No Image
عمان اليوم

70 % من الأمراض النادرة لها أساس وراثي وغالبًا ما تكون مزمنة

22 يناير 2026
22 يناير 2026

تشكل الأمراض النادرة تحديا صحيا حقيقيا، إذ لا يتجلى التحدي الأكبر في عدم انتشارها فحسب، بل في "مأساة التشخيص" التي ترافقها، فتبدأ معاناة المريض وعائلته من خلال رحلة شاقة عبر تخصصات طبية متعددة، تكتظ بالتشخيصات الخاطئة والعلاجات غير المجدية، مما يؤدي غالبًا إلى الشكوك والتساؤلات، وهذه الرحلة قد تمتد لسنوات حيث يفتقر المريض إلى إجابة حاسمة، مما يزيد من تعقيد حالته الصحية ويهدر فرص العلاج الممكنة.

Image

تعرّف الدكتورة حليمة بنت محمد البلوشية، طبيبة بقسم الطوارئ الأمراض النادرة بأنها "حالات مرضية يقل معدل انتشارها عن حالة واحدة لكل ألفي شخص، وتشير الدراسات إلى أن ما يزيد على 70٪ من هذه الأمراض لها أساس وراثي، وغالبًا ما تكون مزمنة، متعددة الأجهزة، وقد تبدأ أعراضها منذ الطفولة أو تظهر بشكل متأخر لدى البالغين".

وتحدثت عن طبيعة الأمراض النادرة التي قد تظهر في أقسام الطوارئ بقولها: "قد تظهر الأمراض النادرة على شكل حالات حادة مهدِّدة وغالبًا ما تتظاهر الأمراض النادرة بشكل غير نمطي أو على هيئة مضاعفات حادة، مثل فشل تنفسي، اضطراب وعي، صدمة دورانية، أو اضطرابات استقلابية حادة، وغالبًا لا يكون المرض مُشخّصًا مسبقًا، ما يجعل التعرف عليه تحديا سريريا". وأوضحت أن العائق الرئيسي في تشخيص هذه الحالات هو انخفاض معدل الاشتباه السريري بسبب ندرة هذه الأمراض، إضافة إلى تداخل أعراضها مع أمراض شائعة، وعدم توفر فحوصات تشخيصية متخصصة بشكل فوري، خاصة في بيئة الطوارئ التي تعتمد على قرارات سريعة.

وأضافت البلوشية: "إن الأعراض غير النوعية مثل التعب، ضيق التنفس، الإغماء، أو تغير مستوى الوعي قد تؤدي إلى تشخيصات عامة في البداية، مما يؤخر التفكير في وجود مرض نادر، خصوصًا إذا لم تكن هناك علامات سريرية واضحة منذ البداية". وأكدت أهمية الفحوصات المتقدمة وعلى رأسها الاختبارات الجينية، التي تؤدي دورًا محوريًّا في تأكيد التشخيص، خاصة في الأمراض الوراثية والاستقلابية، حيث ساهمت هذه التقنيات في تقليل الأخطاء التشخيصية وتسريع الوصول إلى العلاج المناسب.

وذكرت أمثلة لحالات مرضى حضروا للطوارئ بتغير لون الجلد وضيق التنفس، وتم تشخيصهم مبدئيا بحالات تنفسية شائعة، ليتبيّن لاحقا أنهم يعانون من اضطرابات نادرة في الهيموغلوبين، كما مرت حالات لأطفال بأعراض قيء متكرر واضطراب وعي، وتبيّن لاحقا وجود اضطرابات استقلابية وراثية، هذه الأمثلة تبرز أهمية التفكير في الأمراض النادرة عند عدم توافق الأعراض مع المسار السريري المتوقع.

وأفادت الدكتورة حليمة بأن تأخر التشخيص قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل تفاقم المرض، أو حدوث أضرار دائمة في بعض الأعضاء، وممكن أن يُفقد المريض فرصة التدخل العلاجي المبكر الذي يمكن أن يغيّر مسار المرض. وبينت أنه نفسيًّا يمر المرضى بحالة من عدم اليقين والقلق المزمن، وقد تتطور إلى اكتئاب أو اضطرابات قلق، خصوصًا عند غياب خطط علاجية واضحة، وفي بعض الحالات يمنح التشخيص شعورًا بالارتياح لأنه يفسر أعراضًا طويلة الأمد غير مبررة.

وحول سؤالنا هل لتشخيص المرض النادر انعكاسات اجتماعية أو أسرية؟ أجابت الدكتورة: "نعم، فالتشخيص قد يفرض تغييرات كبيرة على نمط حياة المريض والأسرة، بما في ذلك الاعتماد على أفراد الأسرة في الرعاية، تقليل النشاطات الاجتماعية أو المهنية، وأحيانًا تغيّر الأدوار داخل الأسرة"، مشيرة إلى أن التشخيص الصحيح يتيح اختيار علاج موجّه أو بروتوكول متابعة مناسب، ويمنع استخدام علاجات غير فعّالة أو قد تكون ضارة، كما يساعد في التنبؤ بسير المرض ومضاعفاته المحتملة.

وقالت البلوشية: "هناك عوامل تعوق وصول المرضى إلى العلاج الفعّال منها ارتفاع تكلفة الأدوية المتخصصة، محدودية توفرها، قلة المراكز المرجعية، والحاجة أحيانًا لإجراءات تنظيمية أو موافقات مطوّلة للحصول على العلاج".

واختتمت الدكتورة حليمة حديثها أنه "بالرغم من ندرة هذه الأمراض إحصائيًّا، فإن أثرها الصحي والإنساني كبير، وعلى الأطباء الانتباه للأعراض الغريبة أو المستمرة التي لا يفسرها التشخيص الشائع، وإحالة المريض بسرعة للفحوصات المتقدمة والمراكز المتخصصة، فهذا يقلل التأخير في التشخيص ويحمي صحة المريض ويعطيه فرصة أفضل للعلاج".