تأصيل..

16 يناير 2026
16 يناير 2026

تواجه الحياة اليومية عوامل انشطارية كثيرة، قد تربك الرتم الذي يعتاده الناس في حياتهم اليومية، وليس في هذا الأمر أية علاقة لضيق الحياة واتساعها، مع أن عمليات الانشطار التي تحدث تربك التأصيل البنيوي للقيم الاجتماعية؛ على وجه التحديد؛ خاصة في مسألة الالتحام بالجذور القيمية وتأصيلها مع تهاوي عوامل التغريب من كل حدب وصوب، ولذلك فأي تغيير يحدث يتكشف؛ في المقابل؛ الكثير مما كان مخبوءا،

والذي كان في حكم العادة؛ ولأن العادة تجري مجري المقبول، والمؤمن به، لا يتلبس أحدنا شعور بأهمية ما هو معتاد، وما هو نمطي، حتى يتغير الأمر بغير ما هو معتاد؛ حيث تحدث الصدمة، فتصطدم النفس بواقع غير مألوف، وهذه الصورة برمتها لا تكون بهذا الوضع الذي نتحدث به عند من لم يمر بتجربة حياة طويلة نسبية؛ كما نعتقد، وفق معيار العمر البيولوجي، فهذا تقييم مجانب للصواب، ولماذا نربط المسألة أو هذه الصورة بضيق الحياة أو اتساعها؟ لأن جملة المفارقات الموضوعية التي تحدث عند الناس؛ تظل مربوطة بهذا الضيق، أو بهذا الاتساع،

ففي زمن معين للفرد نفسه قد يعيش في بحبوحة من الرزق، فتتشكل ممارساته اليومية مع من حوله وفق هذه البحبوحة، وفي زمن معين عند ذات الفرد أو غيره؛ تضيق الحياة لقلة الرزق، فتتشكل؛ في المقابل؛ ممارسات مختلفة، والناس في كلا الحالتين يلمسون هذه التغيرات التي تحدث عند فلان من الناس، أو عند أنفسهم؛ بالتأكيد؛ ولأن الصورة معتادة وفق هذا الرتم المتكرر، فإن ما يثير الانتباه، يكون غالبا غير معتاد، ولا تزيد المسألة في تقييم الحالة أكثر من قول «سبحان الله مغير الأحوال» لأن الوعي العام لا يريد أن يدخل نفسه في متون قضايا هي شبه متكررة في الحياة اليومية، أما لو حدثت مفارقات نوعية وكبيرة، فهي كفيلة بذاته لأن تلفت الأنظار، وتفتح مجالات التأويل والتعليل.

تسعى الفكرة المطروحة هنا إلى توضيح أثر العادة في قبول المتغير بصورة مطلقة، وأثر هذا المتغير على الحياة العامة، التي يسلم الناس بقبول متغيراتها كيفما تكون؛ لأن في ذلك خطورة على إرباك القناعات عند الأفراد، وتفاوت هذا الإرباك بين فئات السن المختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى شيء من الصدام بين طرفين أحدهما مسلِّم لما يحدث، ويعده من مجريات الحياة اليومية واستحقاقها، وآخر يرى فيه خروجا عن النص؛ وهذا النص يمثله الكثير من المحددات التي اعتمدها أبناء المجتمع كمنهج حياة وكحماية أيضا؛ ومنها: القيم الضابطة، والعادات المتوارثة، والدين، وصولا إلى التشريع في بعديه الشرعي والقانوني، فمن الملاحظ في هذا الجانب،

أن المجتمع مهما طغت عليه أدوات التغريب؛ سريعا ما تجده وقد عاد إلى القواعد المرجعية ليمارس نوعا من الضبط، ليحد من أثر التغريب، ومن الاستثناءات القليلة التي يسلم فيها أبناء المجتمع لأدوات التغريب، وإن كانت صورتها براقة واحتفالية ومغرية، فإن هذا الافتتان لا يدوم طويلا فتعود المسألة إلى قواعدها التقليدية القديمة، ولو بنسب متواضعة، حيث يبقى صوت الرفض لما هو متغير حاضرا، وقد ينمو سريعا ليثبت حقه في البقاء، ولو كلفه الكثير.

ولذلك نقرأ كثيرا من الرسائل التي ينشرها أفراد المجتمع عبر أدوات التواصل الاجتماعي: إما مثمنة لأمر ما، أو رافضة له، أو مطالبة بتعديله، ويحدث كل ذلك والناس في تفاوتهم في المساحة المتاحة بين اتساع الحياة وضيقها، فهذا الاتساع والضيق لن يلغي القناعات المتأصلة في الرفض والقبول لأي أمر يرى الأفراد أنه يتصادم مع قناعاتهم، أو عدم استيعابهم له، ومن الملاحظ أن ذلك يحدث على طول التسلسل الهرمي للأعمار، وليس مقصورا على عمر بيولوجي بعينه، وهذا يعني لا يمكن فصل الأفراد من فئات الأعمار الصغيرة عن الالتفات إلى شيء من المرجعيات التي يرى فيها تأصيله القيمي، مهما تشبع هذا الشاب أو هذه الفتاة من كثير من ما يتاح من أدوات التغريب، حيث يعود الجميع إلى الأصل.