عمان اليوم

مختصون: الفحص الطبي قبل الزواج... استثمارا وقائيا لحماية صحة الأسرة والمجتمع

26 يناير 2026
كتب ــ عبدالعزيز العبري
26 يناير 2026

-د. جلال المخيني: الاستقرار الأسري يرتبط بالاستعداد الصحي المسبق بقدر ارتباطه بالتوافق الاجتماعي والاقتصادي

-سعيد المكتومي: الاختيار الواعي لا يعني الرفض بل فهم الواقع الصحي واتخاذ قرار ناضج قائم على القبول أو الاعتذار باحترام

-نورة الصبحية: السلامة الصحية والنفسية للوالدين تنعكس إيجابًا على سلامة نمو الطفل.

أكد مختصون في الشأن الاجتماعي والأسري والنفسي لـ "عمان" أن قرار إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج لم يعد إجراءً صحيًا يقتصر على الكشف الطبي فحسب، بل تجاوز ذلك ليأخذ أبعادًا اجتماعية ونفسية وتنموية تسهم في تعزيز استقرار الأسرة وتماسك المجتمع، والحد من المشكلات الصحية والاجتماعية المحتملة مستقبلًا.

ويأتي هذا القرار ضمن منظومة وطنية متكاملة تهدف إلى بناء أسرة عُمانية مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات، انسجامًا مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" في محور الإنسان والمجتمع، التي تركز على الوقاية، وتعزيز جودة الحياة، والاستثمار في الإنسان.

ويستعرض هذا الاستطلاع آراء عدد من المختصين في المجالات الاجتماعية والنفسية والتنموية حول انعكاسات الفحص الطبي قبل الزواج على استقرار الأسرة، وتعزيز الثقة بين الزوجين، ودعم الاختيار الواعي لشريك الحياة، إضافة إلى دوره في حماية صحة الأبناء، وخفض الأعباء الصحية والاقتصادية، وبناء مجتمع صحي، متماسك، ومستدام.

المحور الاجتماعي والأسري

في هذا السياق، أوضح الدكتور جلال بن يوسف المخيني، مدير المكتب الفني للجنة الوطنية لشؤون الأسرة، أن الفحص الطبي قبل الزواج يُعد استثمارًا وقائيًا في استقرار الأسرة العُمانية، ويأتي ضمن التوجهات الوطنية الهادفة إلى بناء مجتمع متماسك وأسرة مستقرة.

وبيّن أن الفحص الطبي قبل الزواج برز كأحد الأدوات الوقائية التي تجاوز دورها الصحي التقليدي، لتصبح ركيزة اجتماعية مؤثرة في استدامة الأسرة العُمانية، انسجامًا مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040 " في محور الإنسان والمجتمع.

وأشار إلى أن انعكاس إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج على استقرار الأسرة على المدى البعيد أكدته التجارب الاجتماعية والصحية، حيث أسهمت هذه الإلزامية في خفض المخاطر الصحية المستقبلية التي قد تواجه الأسرة، خصوصًا تلك المرتبطة بالأمراض الوراثية.

وأوضح أن هذا الإجراء الوقائي لا يحمي الأفراد فحسب، بل يُحصّن كيان الأسرة منذ لحظة التأسيس، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على استقرار الحياة الزوجية، ويقلل من احتمالات التفكك الأسري الناتج عن صدمات صحية غير متوقعة.

وأضاف: إن مختصين يرون أن الاستقرار الأسري لم يعد مرتبطًا فقط بالتوافق الاجتماعي أو الاقتصادي، بل أصبح الاستعداد الصحي المسبق عنصرًا حاسمًا في استدامة العلاقة الزوجية، موضحًا أن الأسرة التي تبدأ على أسس صحية واضحة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، وأكثر تماسكًا على المدى الطويل.

تقليل الخلافات الزوجية

وبيّن أن دراسات اجتماعية تشير إلى أن نسبة كبيرة من الخلافات الزوجية في سنوات الزواج الأولى تعود إلى اكتشاف أمراض أو مشكلات صحية بعد الزواج، وهو ما يولّد شعورًا بعدم الثقة، أو الإحساس بالإخفاء المقصود.

وأفاد أن الفحص الطبي قبل الزواج يلعب دورًا محوريًا في تقليل عنصر المفاجأة، وتعزيز الشفافية بين الطرفين، وتحويل التحديات الصحية المحتملة إلى قرارات واعية مشتركة بدل أن تكون سببًا للنزاع، وبذلك يتحول الفحص من إجراء طبي إلى أداة وقائية اجتماعية تسهم في خفض النزاعات الأسرية.

وأوضح أن المعرفة الصحية المسبقة تُعد أساسًا للعلاقة الزوجية القائمة على الوعي والمسؤولية، حيث تضع الزوجين أمام واقع واضح، وتمنحهما القدرة على التخطيط الواعي للمستقبل، سواء فيما يتعلق بالإنجاب، أو نمط الحياة، أو المتابعة الطبية.

وأضاف: إن هذا الوعي يعزز مفهوم الشراكة الحقيقية، وينمّي الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويرسّخ قيم الصراحة والثقة، وهي من القيم التي تؤكد عليها "رؤية عُمان 2040" في بناء الإنسان الواعي القادر على اتخاذ قرارات مصيرية مبنية على المعرفة لا العاطفة فقط.

وأكد أن الأسرة الآمنة تمثل نواة المجتمع المتماسك، ولم يعد الفحص الطبي قبل الزواج مجرد شرط إجرائي، بل أصبح استثمارًا وطنيًا طويل الأمد في استقرار الأسرة وتماسك المجتمع، وانتقالًا واعيًا من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى منعها قبل أن تبدأ، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.

وأشار كذلك إلى أن الفحص الطبي يسهم في تعزيز مفهوم الأسرة الآمنة والمتماسكة اجتماعيًا، حيث إن المعرفة الصحية المسبقة تضع الزوجين أمام واقع واضح، وتمنحهما القدرة على التخطيط الواعي للمستقبل، ويعزز هذا الوعي مفهوم الشراكة الحقيقية، وينمّي الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويرسّخ قيم الصراحة والثقة، واتخاذ قرارات مصيرية مبنية على المعرفة لا العاطفة فقط.

المحور النفسي والاجتماعي

بدوره أوضح سعيد بن راشد المكتومي، رئيس قسم الاستشارات الأسرية، أن الفحص الطبي قبل الزواج يسهم بشكل كبير في ترسيخ مفهوم الاختيار الواعي لشريك الحياة، لأنه ينقل قرار الارتباط من العاطفة وحدها إلى مزيج متوازن من العقل والمسؤولية.

وبيّن أن الفحص الطبي يعرّف الطرفين بحالتهما الصحية، خاصة فيما يتعلق بالأمراض الوراثية، مما يساعد على اتخاذ قرار مبني على معرفة حقيقية، ويعزز الشعور بالمسؤولية تجاه الشريك والأسرة المستقبلية، ويسهم في حماية الأبناء من خلال معرفة احتمالية انتقال أمراض وراثية أو صحية.

وأشار إلى أن معرفة هذه الاحتمالات تمكّن الزوجين من الاستعداد النفسي والطبي، أو إعادة التفكير في الزواج إن كانت المخاطر كبيرة، وهو ما يعكس اختيارًا واعيًا يضع مصلحة الأبناء في المقدمة. وأضاف أن الفحص الطبي يفتح باب الحوار الصادق حول القضايا الصحية الحساسة، ويعزز الشفافية، ويقلل من المفاجآت بعد الزواج، ويبني الثقة المتبادلة منذ البداية، مما يساعد على تقليل النزاعات والمشكلات المستقبلية.

وأوضح أن الاختيار الواعي لا يعني الرفض التلقائي عند وجود مشكلة صحية، بل هو فهم لطبيعة الحالة وتقدير القدرة على التعايش معها، واتخاذ قرار ناضج مبني على القبول أو الاعتذار باحترام، مؤكدًا أن الفحص الطبي يعزز مفهوم الزواج كشراكة لا كمغامرة، ويؤكد أن الزواج مشروع حياة طويل الأمد يحتاج إلى تخطيط واستعداد، وليس مجرد ارتباط عاطفي مؤقت.

وبيّن أن الشفافية الصحية قبل الزواج تلعب دورًا محوريًا في بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين، كونها تمثل أساسًا أخلاقيًا ونفسيًا لعلاقة زوجية مستقرة، حيث يعكس الإفصاح الصادق عن الحالة الصحية احترام الشريك، ويؤكد أن العلاقة قائمة على الوضوح لا الإخفاء. وتشمل هذه الشفافية الإفصاح عن الأمراض المزمنة والوراثية، والصحة النفسية، والقدرة الإنجابية، وأي تشخيصات أو علاجات قد تؤثر على العلاقة الزوجية أو نمط الحياة.

وأضاف: إن اطلاع الطرفين على الحالة الصحية لبعضهما يقلل القلق والخوف من المفاجآت، ويجعل كل طرف شريكًا في القرار لا ضحية له، ويمكّن الطرفين من فهم التحديات المحتملة والتخطيط الأسري السليم، وتقدير القدرة على التعايش معها، بما يعزز اتخاذ قرار الزواج أو الاستمرار فيه بمسؤولية ونضج.

وأشار إلى أن اتخاذ قرار الارتباط يتطلب توازنًا بين العاطفة والمعايير الصحية، فالعاطفة تمنح العلاقة دفئها، بينما تمنحها المعايير الصحية أمانها، وعندما يجتمع الحب مع الوعي الصحي يكون القرار ناضجًا ومسؤولًا، وتُبنى العلاقة على الثقة والاحترام، وتزداد فرص الاستقرار الأسري والنفسي على المدى الطويل.

وأوضح أن نظرة المجتمع إلى الفحص الطبي قبل الزواج شهدت تحولًا ملحوظًا من كونه عائقًا أو مصدر إحراج اجتماعي إلى كونه ضمانًا للاستقرار الأسري، نتيجة ارتفاع مستوى الوعي الصحي، وزيادة المعرفة بالأمراض الوراثية والمعدية، والتجارب الواقعية لأسر واجهت تحديات صحية كان يمكن تفاديها بالفحص المبكر.

أبرز الأدوات الوقائية

وفي محور السياسات العامة والتنمية الاجتماعية، أشار إلى أن الفحص الطبي قبل الزواج يمثل أحد أبرز الأدوات الوقائية التي تعتمدها سلطنة عُمان ضمن منظومتها الوطنية للصحة العامة، لما له من دور محوري في تعزيز صحة الأسرة، ودعم الاستقرار الاجتماعي، وخفض كلفة العلاج طويلة المدى، وبناء مجتمع صحي ومستدام.

وأوضح أن هذا الإجراء يأتي في إطار التوجه الوطني نحو الانتقال من التركيز على العلاج إلى تبنّي نهج وقائي استباقي، يهدف إلى الحد من انتشار الأمراض الوراثية والمعدية، وتعزيز الوعي الصحي لدى المقبلين على الزواج، وتمكينهم من اتخاذ قرارات مسؤولة قائمة على المعرفة.

وبيّن أن برامج التوعية المصاحبة للفحص الطبي قبل الزواج أسهمت في رفع مستوى الفهم المجتمعي لطبيعة الفحص وأهدافه، وتقليل القلق النفسي والوصم الاجتماعي، وتحويل الفحص إلى إجراء وقائي داعم لصحة الأسرة، لا اختبارًا اجتماعيًا، الأمر الذي ساعد على فتح حوار صحي واعٍ داخل الأسر والمجتمع.

وأشار إلى أن خفض كلفة العلاج لا ينعكس فقط على الجانب الاقتصادي، بل يُحدث أثرًا اجتماعيًا عميقًا على تماسك الأسرة، من خلال تقليل الضغوط النفسية والتوتر والنزاعات الأسرية، في حين يسهم اقتصاديًا في تقليل العبء المالي على النظام الصحي عبر الحد من الحالات المرضية المزمنة التي تتطلب علاجًا طويل الأمد ورعاية تخصصية مكلفة.

وأكد أن الفحص الطبي قبل الزواج لم يعد مجرد إجراء صحي، بل أصبح أداة استراتيجية تسهم في بناء مجتمع صحي ومستقر ومستدام، من خلال الوقاية المبكرة، وتعزيز الوعي، ودعم التخطيط الصحي طويل المدى.

الطفولة المبكرة

وفي المحور الاجتماعي والأسري المتصل بالطفولة المبكرة، قالت نورة بنت حمد الصبحية، مديرة دائرة شؤون الطفل، إن السلامة الصحية الجسدية والنفسية للوالدين تُعد عاملًا أساسيًا في توفير بيئة أسرية آمنة ومستقرة للطفل، حيث ينعكس ذلك بشكل مباشر على أسلوب التربية والعلاقة الأسرية، وقدرة الوالدين على تلبية احتياجات الطفل العاطفية والتربوية، وتوفير الدعم والرعاية والحماية.

وبيّنت أن الصحة النفسية المتوازنة للوالدين تسهم في بناء أنماط تواصل إيجابية داخل الأسرة، والحد من التوتر والنزاعات، ما ينعكس على النمو النفسي والاجتماعي السليم للطفل، ويعزز ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الاجتماعي وبناء العلاقات.

وأضافت: إن الفحص الطبي قبل الزواج، وأثناء الحمل وبعد الولادة، يسهم في الكشف المبكر عن الأمراض التي قد تنتقل إلى الطفل أو تؤثر في نموه وتطوره، ويرفع من فرص التدخل الوقائي أو العلاجي في الوقت المناسب، كما يساعد على توعية الوالدين بالمخاطر الصحية المحتملة، وتزويدهم بالإرشادات اللازمة للعناية الصحية السليمة والمتابعة الطبية المنتظمة والتطعيمات الضرورية، بما يضمن بيئة أسرية داعمة للنمو السليم، ويحقق مصلحة الطفل الفضلى.