كلما ازداد التطبيع توسّع الاستعمار
01 يناير 2026
جوزيف مسعد - ترجمة: بدر بن خميس الظفري
01 يناير 2026
تتمثل إحدى السياسات الأمريكية الأساسية في العالم العربي في دفع جميع الدول العربية إلى إقامة علاقات «طبيعية» مع إسرائيل، بهدف تطويق الفلسطينيين بحلفاء لمستعمِريهم وحرمانهم من أي سند خارجي.
وسبق لهذه السياسة أن تجلت في اتفاق أوسلو الأول عام 1993، الذي حوّل منظمة التحرير الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى متعهد فرعي للاحتلال الإسرائيلي، يعمل على تطويق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة نفسها. وقد صُممت هذه الاستراتيجية الاحتوائية لوأد النضال الفلسطيني نهائيًا. وحين استمرّت المقاومة الفلسطينية، وبلغت ذروتها في عملية «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023، لم يُعاد النظر في هذه الاستراتيجية، بل جرى تسريعها وتوسيع نطاقها.
ومنذ الإعلان عن «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، لم تعد جهود التطبيع مقتصرة على الدول العربية، وإنما امتدت إلى دول ذات أغلبية مسلمة لم تكن في حالة حرب مع إسرائيل أصلًا، لكنها لم تكن تقيم علاقات دبلوماسية معها. ومؤخرًا، في نوفمبر، روّجت إدارة ترامب لانضمام كازاخستان رسميًا إلى هذه الاتفاقيات، رغم أنها كانت تحتفظ أصلًا بعلاقات دبلوماسية «كاملة» مع إسرائيل. كما يُقال إن إندونيسيا، التي لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل، تدرس هي الأخرى خيار التطبيع.
ويأتي هذا التوسع في وقت تعثرت فيه عدة مبادرات عربية في أعقاب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، وفي مقدمتها المسار السعودي، وحتى ليبيا، التي التقت وزيرة خارجيتها بنظيرها الإسرائيلي في إيطاليا في أغسطس 2023، قبل أن يجعل القتل الجماعي المستمر للفلسطينيين المضي في هذا المسار أمرًا غير قابل للاستمرار.
وقبل أن تعتمد الولايات المتحدة التطبيع مع إسرائيل كاستراتيجية إقليمية، كان هذا التصور قد طُرح أصلًا باعتباره استراتيجية صهيونية. فمنذ أوائل عشرينيات القرن الماضي، عملت المنظمة الصهيونية انطلاقًا من فرضية مفادها أنه «إذا تعذر الحصول على تأييد عرب فلسطين للصهيونية، فلا بد من انتزاع هذا التأييد من دول لها ثقلها في العالم العربي والإسلامي». واليوم، يبدو أن الإسرائيليين نجحوا تدريجيًا في تأمين هذا التأييد، سواء من قادة فلسطينيين أو من قادة في العالمين العربي والإسلامي.
في عشرينيات القرن الماضي، اعتبر الزعيم الصهيوني التصحيحي فلاديمير جابوتنسكي أن السعي الصهيوني لنيل اعتراف العرب مسار خاطئ. ورأى أن إخماد آمال الدول العربية في هزيمة الصهيونية يتطلب تقديم شيء لا يقل قيمة، وقال: إن ما يمكن عرضه يقتصر على المال أو المساعدة السياسية أو كليهما. وخلص جابوتنسكي إلى أن الصهاينة يفتقرون إلى الأموال الكافية، وأن تلك الدول تحتاج إلى دعم مناهض للاستعمار، وهو أمر لا تستطيع الصهيونية تقديمه؛ لأنها - كما قال - لا يمكنها التآمر على إخراج بريطانيا من قناة السويس والخليج العربي، أو على إنهاء الحكم الاستعماري الفرنسي والإيطالي في الأراضي العربية، معتبرًا أن مثل هذه الازدواجية غير واردة بأي حال.
غير أن جابوتنسكي وقع في وهم واضح، إذ افترض أن الدول العربية كانت تُدار من قِبل قوى مناهضة للاستعمار، في حين أنها كانت، حتى في ذلك الوقت، خاضعة لحكام يتعاونون مع الإمبريالية الغربية، فضلًا عن واقعها اليوم، وما لم يدركه هو أن الصهاينة كانوا قادرين بالفعل على تقديم «مساعدة سياسية» لتلك الدول، لا لمناهضة النفوذ الاستعماري، وإنما للحفاظ عليه وتعزيز دوره في حماية عروش الأنظمة الملكية.
وإلى جانب الدول العربية التي أقامت علاقات مع إسرائيل منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وصولًا إلى اتفاقيات أبراهام في العقد الثالث من الألفية، لم تكن ليبيا الإضافة الجديدة الوحيدة؛ إذ كشفت تقارير عن محادثات سرية أجرتها دول عربية أخرى مع إسرائيل، بدف التمهيد للتطبيع.
وعلى خلاف جابوتنسكي، يدرك الإسرائيليون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتمية التطبيع مع الدول العربية.
ويرى أنصار التطبيع في العالم العربي أن إقامة علاقات دبلوماسية وودية مع إسرائيل ستُمكّن الدول العربية المطبِّعة من ممارسة ضغوط عليها لمنح الفلسطينيين بعض حقوقهم، وإنهاء احتلال الأراضي التي استولت عليها عام 1967. كما يزعمون أن هذه العلاقات ستقود إلى الاستقرار والازدهار الإقليميين.
غير أن سجل الخمسين عامًا الماضية من التطبيع، الذي أفضى إلى كوارث وحروب وتوسّع استيطاني ومقاومة وإبادة، لم يُبدد هذه الأوهام. وقد يساعد استعراض موجز لما أفضى إليه التطبيع فعليًا على تعقيد هذه الصورة المبسطة.
كانت إحدى أولى حالات التطبيع تتعلق بالفلسطينيين أنفسهم. ففي الفترة ما بين 1973 و1977، بدأت منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديدًا حركتا «فتح» و«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، عقد لقاءات في أوروبا مع أعضاء من الحزب الشيوعي الإسرائيلي وصهاينة يساريين آخرين، في محاولة لإقامة «حوار».
وخلال تلك المرحلة، قدّمت منظمة التحرير عدة مقترحات سرية للتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، شملت إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتخلي عن أي مطالبات بأراضٍ تُعد «إسرائيلية». وقد أُرسلت هذه المقترحات مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، الذي رفضها رفضًا قاطعًا، وحظر على الإسرائيليين الاجتماع بالفلسطينيين.
أما بشأن الجدوى الاقتصادية لـ«الدولة المصغّرة» التي اقترحتها منظمة التحرير، فقد جادل رئيسها ياسر عرفات منذ عام 1975 بأن «أميلكار كابرال يبني دولة مستقلة في غينيا بيساو، إحدى أصغر وأفقر دول العالم. والأمر نفسه ينطبق على اليمن الجنوبي، الذي أقام جمهوريته رغم الظروف البائسة في بلاده».
وقد شكّل التحول نحو السعي إلى «دولة مستقلة»، بدلًا من التحرير الكامل، تغييرًا جذريًا في طبيعة النضال الفلسطيني. غير أن منظمة التحرير، بعد تقديم هذه التنازلات للغرب أملاً في أن تُعتبر «معتدلة» بما يكفي للمشاركة في مفاوضات مستقبلية، وفي مؤتمر جنيف الذي كان يُرتقب عقده آنذاك، فوجئت بخطوة الرئيس المصري أنور السادات.
فبدعم أمريكي، قرر السادات القيام بمبادرة منفردة، فسافر مباشرة إلى إسرائيل في نوفمبر 1977، عقب انتخاب مناحيم بيغن رئيسًا للوزراء وصعود حزب الليكود إلى السلطة، وكان قد أجرى بالفعل مفاوضات سرية مع قادة إسرائيليين.
ولم يكتفِ السادات بالسفر إلى إسرائيل، بل وافق أيضًا على إلقاء خطاب أمام برلمانها، الكنيست، في القدس المحتلة، وليس في تل أبيب، حيث كانت جميع الدول آنذاك تضع سفاراتها رفضًا للاعتراف بالضم الإسرائيلي غير القانوني للقدس الغربية أو الشرقية.
ولأن أيًّا من القادة العرب، فضلًا عن الفلسطينيين، لم يُستشر أو يُبلَّغ بهذه الزيارة المرتقبة، فقد سحبت مبادرة السادات البساط من تحت السوفييت، الرعاة المشاركين لمؤتمر جنيف المحتمل، ومن تحت الدول العربية جميعها، التي دانت، إلى جانب منظمة التحرير، هذه الزيارة باعتبارها تمهيدًا لتسوية منفصلة مع إسرائيل.
وكان الإصرار على التسويات المنفصلة، وهي استراتيجية استخدمتها إسرائيل طويلًا، يهدف إلى وضع مصالح دولة عربية في مواجهة أخرى، وفي مواجهة الفلسطينيين، بدلًا من السعي إلى حل إقليمي شامل لمسألة استعمار الأراضي العربية.
وسرعان ما أقدم السادات على طرد ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية من القاهرة، وفي أبريل 1979، قررت جامعة الدول العربية تجميد عضوية مصر ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس، لتقوم غالبية الدول العربية لاحقًا بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر.
وبمجرد إخراج مصر من المعادلة العسكرية مع إسرائيل، تبدل التوازن الاستراتيجي بسرعة. وحتى قبل التوصل إلى إطار اتفاق كامب ديفيد في سبتمبر 1978، الذي أقرّ لاحقًا بتوقيع معاهدة السلام في واشنطن في مارس 1979، شنّت إسرائيل غزوًا واسعًا للبنان في مارس من ذلك العام، مستهدفة مقاتلي منظمة التحرير الذين واصلوا عملياتهم ضد المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية.
دخلت إسرائيل الحرب وهي تدرك جيدًا أن الجيش المصري لم يعد يشكل تهديدًا. وأسفر الغزو عن مقتل أكثر من أربعة آلاف مدني فلسطيني ولبناني، ودفع ربع مليون لاجئ من جنوب لبنان إلى النزوح شمالًا، كما أدى إلى نشر قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) على طول الحدود.
واعتمدت إسرائيل على متعاونين محليين في لبنان، من بينهم الرائد سعد حداد، وهو جنرال لبناني متمرّد أسس «جيش لبنان الجنوبي»، الذي تحالف مع إسرائيل ضد منظمة التحرير والقوى اللبنانية اليسارية.
وعلى الرغم من انسحاب القوات الإسرائيلية جزئيًا، فإنها واصلت احتلال شريط من الأراضي اللبنانية أطلقت عليه اسم «المنطقة الأمنية». واستمرت إسرائيل في مهاجمة قوات منظمة التحرير خلال السنوات الأربع التالية، قبل أن تشن غزوًا ثانيًا واسع النطاق عام 1982، أدى فعليًا إلى تدمير القدرات العسكرية للمنظمة.
تناولت مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث أكد الطرفان أن هذا الملف يتطلب معاهدة منفصلة. أما فيما يتعلق بشبه جزيرة سيناء، فقد نصّت معاهدة مارس 1979 على الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية خلال فترة تمتد لثلاث سنوات، وعلى تفكيك المستوطنات اليهودية المقامة هناك. كما تقرر أن تبقى سيناء منطقة منزوعة السلاح، بحيث يُسمح بوجود الشرطة المصرية فقط دون الجيش، إلى جانب تبادل السفارات بين الدولتين.
وفيما يخص الضفة الغربية وقطاع غزة، تصوّر إطار كامب ديفيد فترة انتقالية مدتها خمس سنوات يُنتخب خلالها كيان ذو حكم ذاتي من قِبل السكان الفلسطينيين، يمنحهم شكلًا محدودًا من الإدارة الذاتية، مع انسحاب جزئي وإعادة انتشار للقوات الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة. ولم يكن مشروع «الحكم الذاتي» الذي عرضته إسرائيل يتجاوز في جوهره ما كان رئيس المنظمة الصهيونية حاييم وايزمن قد اقترحه عام 1930 باعتباره أقصى تنازل يمكن أن يقدمه المستوطنون الصهاينة للفلسطينيين. وهو ما يوضح أن الموقف الصهيوني ظل ثابتًا دون تغيير يُذكر على مدى أربعة عقود.
ومع ذلك، واصلت مصر التفاوض مع الإسرائيليين والأمريكيين بهدف التوصل إلى سلام شامل في الشرق الأوسط، مع تحديد 26 مايو 1980 موعدًا مستهدفًا. غير أن هذه المفاوضات لم تُستأنف ولم تُستكمل، وسرعان ما جرى التخلي عنها بصمت. ولم يتضمن المقترح الإسرائيلي أي إشارة إلى قيام دولة فلسطينية، ولا إلى حقوق اللاجئين، ولا إلى وضع القدس. وقد اختزل حق تقرير المصير إلى مجرد حكم ذاتي، فيما أعلن مناحيم بيغن صراحة عزمه ضم الأراضي المحتلة فور انتهاء الفترة الانتقالية.
ولم تُحل قضية المستوطنات، بل على العكس، أطلق بيغن عام 1979 برنامجًا استيطانيًا معززًا استهدف تغيير التركيبة السكانية للأراضي الفلسطينية وفرض أغلبية استيطانية يهودية فيها.
وعقب التطبيع في كامب ديفيد مع مصر، سارعت إسرائيل إلى ضم القدس الشرقية رسميًا في يوليو 1980، وهي خطوة أدانها قرار مجلس الأمن رقم 478، الذي اعتبر الضم «باطلًا ولاغيًا». ثم تبع ذلك ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية في ديسمبر 1981، وهو ما أدانه مجلس الأمن أيضًا في قراره رقم 497 واعتبره «باطلًا ولاغيًا».
وفي يوليو 1981، نجحت الأمم المتحدة في التوسط لوقف إطلاق النار بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. ولم تنتهك المنظمة هذا الاتفاق طوال أحد عشر شهرًا تالية، رغم أن إسرائيل خرقته مرارًا. ففي أبريل 1982، قصفت القوات الإسرائيلية لبنان، ما أسفر عن مقتل 25 شخصًا وإصابة 80 آخرين، دون أن يقابل ذلك أي رد. وبعد أسابيع قليلة، أدى قصف إسرائيلي ثانٍ إلى مقتل 11 شخصًا، ما دفع منظمة التحرير إلى رد محدود لم يُسفر عن خسائر بشرية.
وفي الأثناء، شنّت إسرائيل في يونيو 1981 غارة جوية دمّرت خلالها المفاعل النووي العراقي، رغم أن العراق لم يكن يمتلك قدرات نووية عسكرية.
واستمر النمط الإسرائيلي القائم على الترحيب بالتنازلات الفلسطينية والمصرية، مع الإصرار في الوقت نفسه على رفض تقديم أي حقوق للفلسطينيين. ففي عام 1981، أعلن ولي العهد السعودي آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز خطة سلام عرضت اعترافًا عربيًا بالمستعمرة الاستيطانية اليهودية مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتُلت عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية. وكان يُؤمَل أن يؤدي ذلك إلى إنهاء موقع إسرائيل بوصفها العدو الرئيسي للعرب.
وقد رحّبت الولايات المتحدة بالخطة بحذر، فيما أبدى ياسر عرفات تأييده لها، بينما رفضت إسرائيل شروطها، مع إبداء حماسها لفكرة الاعتراف الإقليمي. وأسهم كل من اتفاقات كامب ديفيد وخطة فهد للسلام في تشجيع إسرائيل على شن غزو ثانٍ للبنان في يونيو 1982، أسفر عن مقتل نحو 20 ألف مدني فلسطيني ولبناني، وتسبّب في تهجير نصف مليون شخص إضافي.
ولا يزال هذا النمط الإسرائيلي في التعامل مع التنازلات ووعود التطبيع قائمًا حتى اليوم. فخضوع الحكومة اللبنانية لمطالب إسرائيلية وأمريكية تتعلق بتطبيع محتمل، قوبل هو الآخر بتجدد الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وبمزيد من الاحتلال لأراضيه.
أفضى التطبيع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، ثم بين الأردن وإسرائيل عام 1994، إلى تحوّل الفلسطينيين إلى قوة قمعية تعمل بالوكالة عن إسرائيل ضد شعبها، في حين واصل الأردن تطوير علاقاته مع إسرائيل، بالتوازي مع استمرار إسرائيل في تعميق احتلالها. وقد قادت هذه الأوضاع في نهاية المطاف إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بين عامي 2000 و2005، وهو ما أنهى فعليًا ما عُرف بـ«عملية السلام».
وقد تعاملت إسرائيل مع «اتفاقات أبراهام» لعام 2020، التي كرّست التطبيع مع أربع دول عربية، بالطريقة نفسها. فقد بعثت هذه الاتفاقات رسالة واضحة مفادها أن بإمكان إسرائيل التصرف تجاه الفلسطينيين دون أي مساءلة أو عقاب، بما في ذلك ارتكاب الإبادة الجماعية الجارية حاليًا، وهي جرائم لم يعترض عليها أي من الموقّعين. بل إن الدول العربية الموقعة، إلى جانب دول عربية أخرى سلكت مسار التطبيع، أفادت تقارير بأنها قدّمت مساعدات لإسرائيل وعمّقت علاقاتها معها في خضم استمرار الإبادة.
وعلى خلاف الدعاية الأمريكية والعربية الموالية لها، التي زعمت أن التطبيع سيسهم في استقرار المنطقة، وقمع المقاومة الفلسطينية، واستعادة الحقوق الفلسطينية، تُظهر التجربة التاريخية أن تطبيع منظمة التحرير والدول العربية مع إسرائيل لم يفضِ إلا إلى غزوات إسرائيلية كبرى، وتسارع الاستيطان الاستعماري، واستمرار المقاومة الفلسطينية، وصولًا إلى ارتكاب إبادة جماعية.
وكـ«مكافأة» للدول العربية المطبّعة، لم يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الحديث علنًا عن مشروع «إسرائيل الكبرى»، الذي يشمل أراضي بعض الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل. كما لم يجنّب التطبيع الدول العربية من العداء الإسرائيلي، بما في ذلك مصر والأردن، اللتان طالما تعرضتا لتهديدات مستمرة من قادة إسرائيليين، ولا حتى الوسطاء القطريين، الذين تعرضوا للقصف بسبب جهودهم، بطلب أمريكي وإسرائيلي.
والمثير للدهشة أن العرب المؤيدين للتطبيع، رغم هذا السجل التاريخي القاتم، لا يزالون يعلّقون آمالهم على مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوسيع دائرة التطبيع مع إسرائيل، باعتبارها طريقًا إلى الاستقرار والسلام الإقليميين. ولم يؤثر قصف إسرائيل لقطر، ولا هجماتها المتواصلة على سوريا ولبنان، رغم سعي قادتهما العلني إلى التطبيع، ولا استمرارها في احتلال مزيد من الأراضي، تأثيرًا يُذكر في هذا الخطاب الدعائي المؤيد للتطبيع. كما ثبت أن الاعتقاد بأن التعاون والتطبيع من شأنهما القضاء على المقاومة الفلسطينية لم يكن سوى وهم آخر.
