اقتصاديات رمضان
في الجامعة -عام 2014- وفي أحد فصول مادة الاقتصاد باغتنا البروفيسور آرثر وهو أمريكي الجنسية بسؤال اقتصادي عميق عن أكثر الشهور إنفاقا في شراء السلع والمنتجات لدى العمانيين بشكل خاص أو عند المسلمين عموما؟ حينها تنوعت واختلفت أجوبة الطلبة، وتركز أكثرها حول عيدي الفطر والأضحى، وأجوبة أخرى متفرقة ظنت أن الجواب قد يكون في أحد شهور الصيف، أو في بداية العام الدراسي، لكن الجواب الصادم كان عندما قال مبتسما: في رمضان! استقبل الطلبة جواب البروفيسور باندهاش -وأنا منهم- وكأننا فعليا لم ندرك هذه الحقيقة إلا توًا بالرغم من سهولة ملاحظة اكتظاظ الأسواق كل عام بحلول شهر رمضان. لماذا ينفق المسلمون أكثر ما ينفقون على شهر الصيام، في حين أن المقصد الديني والمنطق الاقتصادي يفترض بأن يكون شهر رمضان شهرا بما فيه من روحانية تعبدية يكون أيضا تخفيفا لميزانيات الإنفاق وتدريبا للادخار وتقليلا من الطعام والشراب ليتناسب مع الشعور الإنساني والاجتماعي بمن هم أقل حظا وعيشا.
ترتفع وتيرة حركة البيع والشراء للسلع والمنتجات المختلفة قبيل شهر رمضان، وتكتظ الأسواق والمجمعات التجارية بالمتسوقين، ولا تقتصر موجة الشراء في بداية الشهر الفضيل بل تستمر لكل أيامه، وتتفاعل الأسواق هي الأخرى مع موجة الشراء بزيادة المعروض وانتشار العروض والتخفيضات لتغري المستهلك بالشراء أكثر فأكثر. ولنقترب أكثر من لغة الأرقام، فقد بلغ حجم الإنفاق في رمضان الفائت (عام 2022م) عبر الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لما يقرب من 6.2 مليار دولار وبزيادة قدرها 39% عن العام الذي سبقه وفقا لشركة فيدن المتخصصة في الاستشارات الرقمية والتسويقية، وفي تقرير للجزيرة حول حالة الأسواق في المنطقة العربية ومستويات إنفاق الأسر خلال شهر رمضان، فإن حالة الاستهلاك في رمضان أشبه ما تكون بمتلازمة لدى المسلمين بلا استثناء، ففي المغرب مثلا يرتفع حجم الإنفاق على المنتجات والسلع في شهر رمضان بنحو 40% عن باقي شهور السنة، وفي الأردن ترتفع نسبة إنفاق المستهلك الأردني على الغذاء إلى الضعف مقارنة بباقي الشهور، وكذلك الحال في مصر حيث يزداد حجم الإنفاق الكلي في شهر رمضان بنحو 4 مليارات دولار بزيادة تقدر بحوالي 800 مليون دولار مقارنة بشهور السنة الأخرى. وعلى مستوى دول الخليج، يرتفع الإنفاق لدى المستهلكين الكويتيين بأكثر من 50%، وبنحو 25- 30% في قطر مع وجود دعم حكومي خاص من قبل الحكومة في شهر رمضان لمجموع 800 سلعة، أما في سلطنة عمان فلا تتوفر بيانات مؤكدة عن حجم الزيادة في الإنفاق على شراء السلع والمنتجات في شهر رمضان بيد أننا نتشابه قطعا مع باقي الدول الخليجية والعربية.
إن ارتفاع الاستهلاك في شهر رمضان يعد ظاهرة اقتصادية واجتماعية أقل ما يمكن وصفها بأنها غريبة، وتكمن غرابتها في جانبين، أولهما -كما ذكرنا آنفا- أن الواقع الذي يستقبل به الناس الشهر يخالف المقصد الديني في التقليل من المأكل والمشرب وبالتالي مقاومة الاستهلاك الذي بدوره يفضي إلى المنطق الاقتصادي بإنفاق أقل، والجانب الآخر هو أن النظرية الاقتصادية لا تملك شرحا وافيا لسبب ارتفاع الطلب وزيادة الاستهلاك في شهر رمضان، إذ إنها توعز ارتفاع الطلب لمحددات معينة، أولها السعر، فارتفاع الأسعار وانخفاضها عامل أساسي في تحديد كميات الطلب وقرار الشراء بالنسبة للمستهلكين، العامل الثاني هو دخل المستهلك حيث إن انخفاض أو زيادة الدخل تحدد مقدار وكمية الطلب على السلع والمنتجات والخدمات، أما العامل الثالث فهو توقعات المستهلكين لحركة الأسواق، فحالما يتوقع المستهلك بأن الأسعار على المنتجات يمكن أن ترتفع لسبب ما يسارع إلى شراء أو تخزين السلع بغية كسب فارق السعر المتوقع، والعامل الرابع الذي يؤثر على حجم الطلب يتعلق بأذواق المشترين وتفضيلاتهم ورغباتهم، والتي قد تتغير بتغير الزمان أو الظروف أو بالتأثير الإعلاني، وذلك يعني أنه كلما عارضت السلعة رغبات الناس وأذواقهم سيقل الطلب عليها، وكلما تماشت مع أذواقهم ورغباتهم فسيزيد الطلب عليها.
إن زيادة الاستهلاك والطلب على المنتجات والسلع من الصعب تفسيرها من منطلق محددات الطلب والعرض كما في النظرية الاقتصادية، والسبب في ذلك أن شهر رمضان تتداخل فيه روحانية الشهر بالامتناع عن المفطرات بما فيها الأكل والشرب مع العادات الاجتماعية التي اكتسبها الشهر على مر العصور بأن يكون غروب كل يوم هو بمثابة عيد فطر بعد صبر يتطلب الاحتفاء به بمزيد من الأطباق والمشروبات، علاوة على ذلك، يمكن أن نُرجع أسباب ارتفاع حجم المشتريات في شهر رمضان لعدة أسباب، منها:
-ارتباط العبادة بالعادات الاجتماعية، فقد يكون الاستهلاك الزائد خلال شهر رمضان ناتجًا عن تقاليد وعادات المجتمع، حيث يتمتع الشهر بأهمية دينية واجتماعية كبيرة عند المسلمين، لذلك تكثر التجمعات العائلية والعزائم ويعدّون الولائم الكبيرة ويبالغون بعض الشيء في المأكولات التي يقدّمونها تعبيرًا عن سخائهم وكرمهم. فلا بد أن تتطلب وجبات الإفطار والسحور الكثير من المواد الغذائية، بالإضافة إلى عادة تبادل المأكولات بين الأقارب والجيران.
-نتيجة لتغير نمط الحياة اليومي في شهر رمضان، مثل تقليل ساعات العمل وتأجيل بعض الأعمال إلى وقت آخر، قد يؤدي إلى تعويض هذه الأوقات إما في تناول المزيد من الطعام والشراب، أو في الترفيه أو في التسوق.
-التأثير الإعلاني من خلال انتشار العروض والتخفيضات بكثرة في رمضان يشجع الناس لشراء المزيد من الأطعمة والمشروبات بأسعار أقل، مما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك.
-بحكم أن شهر رمضان يأتي مرة كل سنة، فالتفكير المسبق بالجوع والتعب الذي يغلب أذهان الناس يقودهم بطبيعة الحال إلى حالة متأصلة بضرورة التزود بما يكفي من السلع والمنتجات، غير أن حد الاكتفاء قد لا يكون واضحا لديهم فيشترون أكثر من احتياجهم.
يمكن القول إن ارتفاع حجم الاستهلاك في شهر رمضان يعود لعوامل مختلفة، فمنها ما هو تسويقي تمارسه وسائل الترويج والإعلان المختلفة، ومنها ما هو اجتماعي نتيجة التصاق بعض العادات الاجتماعية بالشهر الفضيل، مثل التجمعات العائلية والتزاور وصلة الرحم بغية الأجر والثواب وهو فرصة أيضا لزيادة اللُحمة الاجتماعية بين الأهل والأصدقاء، ومنها ما يتعلق بتغير نمط الحياة اليومي، فانحسار النشاط والحركة نهارا نتيجة لتقليل ساعات العمل تعوضه ساعات الليل، غير أن التحلي بالاعتدال والتحكم في الاستهلاك خلال شهر رمضان هو مقصد ديني سامٍ، وهدف اقتصادي للتخلص من التبذير والإسراف والتعود على الادخار.
