عمان اليوم

ظهور الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي.. بين الشهرة والاستغلال!

04 أبريل 2026
تؤثر على هويته و انعدام الاستقرار النفسي
04 أبريل 2026

كتبت - فاطمة الحديدي

بات استغلال الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي منتشرًا بكثرة في مجتمعنا، حيث أصبح الطفل وسيلة للكسب المادي لدى بعض الأسر، دون وعي بحجم ما قد يتسبب له ظهور الطفل في وسائل التواصل من آثار سلبية في المستقبل.

وأكد مختصون، أن تزايد حالات ظهور الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي خطر يهدد الطفولة، ويجب الوقوف عليه نظرًا للآثار السلبية التي يتعرض لها الطفل على المستوى القريب والبعيد من حياته.

وقالت الدكتورة كلثم المقبالي خبيرة نفسية وتربوية: إن الآثار طويلة المدى التي تنم عن استغلال الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الآثار قصيرة المدى، فالطفل يفقد بناء التقدير الذاتي لديه، ويعتمد تقديره على عدد التفاعلات والإعجابات في البرامج.

وأشارت إلى أن منظمة "اليونيسف" أوضحت أن هذه الفئة أكثر عرضة للاكتئاب من غيرها، وكذلك يحصل إرباك في الهوية، فينجرف مع الترند وتزيد لديه الهشاشة النفسية، لأنه تعرض لجوانب لا يقدر على التعامل معها في سن صغير كالتعليقات المسيئة في وسائل التواصل الاجتماعي والكلام البذيء، فأطفالنا ليسوا كاملين سواء بالشكل أو التصرف، فعندما يعرض الآباء أطفالهم في وسائل التواصل الاجتماعي سيزيد التركيز عليهم، فيكثر نقد الشكل للطفل سواء في شكله أو تصرفاته، وبالتالي يعرضه للتنمر الإلكتروني.

وأكدت أن الشهرة تؤثر في تشكيل هوية الطفل، فقيمته الحقيقية باتت في رأي الجمهور وتفاعلهم، وهذا يعد تشويهًا لهويته الحقيقية، وهذا أمر عظيم وخطير يؤدي بالطفل إلى هشاشة في تقدير ذاته الحقيقية، وبالتالي يسعى الطفل لإرضاء توقعات الآخرين فقط لكي لا يفقد هويته الرقمية المزيفة. وقالت: إن الطفل في عمر صغير من المفترض أن يتعرض لبيئة حقيقية تشمل أقرانه المحيطين به وزملاء مدرسته.

وأشارت الدكتورة كلثم أن الإشكالية ليست في تصوير الطفل ونشر المحتوى فقط، وإنما في التوقيت الزمني، فالطفل يكون جاهزًا للظهور في وسائل التواصل الاجتماعي عندما يفصل الذات عن الصورة العامة، ويكون واعيًا بما فيه الكفاية للخوض في هذه التجربة.

وقالت: إنه حسب الدراسات فإن الطفل قد يتعرض للقلق الاجتماعي والاضطرابات السلوكية والتوتر والعصبية وانعدام الثقة بالنفس أثناء استغلاله في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل سلبي، لأنه يكون في مرحلة السن المبكر في تشكيل شخصيته، فيدرك بأن طفولته وتصرفاته مراقبة ومقيمة من الآخرين، والأخطاء لديه الجميع يتدخل فيها ويقيمها ويعاقب علنًا من الناس، وكذلك القبول لديه سيكون مشروطًا بالمحتوى الجميل والأداء الممتاز فقط، وهذه مشكلة كبيرة يقع فيها الطفل فتزيد حساسيته النفسية تجاه النقد، وقد يكون مفرطًا في إرضاء الآخرين.

وأشارت إلى أنه توجد علاقة تراكمية بين استغلال الأطفال والتنمر وفقد الثقة بالنفس، فكلما زاد استغلال الطفل وتعريضه للظهور العلني بدون حماية وبشكل متكرر زاد التنمر ونقد الناس له، فالناس نشأت في بيئات مختلفة منها الصالح ومنها السيئ، فمهما كان المحتوى الذي يقدمه الطفل جيدًا منذ طفولته، فهو لا يزال محتواه قابلًا للتداول والسخرية وإعادة التفسير الخاطئ من بعض أفراد المجتمع، وبالتالي تنعدم ثقته بنفسه تمامًا.

ورأت الدكتورة كلثم أن كمية الأطفال للأسف التي تم استغلالها في مجتمعنا تتزايد، ونرى مشاكلهم النفسية ظاهرة وواضحة، فعندما نركز على الطفل الظاهر في شاشات التواصل الاجتماعي نجد لديه فرط الثقة بالنفس أو انعدام الثقة بالنفس بتاتًا، فلا يكون لديه توازن نفسي أو استقرار نفسي بالأصح، وهذه المشكلة يجب حلها من الأسرة أولًا لكونها النواة الأساسية في تشكيل المجتمع.

أخطر موجة

من جانبها قالت سمية أمبوعلي أخصائي اجتماعي حول هذا الموضوع: بعد خمسة عشر عامًا من العمل الاجتماعي مع الأطفال والأسر، أستطيع القول إننا نعيش أخطر موجة استغلال ناعمة في تاريخ الطفولة؛ فالطفل اليوم لا يُستغل فقط في العمل أو التسول كما في السابق، بل يُستغل بصورته ومشاعره وخصوصيته وأحيانًا بضعفه وأخطائه من أجل الشهرة والمال والإعلانات أو التفاعل الرقمي، والمؤلم أن هذا الاستغلال غالبًا ما يأتي من أقرب الناس إليه تحت مسمى "توثيق" أو "محتوى عائلي".

وأضافت: "تتجلى صور استغلال الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواعها في تصوير الطفل أثناء لحظات ضعفه كالبكاء أو العقاب أو المرض وحتى في خوفه، وكذلك إجباره على التمثيل أو تكرار مشاهد لا يفهم معناها، وتحويل حياته اليومية إلى مادة عرض مستمرة، والأخطر من ذلك ربط حبه وقيمته بعدد المشاهدات والإعجابات، وأيضًا كشف أسراره ومشكلاته وسلوكياته أمام الملايين."

وأشارت سمية إلى أن هناك آثارًا تربوية لهذا الاستغلال، مثل تشويه مفهوم الذات، فيتعلم الطفل بأن قيمته في عدد المشاهدات والإعجابات، وهذا خطر تربوي عميق يزرع النرجسية أو الهشاشة النفسية والقلق المزمن من تقييم الآخرين، وأيضًا ضعف الحدود الشخصية، فيكبر الطفل وهو لا يعرف معنى الخصوصية ولا يميز بين ما يقال وما ينشر وما يجب أن يُحفظ.

وتابعت حديثها قائلة: من الآثار التربوية أيضًا لهذا التصرف اضطراب الدافعية، فيتحول التعلم والسلوك الجيد من قيمة داخلية إلى وسيلة للحصول على تصوير وثناء رقمي، وهنا يصاب الطفل بخلل في فهم مفهوم الخطأ؛ فبدل أن يكون الخطأ فرصة للتعلم، يصبح مادة للسخرية أو الترند.

وأكدت أن الآثار الاجتماعية لاستغلال الأطفال في وسائل التواصل عديدة، ومن أخطرها فقدان الأمان الاجتماعي، بحيث يشعر الطفل بأنه "مكشوف" أو "مراقب" ومعرض للحكم في أي لحظة من خلال التعليقات وعدد المشاهدات، بالإضافة إلى صعوبة بناء علاقات طبيعية مع أقرانه من الأطفال في محيطه، لأنه لا يعرف هل يحبه الناس لشخصه أم لصورته الرقمية.

وقالت: إن زيادة احتمالية التنمر والاستغلال لدى الطفل قد تزيد بشكل كبير، فمقاطع الطفولة قد تطارده في المدرسة والمراهقة وحتى العمل عندما يكبر، وهنا قد ينذر بخطر كبير في تكوين حياة الطفل مستقبلًا. وينشأ عن الاستغلال أيضًا اضطراب العلاقة مع الوالدين، حيث يتحول الوالدان من مصدر أمان له واحتواء نفسي إلى مخرجين ومصورين ومديري محتوى.

وصرحت سمية بأنها من وجهة نظرها المهنية ترى أن الخطورة ليست في التصوير بحد ذاته، بل في غياب مصلحة الطفل مقابل تضخم مصلحة الكبار، وعندما تقدم الشهرة على السلامة النفسية نكون أمام إيذاء تربوي مقنع.

وحول ماهية التواصل الاجتماعي وهل هي شر مطلق؟ أجابت: أبدًا، وسائل التواصل أداة، والخطر والفائدة في كيفية الاستخدام، ويمكن استثمار وسائل التواصل الاجتماعي لخدمة الطفل في جعله منصة تعليمية يتعلم فيها المحتوى المعرفي المبسط والمهارات الحياتية وتعزيز القراءة والتفكير، واستخدام الأجهزة كوسيلة لبناء الثقة لا الشهرة، كإبراز إنجازات الطفل ويتم ذلك فقط بموافقته وضمن حدود تحفظ كرامته.

وأشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تستخدم لتعزيز القيم الحميدة كالإحترام والتعاطف والحوار وقبول الاختلاف، ودعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وإبراز المواهب، وكذلك عرض تجارب ملهمة ولكن دون تحويل الطفل إلى سلعة للكسب، وهنا يمكن تعليم الطفل الوعي الرقمي حول: ماذا ينشر؟ وماذا لا ينشر؟ وكيف يحمي نفسه؟ وكيف يقول لا؟

وأشادت سمية بخمسة ضوابط ذهبية يمكن العمل بها أثناء ظهور الطفل في وسائل التواصل الاجتماعي ينبغي النظر إليها: مصلحة الطفل قبل التفاعل، وكرامة الطفل قبل المحتوى، وموافقة الطفل الواعية وتكون حسب عمره، وعدم تصوير الضعف والعقاب والألم، وسؤال بسيط قبل النشر: هل سيرضى بهذا التصوير عندما يبلغ عشرين عامًا؟

واختتمت الأخصائية سمية حديثها قائلة: أطفالنا ليسوا مشاريع رقمية، ولا أدوات تسويق، ولا مصادر دخل، هم أرواح تتشكل، وأي جرح نفسي في الطفولة قد يتحول إلى ندبة عمر كامل.