن يكون محرّضًا لسبر روح الحكاية، وتحوّلات المدينة، وأسئلة الزمن المنسيّة، وعمودا في خيمة النصّ، هو لا يفكّر بهواجس السّارد وسرده، لكن السّارد يعيش قلق التحوّل في المدينة، والتشوّه في جوهر الإنسان، يتأمّل أنياب الرأسماليّة كيف تسحق البشر. فالكائن القلق في علبته الإسمنتيّة والمتشظّي بين مدينة وقرية، يساعد السارد في طرح سؤاله عن الاغتراب، مدفوعًا برائحة الخيال.
لم يسأل السرد عن زمن الانتقال من المشهد السرديّ الأوّل إلى المشهد الثاني، ولم يلتفت القارئ لذلك، لكنّ فضول الناقد: سيسأل عن الزمن السرديّ للحدث، ولن يلتفت هذا الناقد إلى الزمن الخاص بالشخصيّة، وقلقها الخاص من التحوّلات. لا زمن سيلتفت إلى قلق التحوّل، السرد هو القادر على جرح كبرياء الزمن.
في المشهد الثاني نجد البائع المصريّ، ربّما يكون مندمجاً مع أغنية لأم كلثوم، أو منصتًا لصوت عبد الباسط عبدالصمد، لم يخبرك السارد بتفاصيل البائع، فحضوره في المشهد الأوّل كان ضبابيًّا وعائمًا؛ لأنّ الخيال وحده لا يبني نصًّا يغوص في عمق الشخصيّة. لم يَصف السرد المشهد والشخصية، رغم أنّ الحكاية بدأت تتشكّل لولا عجلة السارد في الخروج من المكان، ماذا لو تشكّل الرجل المشتري بصورة حكاية في مخيلة البائع؟
ليست هناك قواعد في السرد، فالسرد يمنح مجانينه وعشّاقه الحقّ في كسر كل قواعد المألوف، الدهشة التي يشكلها السّارد قادرة على تجاوز القواعد المتخشّبة، فالبائع العائد من السودان ربما يحمل رماد حروبه وشتات العمر، ويحمل بداخله سؤال المنفى الذي لم يلتفت له السارد المستعجل.
ما الذي يمنع الخيال أن يُشكّل النصّ السرديّ هنا؟ فالبائع يحمل حكايته بين أمكنة مختلفة: مصر، والسودان، والعامرات، وكلّ مرتحل له حكاية. إلى أيّ مدى يجب أن يحضر الواقعيّ في الإبداع؟ وكيف يسهم خيال الكاتب في ترميم فشل الواقع؟ وهل يمكن للمشتغلين في عوالم الكتابة أن يحدّدوا ذلك؟ هناك نصوص كتبت بخيال محض، لكنّ القارئ يظن ذلك واقعيًّا، وهناك نصوص تنحو منحى الواقعيّة إلّا أنّ المتلقّي ينسبها إلى عوالم الخيال؛ إذن هناك خيوط خفيّة بين هذا وذاك، وبين صنعة مبدع، غير أنّ ذلك لا يمنع من القول بقليل من الشكّ واليقين: إنّ الواقع أكثر غرائبيّة من الخيال؛ إذ كلُّ خيال يمكن أن تتصوّره مخيّلتك أنّه يحدث في مكان ما، وكلّ واقعيّ لديك هو خياليّ لدى شخص آخر.
فبائع السمك لم يفتح باب الحكاية في وجه السارد، ليس لأنّه لا يملك شباكًا للسرد، بل هو صيّاد للأسماك والحكايات، ولكنّ الريبة والشكّ خامرته عندما رأى وجه السارد المندهش، فالبحر محرّض جماليّ للحكاية، للاتساع الأزرق، للغموض الذي يربك مخيّلة الصيّاد.
يعود الرجل الذي فتح نافذة سيارته ومخيّلته إلى بيته، لينجو من أفخاخ الحياة، ترك السمك المقطع في المطبخ، تسلّل طفله إلى المطبخ، ليحمل رأس السمكة ويضعه في البحر الذي رسمه في كراسة الرسم، لم تتحرّك السمكة في بحر الطفل، إلّا أنّ الخيال حرّك السرد في مخيّلة الطفل.
حمود سعود قاص عماني
