"مصطفى سعيد" وسؤال الوطن المفقود في رواية عماد البليك
بسام جميدة -
لا تبدو الرواية المعاصرة منشغلة بالحكاية بقدر انشغالها بالسؤال. سؤال الهوية، وسؤال الجدوى، وسؤال العلاقة المأزومة بين الفرد وتاريخه. وفي هذا السياق، يطل علينا الروائي عماد البليك وهو يمسك بمهارة خيوط الرواية بدقة وإحكام بتنوع سردي فيه من المهارة الكثير عبر رواية "البحث عن مصطفى سعيد" الصادرة في 2025 عن منشورات إبييدي في مصر، التي قسمها إلى فصول سلسة التناول طرح خلالها الكثير من الأسئلة عبر الراوي العليم تارة، والضمير المتكلم تارة أخرى وبطريقة درامية لا تخلو من الفلسفة التي تحاكي نفوس الشخصيات وهي تبحث عن كثير من المعاني الوجودية في بلد تنازعته الظروف القاسية والحروب، لذا فقد جاءت الرواية بوصفها نصاً لا يبحث عن شخصية بقدر ما يفتش في خرابٍ داخلي جمعي، وعن أثرٍ لماضٍ لم يُحسم، وعن وطن لم يعد يُعرَّف إلا بوصفه تجربة فشل متراكمة.
فمصطفى سعيد، الذي خرج من نص الطيب صالح بوصفه لغزاً ثقافياً وإنسانياً، لم يعد هنا شخصية قابلة للاستدعاء أو المحاكاة، بل صار شبحاً دلالياً، علامةً على مأزق ممتد، ومجازاً لوعي سوداني ظل يدور في الحلقة نفسها منذ ما بعد الاستقلال. البحث عنه لا يعني الرغبة في العثور عليه، بل الرغبة في فهم لماذا ظل حاضراً كل هذا الوقت، ولماذا فشل السوداني، مثقفاً كان أم عادياً، في تجاوزه.
الرواية، في جوهرها، لا تستعيد "موسم الهجرة إلى الشمال" بقدر ما تحاكم الأثر. تحاور صورة البطل الفحولي، والمثقف الذي يواجه الغرب عبر الجسد والمعرفة، لتكتشف أن هذه الصورة لم تعد صالحة لزمن الانكسارات الكبرى، وأنها ربما كانت جزءاً من الوهم الذي غذّى خيبات لاحقة. من هنا يتحول مصطفى سعيد إلى عبء رمزي، وإلى سؤال أخلاقي: ماذا فعل هذا النموذج بوعينا؟ وماذا فعل بنا حين صدقناه؟
الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية قلقة، مهشمة، وغير مطمئنة إلى سردها الخاص، لا تقدم نفسها بوصفها وريثة لمصطفى سعيد، بل بوصفها نقيضه المأزوم. فبطل الرواية محمود سيد أحمد شخصية لا تمتلك يقيناً، ولا خطاباً متماسكاً، ولا حتى بطولة قابلة للتصديق. وهذا بالضبط ما يمنحها صدقها الفني؛ فهي ابن زمن تتكسر فيه المعاني، وتفشل فيه السرديات الكبرى، وتتحول فيه الثورة إلى تجربة شك، لا إلى يقين خلاص.
الهجرة في هذا النص ليست انتقالاً جغرافياً، إنما حالة ذهنية. السفر من السودان إلى الخليج، ثم إلى أوروبا، ليس بحثاً عن مستقبل أفضل بقدر ما هو هروب من مواجهة الذات. لكن المفارقة أن الأمكنة الجديدة لا تقدم خلاصاً، بل تعيد إنتاج الاغتراب بصيغ أكثر قسوة. فالغرب، الذي كان في المتخيل القديم مساحة للافتتان والمواجهة، يتحول هنا إلى فضاء بارد، إداري، خالٍ من المعنى، لا يمنح البطل سوى شعور إضافي بالهشاشة.
وتبدو الذاكرة في الرواية ليست مخزناً للماضي، بل ساحة صراع. فالشخصية لا تستدعي الماضي لتستقر فيه، وإنما لتقاوم انهيار الحاضر. الأم، الوطن، الطفولة، وحتى النصوص القديمة، تتحول إلى أدوات دفاع نفسي، لا إلى مصادر طمأنينة. كأن الذاكرة نفسها أصيبت بعدوى الخراب، ولم تعد قادرة على أداء وظيفتها الترميمية.
من اللافت أن الرواية لا تقدّم السياسة بوصفها خلفية محايدة، بل بوصفها عنصراً مدمراً للبنية النفسية للشخصية. الثورة، التي تُستعاد في النص، لا تظهر كحلم مكتمل ولا كهزيمة مطلقة، بل كجرح مفتوح. فهي لحظة أمل سرعان ما انكشفت هشاشته أمام عودة العنف، والانتهازية، وتحالف العسكر مع الخيبات القديمة. هنا يصبح المثقف شاهداً لا فاعلاً، ومتهماً لا بطلاً، وعالقاً بين رغبته في التغيير وعجزه عن تحمّل كلفته.
السرد في الرواية يتخلى عمداً عن الاستقامة. الزمن متشظٍ، والراوي غير موثوق، والوقائع تختلط بالهلاوس، والحد الفاصل بين الحقيقي والمتخيل يظل ملتبساً. هذا الخيار الجمالي ليس ترفاً تقنياً، بل تعبير عن وعي مأزوم بعالم فقد تماسكه. فكيف يمكن لسرد مستقيم أن يصف واقعاً منكوباً إلى هذا الحد؟
الميتاسرد، وتداخل الأصوات، والحوار مع نصوص سابقة، كلها أدوات تُستخدم لا لتزيين النص، بل لتعريته. فالرواية تبدو وكأنها تسائل نفسها باستمرار: هل ما يُكتب شهادة أم وهم؟ هل السرد خلاص أم شكل آخر من أشكال الهروب؟ وهل الكتابة قادرة على إنقاذ صاحبها، أم أنها مجرد طريقة مؤجلة للاعتراف بالعجز؟
تمتاز الرواية بالسرد المكثف الذي يبدو مزيجا ما بين التعاطي مع الأحداث المتعاقبة، والتأمل والبحث وطرح الأسئلة من خلال التأملات الاجتماعية والنفسية الممزوجة بصراعات كثيرة يقدمها السارد بنفسه في محاولة لتعرية ما يمر به كبوح علني ينم عن رؤية ثاقبة لما تمر به البلاد وما يتهدد بطل الرواية من مصائب ومحن كأنموذج يمكن مطابقته مع ما تمر به العديد من البلاد التي ينتابها ذات الوجع.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الرواية بوصفها رواية اعتراف جماعي، لا اعتراف فردي. اعتراف بجيل حمل أحلاماً أكبر من قدرته على الاحتمال، وبوطن استهلك رموزه دون أن ينتج بديلاً، وبثقافة ظلت أسيرة نموذج بطولي لم يعد موجوداً إلا كنص.
"البحث عن مصطفى سعيد"، في النهاية، ليس بحثاً عن شخص، ولا حتى عن رمز أدبي، بل بحث عن معنى لم يتشكل، وعن سردية وطنية لم تكتمل. إنه بحث عن إجابة لسؤال مؤلم: لماذا نعيد الدوران حول الجرح نفسه؟ ولماذا تبدو كل محاولة للشفاء وكأنها تعمّق الإصابة؟
الرواية لا تقدم جواباً، ولا تدّعي امتلاك رؤية خلاصية. لكنها تفعل ما هو أكثر صدقاً: تكشف القلق، وتضعه في مركز السرد، وتسمح له بأن يكون صوتاً، لا عيباً. وبهذا المعنى، فإن قيمتها لا تكمن في ما تقوله عن مصطفى سعيد أو البطل البديل محمود سيد أحمد، بل في ما تقوله عن السودان، وعن المثقف العربي، وعن الإنسان الذي يجد نفسه فجأة بلا سردية يطمئن إليها.
تجربة البطل تُشير إلى أنه يمسك بزمن سوداني شديد الحساسية: ما بعد إسقاط البشير (2019) وصولاً إلى انفجار الحرب (15 أبريل 2023) وما خلّفته من نزوح وتمزق، ويظهر البطل وهو يعود بعد الثورة أملاً بالمشاركة في بناء واقع جديد، ثم يصطدم سريعاً بخيبات السياسة وتكرار العنف والانتهازية، قبل أن ينتهي به الأمر إلى الهرب نحو لندن طالباً اللجوء.
هذا الخط الزمني ليس خبرية سياسية في الرواية، بل مادة وجودية. فالثورة لا تأتي بوصفها خاتمة للظلم، بل بوصفها بداية سؤال أشد قسوة: ماذا يحدث عندما يسقط رأس النظام وتبقى بنية الخراب؟ ماذا يحدث حين يتحول الحلم إلى عبء، وتصبح السياسة مجرّد ماكينة لإعادة إنتاج الإذلال؟ إنها رواية عن زمن لم يعد يسمح بالأبطال، ولا يحتمل الأوهام الكبرى، لكنه لا يزال بحاجة ماسّة إلى من يجرؤ على النظر في المرآة، حتى لو كانت الصورة موجعة.
إنها مغامرة أدبية تُمسك بتقاطعات الهوية والسياسة والذاكرة، وتُعيد تشغيل إرث مصطفى سعيد لا بوصفه شخصية قابلة للاستحضار، بل بوصفه مفتاحاً لفهم مأزق سوداني متجدد.
