عمان اليوم

جراح خفيّة صامتة.. كيف نساعد أطفالنا على تجاوزها؟

06 سبتمبر 2025
صدمات الطفولة.. من الألم حتى التعافي
06 سبتمبر 2025

في أعماق ذاكرة كل إنسان، تختبئ لحظات صنعت شخصيته وشكّلت مسار حياته، لكن حين تحمل تلك اللحظات بصمة الألم والخوف، تتحول إلى ما يُعرف بـ"صدمات الطفولة"؛ جراح نفسية صامتة قد ترافق أصحابها سنوات طويلة دون أن تُرى.

هذه الصدمات، التي قد تنشأ من الإهمال، أو العنف، أو فقدان الأمان، لا تقتصر آثارها على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتؤثر في الصحة الجسدية، والعلاقات، والقدرة على التكيف مع ضغوط الحياة.

ورغم خطورتها، ما زال الحديث عنها في مجتمعاتنا محاطًا بالصمت والحساسية، ما يجعل تسليط الضوء عليها خطوة أساسية لفهمها والبحث عن طرق للتعافي منها.

ولمزيد من الفهم حول طرق العلاج والتعافي من هذه الصدمات، أكدت الأخصائية النفسية نوار بنت مصبح الجامودية أن صدمات الطفولة ليست مجرد أحداث تُطوى صفحتها بمرور الزمن، بل هي تجارب تُخزّن في العقل الباطن وقد تعود للظهور في مواقف الحياة اليومية.

صدمات الطفولة

وحول كيفية التعرف على صدمات الطفولة من منظور علم النفس، قالت الجامودية: في علم النفس صدمات الطفولة تُعرف بأنها تجارب مؤلمة أو مخيفة تحدث للطفل في مراحل نموه المبكرة، وتؤثر على إحساسه بالأمان والثقة بالعالم من حوله، وهذه الصدمات قد تكون جسدية أو عاطفية أو نفسية وتترك أثرًا طويل المدى إذا لم تُعالج.

وأشارت إلى أن أبرز أشكال الصدمات التي يمكن أن يتعرض لها الطفل في بيئتنا المحلية، هي تعرض الطفل في معظم البيئات إلى صدمات متنوعة، منها الصدمات العاطفية والنفسية ويتمثل ذلك في التقليل من شأنه أو السخرية منه ومقارنته المستمرة بأقرانه أو إخوانه، كذلك في التهديد أو التخويف المفرط عبر استخدام التهديد بالعقاب أو الحرمان لإجباره على الطاعة، إضافة إلى الصدمات الجسدية التي تتمثل في العقاب الجسدي الشديد كالضرب أو الصفع المبرر على أنه تأديب، أيضًا التعرض لحوادث أو إصابات دون دعم نفسي بعدها (مثل حوادث السيارات أو السقوط الشديد)، وإهمال الرعاية الصحية بسبب عدم الوعي أو صعوبة الوصول للخدمات. كما يتعرض الطفل إلى الصدمات الأسرية كالمشاحنات العنيفة بين الوالدين أمام الطفل، والطلاق أو الانفصال غير الهادئ الذي يضع الطفل في صراع نفسي، وكذلك إدمان أحد أفراد الأسرة (التدخين، الكحول، المخدرات) وتأثيره على الجو الأسري، ومن أبرز الصدمات الأسرية التي يمر بها الطفل هو وفاة أو فقدان أحد الوالدين أو الإخوة بدون دعم نفسي مناسب.

وأضافت: يتعرض الطفل إلى صدمات اجتماعية كالتنمر المدرسي وعدم تدخل الكبار لحماية الطفل، والتمييز أو العنصرية تجاه لون البشرة، أو اللهجة، أو الوضع الاقتصادي للطفل، وكذلك تكمن الصدمات في الضغط الأكاديمي المبالغ فيه وربط قيمته بنتائجه الدراسية فقط. كذلك هناك صدمات مرتبطة بالأمان كالتعرض للعنف في الشارع أو الحي، ومشاهدة أو سماع أخبار الحوادث والوفيات بدون شرح أو تهيئة، وأيضًا الحرمان المادي الشديد الذي يمنع الطفل من احتياجات أساسية مثل الطعام، والملابس، والتعليم.

الصدمات النفسية

وأوضحت الأخصائية النفسية الفرق بين التجارب المزعجة والعابرة والصدمات النفسية العميقة لدى الأطفال، وقالت: التجارب المزعجة العابرة هي المواقف التي تسبب انزعاجًا أو خوفًا مؤقتًا للطفل، لكنها لا تترك أثرًا طويل المدى لأنه يحصل على دعم وطمأنة بعدها، كخوف الطفل من إبرة التطعيم، أو خصام بسيط مع صديق في المدرسة، أو سقوط خفيف أثناء اللعب، وسمات التجارب المزعجة العابرة أنها انزعاج قصير المدى ويزول الأثر خلال أيام أو أسابيع، وبالتالي يستعيد الطفل توازنه بسهولة مع الدعم النفسي.

أما الصدمات النفسية العميقة فهي أحداث شديدة أو متكررة تهدد إحساس الطفل بالأمان أو تجرحه عاطفيًا بعمق، وتترك أثرًا طويل المدى على تفكيره ومشاعره وسلوكه. ومثال على ذلك التعرض المستمر للعنف الجسدي أو اللفظي، أو وفاة أحد الوالدين أو فقدانه، أو الاعتداء الجسدي أو الجنسي وغيرها الكثير. ومن سمات الصدمات العميقة أن الطفل يحس بمشاعر خوف أو حزن أو غضب مزمنة، ويتغير سلوكه وشخصيته كالانعزال، أو التراجع الدراسي، أو تحدث له نوبات غضب، وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات مثل القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة، مؤكدة أن الأثر قد يستمر إلى شهور أو سنوات إذا لم تتم معالجته.

وبينت أن الحدث نفسه لا يمكن تحديده دائمًا إن كان "صادمًا" أو "عابرًا"، بل طريقة تعامل البيئة المحيطة معه، وقدرة الطفل على استيعابه، والدعم النفسي الذي يتلقاه بعد الحدث، هذه العوامل هي التي تحتم إذا كان الحدث قد يسبب صدمة بسيطة أم صدمة عميقة.

العنف الأسري

وعن العوامل الأسرية أو المجتمعية التي قد تزيد من احتمالية تعرض الطفل لصدمات الطفولة، قالت: العوامل الأسرية تكمن في العنف الأسري كالشجار العنيف بين الوالدين أمام الطفل، واستخدام الضرب أو الإهانة كأسلوب تربية، وأيضًا الإهمال العاطفي أو الجسدي، والتفكك الأسري كالطلاق أو الانفصال غير الهادئ، حيث يوضع الطفل في صراع ولاء بين الطرفين، كذلك إدمان أحد الوالدين أو الأمراض النفسية غير المعالجة مثل إدمان الكحول أو المخدرات، أو وجود اضطرابات نفسية شديدة بدون علاج، مما يؤثر على استقرار الجو الأسري، وأيضًا فقدان أو وفاة أحد أفراد الأسرة المقربين خاصة إذا لم يتلق الطفل دعمًا عاطفيًا مناسبًا بعدها. أما العوامل المجتمعية فهي كثيرة وتتمثل في التنمر في المدرسة أو الحي، وتعرض الطفل للسخرية، والإقصاء، أو العنف من أقرانه بدون تدخل الكبار، ومشاهدة أو سماع حوادث عنف، أو العيش في بيئة تنتشر فيها الجرائم أو النزاعات، والتفرقة بسبب اللون، واللهجة، والمستوى المادي، أو أي اختلاف آخر، وكذلك التوقعات غير الواقعية من الأهل أو المدرسة التي تضع الطفل تحت توتر شديد.

آثار الصدمة

وأكدت الجامودية أن الصدمة النفسية عند الطفل لا تبقى حبيسة المشاعر فقط، بل تمتد لتؤثر على عقله، وتركيزه، وسلوكه، وطريقة تفاعله مع المجتمع. وقسمت الأخصائية النفسية التأثيرات على جانبين رئيسيين، الأول فيما يتعلق بجانب التحصيل الدراسي والسلوك الاجتماعي، وقالت: إن هذا الجانب يشمل تأثير الصدمة على التحصيل الدراسي في انخفاض التركيز والانتباه، وأيضًا الدماغ يبقى في حالة "تأهب وخطر" بسبب الصدمة، مما يضعف القدرة على التركيز في الدروس، وقد يسرح الطفل كثيرًا أو ينسى المعلومات بسرعة مما يسبب تراجع الذاكرة العاملة، والصدمة تضعف قدرة الطفل على معالجة المعلومات الجديدة وربطها بما تعلمه سابقًا مما يؤدي إلى انخفاض الدافعية للتعلم، وقد يرى الطفل المدرسة غير مهمة مقارنة بالمشاعر أو المشكلات التي يواجهها وبالتالي سيكثر غيابه أو هروبه من المدرسة خاصة إذا كان الحدث الصادم مرتبطًا بالمدرسة نفسها مثل (التنمر، والحادث، أو معلم عنيف)، وتؤثر الصدمة في تراجع الأداء الأكاديمي وانخفاض الدرجات بشكل واضح رغم قدرته الذهنية الجيدة.

أما عن تأثير الصدمة على السلوك الاجتماعي، فقالت: إنه يتلخص في الانسحاب الاجتماعي كتجنب الأصدقاء أو النشاطات، والبقاء منعزلًا، والسلوك العدواني أو الانفجارات الغاضبة الذي يتضمن تعبير الطفل عن الألم الداخلي بالغضب على الآخرين وبالتالي صعوبة الثقة بالآخرين، وكذلك الخوف من الرفض أو الأذى، فيتجنب العلاقات القريبة، وقد يبحث الطفل عن الحماية بشكل مفرط، فيتعلق بشدة بمربي أو شخص بالغ ويشعر بعدم الأمان بدونه؛ فالدماغ عند الطفل الصادم يكون مشغولًا بالبقاء والشعور بالأمان أكثر من التعلم أو اللعب، ولهذا التحصيل الدراسي والسلوك الاجتماعي هما أول ما يتأثر. وأكدت أن التعافي يتطلب بيئة داعمة، واستقرار، وعلاج نفسي يساعد الطفل على الشعور بالأمان مرة أخرى.

علامات مبكرة

وعن العلامات المبكرة التي قد تشير إلى أن الطفل يمر بصدمة، أوضحت الأخصائية النفسية أن العلامات المبكرة لمرور الطفل بصدمة قد تظهر في سلوكه، ومشاعره، وجسمه، وغالبًا تكون مختلفة عن طبيعته المعتادة كعلامات سلوكية مثل الانسحاب المفاجئ من اللعب أو الأنشطة التي كان يحبها والتعلق الشديد بأحد الوالدين أو شخص معين، ورفض الابتعاد عنه، وتغيّر في عادات النوم (أرق، وكوابيس، واستيقاظ متكرر) وأيضًا فقدان الشهية أو الأكل المفرط، وكذلك التبول اللاإرادي بعد أن كان متحكمًا، وسلوكيات عدوانية أو انفجارات غضب غير معتادة. أما العلامات العاطفية والنفسية فتتلخص في أعراض مبكرة يمكننا الكشف عنها إذا ما كان الطفل قد يمر بصدمة وهي الخوف المفرط أو القلق غير المبرر، والحزن أو البكاء المتكرر بدون سبب واضح، والحساسية المفرطة للنقد أو الرفض، أيضًا الصعوبة في التعبير عن المشاعر بالكلام.

أما العلامات الجسدية التي قد نكتشف بها أن الطفل قد يمر بصدمة بشكل مبكر فهي شكاوى جسدية متكررة بدون سبب طبي واضح (الصداع، وآلام المعدة)، وتوتر عضلي أو حركات لا إرادية (مثل قضم الأظافر، وهز القدم). وهناك علامات دراسية واجتماعية تتمثل في تراجع ملحوظ في الأداء المدرسي أو فقدان الحماس للدراسة، وفقدان الاهتمام بالأصدقاء أو اللعب الجماعي، وكذلك عزلة أو تجنب المواقف الاجتماعية، وهذه العلامات قد تظهر أيضًا في حالات أخرى، لكن ظهور أكثر من علامة معًا بشكل مفاجئ أو مستمر، خاصة بعد حدث صعب، يستدعي الانتباه والتقييم النفسي.

امتداد الأثر

وحول امتداد آثار الصدمة إلى مرحلة البلوغ، أكدت الجامودية أن آثار صدمة الطفولة قد تمتد إلى مرحلة البلوغ إذا لم تُعالج، وتظهر بشكل مختصر في عدة أعراض نفسية كالقلق المزمن، والاكتئاب، وتدني الثقة بالنفس، وأيضًا الصعوبة في التحكم بالمشاعر. أما سلوكيًا فتظهر الأعراض في مرحلة البلوغ في صعوبة تكوين علاقات مستقرة، والانعزال أو التعلق المفرط، وعمل أنماط علاقات غير صحية. أما جسديًا فيظهر في مشكلات النوم، والتوتر العضلي المزمن، وظهور آلام بدون سبب عضوي واضح. أما عمليًا فيتمثل في ضعف القدرة على التركيز واتخاذ القرارات، وتجنب المواقف الضاغطة. وبينت أن السبب في ذلك هو أن الدماغ والجهاز العاطفي يحتفظان بـ"بصمة" التجربة، فتؤثر على طريقة التفكير والتفاعل حتى بعد سنوات.

دور الأسرة

وعن دور الأسرة في مساعدة الطفل على التعافي من الصدمات، قالت: إن دور الأسرة والأهل في مساعدة الطفل على التعافي من الصدمات أساسي وحاسم، لأن الأمان العاطفي والدعم الأسري هما الركيزة الأولى للشفاء، وهناك عدة نصائح تساعد الطفل في التعافي من الصدمات وتتمثل في توفير بيئة آمنة ومستقرة، والحفاظ على روتين يومي ثابت يمنح الطفل شعورًا بالاستقرار، وتجنب الصراخ أو العنف في المنزل، كذلك الإصغاء والتواصل المفتوح، ومهم جدًا منح الطفل فرصة للتحدث عن مشاعره بدون مقاطعة أو حكم، كذلك استخدام أسئلة مفتوحة للطفل ليعبر عن مشاعره مثل: "كيف شعرت عندما حدث ذلك؟"، وبعدها يجب على الوالدين التقبّل والاعتراف بمشاعره، وطمأنة الطفل أن ما يشعر به طبيعي بعد ما مر به، وتجنب التقليل من مشاعره، مثل: "لا تبالغ"، "انتهى الموضوع".

وأكدت أن الدعم العاطفي المستمر يسهم في التعافي بشكل سريع من الصدمات كالحضن، واللمسة الحنونة، أو وجود جسدي قربه عندما يشعر بالخوف، وكذلك الدعم العاطفي المستمر، وإظهار الحب والاهتمام يوميًا بالكلمات والأفعال، والمساعدة في التعبير عن المشاعر بطرق صحية كتشجيعه على الرسم، واللعب، أو كتابة ما يشعر به، وتعليم الطفل طرق تهدئة بسيطة، مثل: (التنفس العميق، والعدّ للأرقام). كما بينت الأخصائية النفسية أهمية برامج الدعم الأسري، وتتمحور في تثقيف الأهل حول تأثير الصدمة على الطفل، وتدريبهم على التعامل الصحيح مع السلوكيات الناتجة عن الصدمة، وأيضًا العلاج الجماعي للأطفال مهم جدًا بحيث يتم جمع أطفال مروا بتجارب مشابهة، وهذا يعزز الإحساس لديهم بأنهم "ليسوا وحدهم" ويشجع التفاعل الاجتماعي، وأفضل النتائج تظهر عند دمج أكثر من أسلوب حسب عمر الطفل، ونوع الصدمة، ودعم الأسرة، وليس الاعتماد على طريقة واحدة فقط.

دور المدرسة

وأكدت نوار الجامودية أهمية دور المدرسة في دعم الأطفال وذلك نظرًا للوقت الطويل الذي يمضيه الطفل فيها، وقالت: يجب على المدرسة القيام بعدة مهام لدعم هذه الفئة وذلك من خلال رصد العلامات المبكرة للصدمات (تغير السلوك، والانسحاب، وتدني التحصيل)، وتوفير بيئة آمنة وداعمة يشعر فيها الطفل بالقبول والاحترام، وأيضًا تدريب المعلمين على مهارات الدعم النفسي الأولي وفهم تأثير الصدمات، وكذلك التعاون مع الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين داخل المدرسة وخارجها، وأيضًا التواصل المستمر مع الأهل لتوحيد أسلوب الدعم.

التحديات

وعن أبرز التحديات التي تواجه التوعية المجتمعية بمخاطر صدمات الطفولة، قالت الجامودية: هناك تحديات قد تمنع المجتمع من الوعي بصدمات الطفولة وهي الإنكار أو التقليل من الأمر، واعتقاد البعض أن الطفل "ينسى بسرعة" أو أن التجارب الصعبة تقويه، وأيضًا الوصمة الاجتماعية والخوف من الحديث عن الإساءة أو الصدمات بسبب العيب أو الفضيحة، وقلة الوعي العلمي كنقص المعرفة بكيفية تأثير الصدمات على الدماغ والسلوك على المدى البعيد، وضعف الخدمات المتخصصة كقلة مراكز الدعم أو صعوبة الوصول إليها وخاصة في المناطق البعيدة، وكذلك الأعراف والمعتقدات الخاطئة مثل تبرير العنف التأديبي أو التسلط الأسري، وأيضًا الاعتبارات المادية كعدم تخصيص ميزانيات كافية لبرامج التوعية والتأهيل.

الوقاية

وأشارت الأخصائية النفسية إلى عدد من الخطوات العملية التي يمكن للمجتمع القيام بها للوقاية من الصدمات، وقالت: إن التوعية المستمرة لموضوع صدمات الطفولة كالحملات الإعلامية وحلقات العمل لتثقيف الأهالي والمعلمين عن أثر الصدمات، كذلك تعزيز مهارات التربية الإيجابية كتدريب الأهل على أساليب الانضباط الخالية من العنف، وتدريب الكوادر التربوية لتمكين المعلمين من اكتشاف العلامات المبكرة والتعامل معها، وبناء بيئات آمنة للأطفال سواء في المنازل، أو المدارس، أو أماكن اللعب، وتشجيع الأنشطة الإيجابية مثل الرياضة والفنون والمسرح لزيادة الثقة بالنفس وتقليل الضغط النفسي.