ثقافة

"No Other Choice".. كوميديا سوداء لواقع مضطرب

22 يناير 2026
22 يناير 2026

"No Other Choice" للمخرج بارك تشان-ووك، وبطولة لي بيونغ-هون، فيلم "كوميدي"، مصنف لفئة ما فوق الخامسة عشرة، هذا التوصيف يخلق توقعا واضحا لدى المتفرج بعمل ساخر خفيف، يهدف إلى الترفيه وربما التخفيف من ثقل الحياة اليومية.

بناء على ذلك، دخلت صالة السينما متوقعة تجربة ضاحكة أو على الأقل مريحة نفسيا.

غير أن ما شاهدته لم يكن كوميديا بالمعنى الشائع، بل عملا أقرب إلى الكوميديا السوداء، التي عكس واقعا مضطربا يكشف ما يعيشه الشخص ببرود.

البداية كانت عادية جدا، وروتينية بإيقاع بطيء وأحداث مألوفة، تتحرك فيها الشخصيات داخل عالم يومي مستقر، لا يلبث أن ينقلب تدريجيا، حيث يتغير أسلوب التمثيل وتتحول الأجواء وكأنه فيلم آخر يكتنفه الغموض والإثارة في تحول صادم يصل إلى مستوى الرعب. فالفيلم عنيف بشكل لافت، ويحتوي على مشاهد لا تبدو مناسبة لمن هم في سن الخامسة عشرة، ولا حتى لمن يدخل قاعة السينما معتقدا أنه سيشاهد فيلما كوميديا للتسلية، أو ليخفف من كآبته، أو ليصطحب شخصا مكتئبا أو مريضا، فضلا عن طفل.

ومع أن التصنيف الرسمي هو "فوق الخامسة عشرة"، إلا أن بعض المشاهد تتجاوز هذا الإطار بكثير، سواء من حيث العنف أو من حيث المضامين المخصصة للكبار، ما يجعل الحد الأدنى المنطقي لتصنيفه أقرب إلى "فوق الحادية والعشرين". لذلك أرى بأن الإشكالية الأولى تكمن في سوء توصيف الفيلم وتصنيفه وليس جرأته. وكان الأجدر أن يقدم ضمن أفلام الغموض أو الإثارة، مع تصنيف عمري أكثر دقة، احتراما لوعي المشاهد، وللفئات العمرية المختلفة.

وعلى مستوى الحكاية، يعالج الفيلم قضية المسرحين عن العمل، وهي معاناة إنسانية عامة تعيشها مجتمعات كثيرة، تتناول أشخاص يفقدون وظائفهم لأسباب متعددة، حيث تبدأ القصة ببطلها يو مان سو الذي يجسد دوره الفنان لي بيونغ هون، رجل فقد وظيفته في مطبعة بعد سنوات طويلة من العمل فيها، فيدخل دوامة البحث عن فرصة جديدة داخل سوق عمل قاس ومحدود.

وتبدأ الحبكة حين ينقلب حال العائلة المستقرة، فتتصدع مع تسريح الزوج من عمله لتبدأ نقطة الانكسار الأولى. يعجز البطل عن الإيفاء بالتزاماته، ويضطر للاعتماد على زوجته، حتى البيت القديم الذي كان ملكا لجده، يتحول إلى عبء، فيرفض الزوج فكرة بيعه، ويشير إلى حكاية غامضة وأسرارا تحمل تاريخا مظلما يوازي تحول صاحبه. وتحت وطأة الضائقة، تضطر العائلة إلى عرض البيت للبيع بسبب الرهن، والتخلي عن كلبين كانا جزءا من الأسرة.

كما نجد الابن المتبنى شاهد صامت على تحولات الأب، والطفلة التي لا تستطيع الكلام وتكتفي بترديد كلمات الآخرين تعاني ضغطا نفسيا شديدا يدفعها إلى البكاء والعزلة. أما الزوجة كانت تعيش روتينها الخاص وتمارس رياضة التنس، فتجبر على التخلي عن مضاربها وبيع البيت، ليقبل الزوج بالأمر على مضض. في الوقت نفسه، يعيش الزوج حياة مزدوجة، يخرج يوميا مدعيا البحث عن عمل، ويعود متأخرا، ما يزرع الشك في نفس زوجته، التي ظنت في البداية أنه يخونها، غير أن الحقيقة تنكشف لاحقا على نحو أشد صدمة، حين يخبرها الابن بما رآه، فتدرك طبيعة الأفعال التي كان زوجها يخفيها خلف قناع السعي إلى وظيفة.

يتجاوز الفيلم قضية البحث عن عمل كأزمة اقتصادية لينتقل إلى قضايا أكبر بتفكيك منظومة المحسوبيات، وتهميش الكفاءات، وشح الفرص، وندرة التخصصات المطلوبة. ويجد البطل نفسه محاصرا وعاجزا، فيلجأ إلى طرق ملتوية غير أخلاقية للحصول على الوظيفة، ليخرج من إطار الإنسان الطبيعي المتوازن، ويضعه في حالة من التوحش النفسي والاجتماعي التي لا يمكن تبريرها عقلا ولا قبولها اجتماعيا.

وكأن الفيلم يطرح سؤالا: إلى أي حد يمكن للضغط الاقتصادي أن يدفع الإنسان إلى التخلي عن قيمه؟ اللافت في الأمر أن الفيلم لا يشيطن البطل، وإنما يقدمه في صيغة إنسانية معقدة. فهو رجل يحمل مشاعر كبيرة، يصوره الفيلم محبا لعائلته، وحريصا على طمأنة زوجته، فيرد على مكالماتها باستمرار، ويسعى لتعويضها عما فقدته بعد خسارته عمله، كما يلتزم برغباتها، ويحاول استعادة إحساسها بالأمان، متمسكا بدوره الأسري كآخر ما تبقى له من كرامة.

كما يحمل البطل قدرا من الرحمة والعطف، تتجلى في تبنيه لطفل، وتحمله مسؤولية زوجته وأبنائه، ما يضفي على الفيلم لحظات صادقة من الود الإنساني. وحتى في مواجهاته مع منافسيه على الوظيفة، لا يتعامل معهم كأعداء، يقترب منهم مدركا آلامهم ويعترف بها، ويصرح لهم بأنه "مضطر" للمضي في خطته. ولكن هذه الإنسانية لا تصمد طويلا، إذ تهزم تدريجيا أمام رغبة جامحة في النجاح، تتحول إلى هوس يتجاوز كل الحدود الأخلاقية، وتصبح الغاية مبررا لكل وسيلة.

يقوم البطل بمراقبة ضحاياه عن قرب، متتبعا تفاصيل حياتهم اليومية، ويتعرف على عائلاتهم، ونقاط ضعفهم، ومخاوفهم، وطموحاتهم في خطة محكمة للإقصاء. وبهدوء يستدرجهم واحدا تلو الآخر، ليزيحهم من الطريق حتى يضمن أن يكون المرشح الوحيد المتبقي.

طوال الفيلم، كنت أترقب لحظة واحدة، وهي تدخل الشرطة والقبض عليه، أو أي شكل من أشكال المحاسبة. لكن النهاية جاءت من أغرب ما شاهدت. لم يعاقب البطل، ولم يحاسب، بل على العكس تماما، واصل حياته بشكل طبيعي، وحصل على الوظيفة، ووقفت زوجته إلى جانبه بالرغم من اكتشاف الحقيقة، متفهمة أسبابه. وعادت العائلة إلى بيتها، وعاد الكلبان، وكأن كل ما حدث كان مجرد مرحلة قاسية انتهت بنجاح.

نهاية صادمة توحي بأن ما فعله البطل كان حقا مشروعا، أو خيارا فرضته الحياة بدون عقاب أو اعتراف بالذنب، ليترك الفيلم المشاهد أمام تساؤلات وعلامات استفهام لا تنتهي، بنهاية مفتوحة تجعل المشاهد شريكا في الإدانة أو التبرير.

الفيلم هو عمل كوري مقتبس من رواية "الفأس" للكاتب الأمريكي دونالد إي. ويستليك، يمتد إلى ساعتين وعشرين دقيقة، بدايته المملة تعكس رتابة الحياة اليومية قبل الانهيار. ومع تقدم الأحداث، يتحول الملل إلى صدمة تخرج الفيلم من كونه عملا مسليا، إلى تصنيف يصعب وصفه بدقة. حتى النهاية لا تمنح الإحساس بالحسم. خرجت من العرض لا أدري إن كان جيدا أم لا، ممتعا أم لا. شعوري بالصدمة كان أكبر من الرضا، حيث تركني الفيلم في منطقة رمادية بلا إجابة.

لا يمكن إنكار جودة الإخراج، من حيث الإضاءة والمونتاج، فضلا عن الموسيقى التي وظفها مع الأحداث مع أغان كورية جميلة، كما أن المكان تم اختياره بين الغابة التي تمثل الريف الكوري، ومشاهد المصانع والحياة العملية، ليعكس الفيلم البيئة الاجتماعية والاقتصادية بطريقة أقرب إلى الواقع.