العرب والعالم

عصابات المستوطنين تقدح شرارة التصعيد في الضفة

26 يناير 2026
عتداءات "مدفوعة الأجر" هدفها التضييق على الفلسطينيين
26 يناير 2026

خلال الساعات الأخيرة، قتل مستوطنون متطرفون، المواطن الفلسطيني جبريل أحمد قط (59) عاماً من قرية مادما قرب نابلس شمالي الضفة الغربية، وكل "جرمه" أنه كان يعتني بأرضه، بينما كانت عصابات المستوطنين، والقوات الخاصة الإسرائيلية، تنصب كميناً للايقاع بشبان القرية، فعاجلوه بالرصاص القاتل، وبدم بارد.

بينما استيقظ أهالي قرية عطارة شمال رام الله، على وقع نار حامية، أشعلها المستوطنون بمركبة أحد المواطنين، وقد تركوا شعاراتهم في المكان، على نحو "رمضان صعيب" وتعني بالعربية، أن شهر رمضان سيكون صعباً على أهالي القرية، والفلسطينيين بوجه عام، وأن هذه الاعتداءات سيكون لها ما بعدها.

وتنذر اعتداءات عصابات المستوطنين، التي تصاعدت أخيراً في الضفة الغربية، وامتدت لتطال مناطق واسعة منها، بمخاطر حقيقية على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وخصوصاً في القرى والبلدات، التي لا تكاد تخلو واحدة منها من وجود مستوطنة تجثم على صدرها، أو شارع استيطاني يخترق أراضيها.

تعددت الاعتداءات والفاعل واحد، فالمستوطنون المنفلتون يهاجمون المنازل، ويطلقون النار على المارة، ويحرقون السيارات والحقول، ويدمرون المزروعات، وفي كل مرة يتركون الشعارات العنصرية في الأماكن التي ينفذون فيها اعتداءاتهم، وقوامها التهديد والوعيد بالعودة ثانية، وممارسة الهجمات ذاتها.

وباتت عربدة المستوطنين خطراً يهدد كل مناحي الحياة اليومية في قرى المغير وترمسعيا وسنجل وكفر مالك (رام الله) وحوارة وقريوت ومادما وعصيرة القبلية (نابلس)، ما يستوجب توفير حماية حقيقية للمواطن الفلسطيني الذي لم يعد آمناً حتى وهو في أرضه أو بيته.

رواتب مقابل الاعتداءات!

وتنتاب أهالي القرى التي يستهدفها المستوطنون، المخاوف من تزايد وتيرة الاعتداءات، وانتقال أعمال الحرق والعربدة من السيارات والحقول إلى المنازل التي يسكنها هؤلاء، لا سيما وأنها تنفذ بحماية من جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يوفر الحماية لتلك العصابات المنفلتة.

وتؤشر الاعتداءات المتكررة التي ينفذها المستوطنون المتطرفون في الأرياف الفلسطينية، إلى وجود نوايا عدوانية لدى هؤلاء، ولا يخفي المواطنون الفلسطينيون قلقهم من ظهور محرقة جديدة، كتلك التي شهدتها قرية دوما جنوب نابلس عام 2015، حين أحرقت عائلة دوابشة، واستشهد ثلاثة من أفرادها إثر حرق منزلها ليلاً.

ويرى حقوقيون فلسطينيون ومختصون في الشأن الإسرائيلي، أن العمل المنفلت الذي يمارسه المستوطنون، يندرج في إطار خطة ممنهجة ومنظمة، ينفذها مستوطنون متطرفون، يقيمون في المستوطنات الجاثمة على الأراضي الفلسطينية، بهدف زعزعة حياة الفلسطينيين، وتركهم في حالة من الرعب وعدم الاستقرار، مشيرين إلى أن هذه الخطة تحظى بدعم سياسي غير محدود من حكومة بنيامين نتنياهو، وهو ما يدفع بالمستوطنين للتمادي في اعتداءاتهم.

يقول المستشار القانوني لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، وائل قط، إن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، تتم بدعم من المستوى السياسي، وهدفها التضييق على الفلسطينيين، ودفعهم إلى الرحيل، وتأتي استكمالاً للحرب الاقتلاعية التهجيرية التي شنها كيان الاحتلال على قطاع غزة.

ويشرح لـ"عُمان": "بعض هؤلاء المستوطنين، يتلقون رواتب هائلة من حكومة الاحتلال، وشغلهم الشاغل هو ممارسة الاعتداءات على قرى الضفة الغربية، وهذا مؤشر خطير، بأن هذه الاعتداءات لا تأتي بمحض الصدفة، وليست كما يدعي الاحتلال بأنها في سياق الرد على هجمات فلسطينية ضدهم، فهي متواصلة على مدار الساعة، حتى لو لم تكن هناك أي أحداث تذكر".

تواطؤ جيش الاحتلال

وترسم جرائم "ساكني التلال" وهو الاسم الذي تطلقه عصابات المستوطنين على نفسها، فيضاً من علامات الاستفهام حول دور جيش الاحتلال، إذ بات واضحاً من خلال مسلسل الاعتداءات الإجرامية التي طالت المواطنين وممتلكاتهم، دون أي تدخل للجيش، أن الأخير متواطئ في هذه الجرائم، ولا يقوم بدوره المفترض في حماية السكان والمرافق العامة ودور العبادة في المناطق التي يسيطر عليها.

ولئن يتوقع الفلسطينيون تسارعاً في وتيرة هجمات المستوطنين واعتداءاتهم في المرحلة الراهنة، فإن أعضاء اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال، لا يخفون فرحهم وارتياحهم مع كل اعتداء ينفذه المستوطنون (وفق إعلامهم) بحسبان هذه الاعتداءات تساعدهم في التنكيل بسكان القرى والبلدات الفلسطينية، والانتقام منهم.

وتحيط بقرى شرق رام الله وجنوب نابلس، عدة مستوطنات، ومن بينها بؤر استيطانية تُعرف بـ"الرعوية" ويربي فيها المستوطنون المواشي، وينتشرون في مراعي المنطقة، ويمنعون المزارعين الفلسطينيين من رعي مواشيهم فيها، لتسهيل السيطرة عليها وتالياً مصادرتها.

وارتفعت وتيرة الاعتداءات وأعمال التخريب من قبل المستوطنين في الضفة الغربية، على المواطنين ومنازلهم وممتلكاتهم وحقولهم التي يبحثون فيها عن لقمة عيشهم، بعد أن منع الكيان الإسرائيلي الآلاف منهم من الوصول إلى أماكن أعمالهم في القدس والداخل الفلسطيني، منذ السابع من أكتوبر.

ويجمع كثيرون من أهالي القرى الفلسطينية التي تعرضت لاعتداءات المستوطنين، أن حكومة نتنياهو هي من أطلقت يد المستوطنين لممارسة اعتداءاتهم، بعد تسليحهم، نتيجة للضغوطات والاحتجاجات الداخلية التي شهدها الشارع الإسرائيلي أخيراً.