فضيلة الصمت في الحياة والفكر

16 ديسمبر 2025
16 ديسمبر 2025

نحن نفهم عادةً الفضيلة باعتبارها تلك المبادئ الأخلاقية العليا: كالصدق والأمانة والوفاء والعدل والإحسان، وما إلى ذلك.

والحقيقة أن هذا الفهم لمفهوم الفضيلة يظل محدودًا في إطار فهم الفضيلة من منظور ديني أخلاقي باعتبارها ما يكون على الضد من الرذيلة، وبذلك فإنه يظل محكومًا بمنطق الفضائل والرذائل.

ولكننا يمكن أن نفهم بعض الفضائل خارج إطار هذا المنطق، ومنها فضيلة الصمت: ذلك أن الصمت ليس مجرد فضيلة دينية أو أخلاقية في مقابل رذيلة ما، وإنما هو قيمة إنسانية مرتبطة بحالة الوجود الإنساني الأصيل؛ أي تتعلق بشيء من أسلوب الحياة الجدير بالإنسان؛ ولهذا فإنها لا تتحقق إلا لدى قلة من الناس. وهذا ما سأحاول الكشف عنه في هذا المقال.

فضيلة الصمت لا تعني الإحجام عن الكلام، بل تعني- فيما تعني- الإحجام عن الكلام الذي هو بلا معنى ولا قيمة، أعني الكلام الذي يكون مدفوعًا بمجرد حب التكلم أو حب الثرثرة والحديث في التُرَّهات. فهذه الحالات الشائعة في هذا النوع من الكلام أو التكلم تجعل الموجود البشري يعيش الحياة بلا قيمة وجودية، فيبدو كما لو أنه ينزلق على سطح الحياة من دون أن يكون له موقف منها أو يتخذ مكانًا فيها؛ ومن ثم تكون له مكانة فيها. بل إن المرء الذي يستمرئ العيش على سطح الحياة بالانغماس في مثل هذا النوع من الكلام، لا ينغمس فحسب في حالة من السطحية، وإنما يتورط غالبًا في حالة من الضلال والتضليل، حينما يستسهل أو يستمرئ إصدار المقولات والأحكام على الأشياء والأشخاص والآراء.

ومن ذلك على سبيل المثال: حالة الشخص حينما يصدر حُكمًا على شخص ما آخر أو يُكوِّن صورةً ذهنية عنه بناءً على رأي شخص أو جماعة ما فيه. وهذا خطأ شائع للغاية، حتى إنه لا أحد منا تقريبًا قد نجا منه، لكن القليل جدًا منا هم من يسعون إلى عدم التورط في مثل هذا الخطأ.

ويمكن أن نتخذ مثالًا آخر على حالة الضلال في مثل هذا النوع من الكلام، وهي حالة الشخص الذي يكون مدفوعًا بحب التكلم: فمثل هذا الشخص يتورط دائمًا في إصدار أحكام من دون عِلم، وهو على استعداد لأن يتحدث عن أشياء لم يعرف عنها إلا بالسماع أو وفقًا للشائع والمشهور على ألسنة العوام؛ ببساطة لأن مثل هذا الشخص لم يتعلم فضيلة الشك والتساؤل، ثم الصمت المؤقت عما لا نعرفه.

هذا ما انتهى إليه الحكماء، بمن فيهم فيلسوف التحليل المنطقي الأكبر فتجنشتاين الذي انتهى في خاتمة «رسالته المنطقية الفلسفية» إلى القول بأننا «ينبغي أن نصمت عما لا نعرف عنه».

ومن هنا ترتبط فضيلة الصمت ارتباطًا وثيقًا بفضيلة أخرى أسميها «فضيلة التريث». ونحن يمكن أن نلتمس هذه الفضيلة لدى بعض أصحاء العقل من كبار السن، أعني أولئك الذين لا يثرثرون بحكم مرض أو قصور عقلي، وإنما لا يميلون إلى الثرثرة بحكم حالة من الحكمة التي تدفعهم إلى الصمت المؤقت، ثم التريث في إصدار الأحكام.

ولا شك في أن كل واحد منا قد صادف في حياته، مثلما صادفت أنا، شخصيات من هذا النوع الذي يتميز بفضيلة التريث.

ولكن أكثر الشخصيات التي عرفتها من هذا النوع كانت من أهل عُمان، وتلك مسألة ترتبط بالطبيعة الغالبة على الشخصية العُمانية نفسها؛ ولذلك فإنها تحتاج إلى تحليل خاص بها خارج هذا السياق العام.

غير أن دور الصمت في مجال الفكر ربما يكون أكثر أهمية؛ لأن الفكر هو الذي يؤسس الوعي؛ ثم يعلمنا ـ من خلال تجاربه التي لا تحصى ـ كيف ننظر إلى الأشياء ونتأملها.

ونحن من خلال تجارب الفكر العديدة نتعلم أنه ليس هناك رأي أو حُكم واحد مطلق؛ ثم فإننا ينبغي أن نتوقف عن إصدار الأحكام القطعية، وأن نلجأ بدلًا من ذلك إلى الشك والتساؤل: فالصمت في الفكر مرتبط بروح التساؤل التي هي وليدة الدهشة.

بل إن دور الصمت وأهميته يتبديان أيضًا في عملية الحوار، سواء كنا نتحدث عن الحوار العادي الذي يحدث بين الناس والأصدقاء أو كنا نتحدث عن الحوار الفكري الذي يجري بين المفكرين، حتى عندما يجري بين المفكر وذاته في تناوله لأفكار غيره. والحقيقة إننا لو تفهمنا ذلك، فإننا سوف نفهم روح التأمل في «المحاورات الأفلاطونية». الحوار الحقيقي هو الحوار الذي نتبادل فيه الصمت والكلام: فنحن نتكلم حينًا ونصمت حينًا آخر، والصمت هنا يعني الإنصات إلى ما يقوله لنا الطرف الآخر في أثناء الحوار. الإنصات بهذا المعنى يهدف إلى تأسيس أخلاقيات الحوار الذي ينبغي أن يتوخى الفهم أو التفاهم حول شيء ما.

وبوسعنا القول بأن هذه العملية في ممارسة أخلاقيات الحوار تمتد أيضًا إلى الحوار مع النص باعتبار أن النص هو بمثابة شخص آخر يتحدث إلينا عبر النص نفسه (وهذا ما أطلعنا عليه الفيلسوف الكبير جادامر): فنحن لا ينبغي أن نقمع النص بتفسيره من خلال أيديولوجيات وتصورات مسبقة، بل ينبغي أن ننصت إلى ما يريد النص ذاته أن يقوله لنا.

ولعلنا نتبين من جمل ما تقدم أن فضيلة الصمت ليست مجرد فضيلة أخلاقية، وإنما هي في المقام الأول فضيلة وجودية تعكس مدى الثقافة والوعي في مسلك الفرد وجموع الناس؛ وهي فضيلة تتجلى في عالم الفكر مثلما تتجلى في عالم الحياة.