الاقتراض كأداة للنمو لا عبء على الموازنة
13 يناير 2026
13 يناير 2026
محمد بن أحمد الشيزاوي -
كثيرٌ منا ما أن يحصل على فرصة عمل حتى يطرق باب البنوك يأخذ قرضا لشراء سيارة أو للزواج أو لشراء أو بناء مسكن أو للسفر أو غيرها من الأغراض الأخرى. البعض يوظف القرض أحسن توظيف، ولا يأخذ إلا ما يحتاج إليه فعلا دون أن يرهق نفسه بقرض كبير لا يستطيع سداده. والبعض الآخر ما أن ينتهي القرض حتى يأخذ قرضا جديدا، وفي أحيان أخرى يجمع بين قرضين في وقت واحد، والبنك سخيٌّ في العطاء، ولا مانع لديه من أن يضاعف لك القرض، ولكنه عند السداد لن يكون ذلك الشخص الودود الذي التقيت به أول مرة ورحب بك وأحضر لك حلوى وتمرا وقهوة.
والدول في تعاملها مع القروض لا تختلف كثيرا عن الأفراد؛ فالنقطة الأهم ليست في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في كيفية الاستفادة من القروض في إقامة مشروعات إنتاجية تُسهم في تحريك الأنشطة الاقتصادية، ورفع كفاءة قطاع النقل -على سبيل المثال-، وإنشاء المصانع والموانئ والمطارات والمشروعات السياحية والزراعية والتجارية والصناعية التي تؤدي إلى زيادة الناتج المحلي، وتتيح المزيد من فرص العمل، وتؤدي إلى تنشيط قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودعم نمو ريادة الأعمال. وباختصار فإن توجيه الدَّين العام نحو الاستثمار المنتج هو الذي يجعل الاقتراض أداة للنمو، لا عبئا على الموازنة.
وفي ظل الضغوط التي يفرضها الاقتراض والمخاوف المتكررة من ارتفاع الدَّين العام تبرز العديد من التساؤلات لعل من أبرزها: هل نتوقف عن الاقتراض؟ وإن اقترضنا: فكيف ندير الأموال التي حصلنا عليها من البنوك المحلية والعالمية؟ وأي قطاع أو مشروع علينا توجيه التمويل إليه؟ الإجابة على هذه التساؤلات تعد مدخلا مهما لمناقشة أثر الاقتراض على التنمية إيجابا أو سلبا. وفي اعتقادنا أن الإشكالية الأساسية لا تكمن -كما أشرتُ سابقا- في الاقتراض بحد ذاته، وإنما في كيفية توظيف القرض وجعله أداة في يد التنمية تُبنى من خلاله المصانعُ، وتُشيّد عبره المدارسُ والجامعاتُ والطرقُ والمستشفياتُ. وعدم الاقتراض -في نظرنا- قد يؤثر سلبا على التنمية والنمو الاقتصادي. وحتى نحقق التوازن في ذلك علينا التركيز على أن يكون الدَّين العام عند حدودٍ آمنةٍ تُتيح للاقتصاد النمو، وتحمّل عبء الدَّين دون ضغط على الإيرادات العامة أو على المشروعات الضرورية للتنمية؛ فالاقتراض بهذا المفهوم -أي للاستثمار وتشجيع الإنتاج- من شأنه زيادة العائدات التي تحققها الدولة من المشاريع التي يتم إنشاؤها، وعلى سبيل المثال فإن الدولة في هذه الحالة قد تدفع فائدة سنوية على القرض بنسبة 2% أو 4% لكنها في المقابل سوف تحقق عائدا استثماريا أو اقتصاديا أفضل من خلال تشغيل موانئ جديدة أو مصانع منتجة أو مدارس وجامعات ترفع قدرات الطلبة وتدعم البحث العلمي والابتكار وتحفّز المواهب المحلية.
وفي حقيقة الأمر لا يمكن تشييد مشروع استثماري ضخم من خلال التمويل الذاتي، وفي أحيان كثيرة لا يعد تمويل المشروعات ذاتيا قرارا سليما لأننا في هذه الحالة سوف نضغط على السيولة المتوفرة لدينا وبدلا من استغلالها في الفرص التي تأتي من حين لآخر أو الاستفادة منها في الحالات الطارئة نجمدها في مشروع يستغرق تشييده عدة سنوات خاصة مشروعات الصناعات الثقيلة أو مشروعات الطاقة والموانئ واللوجستيات والصناعات المتجددة التي تحتاج إلى عدة سنوات لتحقيق العائد منها.
ومن المهم أيضا أن تتسم القروضُ التي تُمنح للمشاريع بأن تكون فترات سدادها طويلة نسبيا وذات فوائد منخفضة مع فترة سماح طويلة وشروط مرنة، ولهذا فإن الدول تتفاوض مع المقرضين على نسبة الفائدة وفترة السداد وكيفية التمويل كثيرا حتى يصل الطرفان إلى اتفاق يحقق مصلحة الجميع دون أن يكون القرض مكلفا للدولة وفي الوقت نفسه يحقق للمقرضين أهدافهم، ولهذا فإن كثيرا من القروض التي يتم منحها للمشاريع الكبرى عادة ما تكون متوسطة أو طويلة الأمد قد تتراوح بين 20 و30 سنة أو أكثر مع فترة سماح تمتد 8 سنوات أو أكثر حتى لا تضغط على العائدات التي يحققها المشروع.
وهذا يقودنا إلى الحديث عن أهمية تقليل مخاطر القروض على الموازنة العامة وعلى المشروعات الاقتصادية والتنموية الأخرى، فحتى مع الحرص على أن تكون فترات السداد طويلة وأن تكون فوائد القروض منخفضة فإن تقليل مخاطر الدَّين العام على الموازنة العامة يعد أمرا أساسيا قبل إبرام اتفاقيات التمويل، وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن أهمية أن تتميز المشروعات التي يتم إنشاؤها عبر التمويل سواء من البنوك المحلية أو الدولية بوجود تدفقات نقدية واضحة بعد إنجازها بحيث يتم سداد الدَّين من خلال إيرادات المشروع وليس من الموازنة العامة للدولة، ومن شأن هذه الصيغة تقليل المخاطر خاصة إذا أخذنا في الاعتبار تأثر الموازنة العامة للدولة عادة بتذبذب أسعار النفط من سنة لأخرى.
وكما أشرتُ سابقا فإن القروض ليست سلبية بحد ذاتها، ولكنها قد تتحول إلى عبء على الموازنة العامة للدولة إن تم تجاهل العناصر التي أشرنا إليها سابقا، خاصة ما يتعلق بنسب الفائدة وفترة السداد وفترة السماح وما إذا كانت المشاريع والبرامج المنفذة إنتاجية أو استهلاكية.
وبالإضافة إلى ما سبق هناك عدد من النقاط الأخرى علينا التطرق إليها في هذا المقال من أبرزها: قيمة القرض ونسبته من إجمالي تكلفة المشروع، فإذا كانت تكلفة المشروع 100 مليون ريال عماني فمن غير المنطقي أن تكون قيمة القرض أكثر من 60 مليون ريال عماني لأن تكلفة الدَّين -بما في ذلك سداد القرض والفوائد المترتبة عليه- ستكون عالية وتضغط على التدفقات النقدية وإيرادات المشروع الذي قد لا يحقق جدواه الاقتصادية، كما أن ربط الدَّين العام باستراتيجية مالية طويلة الأجل أمرٌ ضروري حتى نتجنب التأثيرات السلبية لارتفاع الدين العام؛ على أن تُعنى هذه الاستراتيجية بتحديد سقف دَين واضح سواء من حيث القيمة (20 مليار ريال عماني أو أكثر أو أقل) أو من حيث نسبته من الناتج المحلي الإجمالي (30% أو أكثر أو أقل) مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكون خطط السداد واقعية حتى لا يضغط الدَّينُ العام على الموازنة العامة وأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية وبما يجعل الاقتراض أداة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة وليس عبئا على الاقتصاد، هذا بالإضافة إلى الاهتمام بحوكمة القروض والتركيز على كفاءة إنفاقها وتحديد استخداماتها بما يحقق عائدا اقتصاديا وليس مجرد تكاليف إدارية أو شكلية تضاف إلى التكاليف الفعلية للمشروعات.
وبشكل عام ينبغي أن تسهم القروض في تحقيق عائد اقتصاديّ جيد، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال اختيار المشروعات المطلوب تمويلها بعناية تامة ودراسة مكاسبها الاقتصادية ثم التركيز على الحد من التأثيرات السلبية للقروض على النمو الاقتصادي والمتطلبات الاجتماعية -بحسب ما أشرنا إليه سابقا- وهذا من شأنه تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتسريع تنفيذ الخطط الاقتصادية المتعلقة بالتوظيف وزيادة الصادرات وسد النقص في المنتجات المطلوبة محليا وتشجيع التصنيع وتطوير الخبرات الوطنية وتوليد قيمة مضافة مستدامة وتوفير البنية الأساسية التي تُسهم في استقطاب الاستثمارات وخفض تكاليف تأسيس المشروعات الاقتصادية.
محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
