أضاميم.. الموسوعة العمانية باعتبارها معجماً وطنياً هل تكفي؟
صدرت «الموسوعة العُمانية» في عام 1434هـ/ 2013م، عن وزارة التراث والثقافة، استوعبت مادتها عشرة أجزاء، وخُصِّص الجزء الأخير للفهارس، وفي الأجزاء العشرة تتوفر مادة عن كل ما له علاقة بعُمان؛ تاريخاً وثقافة، إنساناً وحيواناً ونباتاً، أحجاراً وجمادات، عادات وتقاليد، نتاجاً فكرياً أدبياً وفنياً، آداباً وفنوناً، أساطيرَ وخرافاتٍ وألعاباً شعبية، ورُتِّبَت مادتها ترتيباً هجائياً «الألفبائياً»، بداية بحرف الألف وانتهاء بالياء.
لقد مضى على صدورها ثمانية أعوام، خرجت بعد مخاض طويل من السنوات، وبحث دؤوب بذلته لجنة مشروع الموسوعة خلال سنوات تأسيسها، وإعداد مداخلها وتحريرها، ومراجعتها لغوياً وعلمياً، ولكن كل عمل بشري مشوب بالنقص، ينطبق عليه المقولة السائرة والمنسوبة للعماد الأصفهاني أو للقاضي الفاضل: (إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غُيَّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ هذا لكان يُستحسَن، الخ).
ولا يغيب عن ذهن لجنة الموسوعة، الكثير من الملاحظات التي وصلتهم من القراء والباحثين، أو تعرَّفوا عليها بعد طباعتها، فهناك مداخل بحاجة إلى مزيد من المعلومات، وأخرى إلى صور ضوئية، كالكتب ذات الأهمية الثقافية، وأضرب مثالاً ليتضح به المقال: في الصفحات الأولى من الجزء الأول: (ص: 30)، مدخل خاص بكتاب «الإبانة في اللغة العربية»، وهو معجم لغوي شهير للفقيه واللغوي سلمة بن مسلم العوتبي الصُّحاري (ق: 5هـ)، نقرأ في المدخل حديثاً عنه، مع الإشارة إلى أنه طبع من أصل مخطوطتين، وصدر مطبوعاً في أربعة أجزاء كبيرة في عام 1999م، عن وزارة التراث القومي والثقافة، لكن لم يرفق معه صورة لغلاف الكتاب المطبوع، ولا صورة من المخطوطة الجميلة للمعجم، مع أن الإبانة صدر قبل الموسوعة بأربعة عشر عاماً، وعن ذات الوزارة الناشرة للموسوعة، فكان المدخل بحاجة إلى صورة ضوئية كغيره من المداخل الحافلة بالصور، ناهيكم عن أن الصورة تقدِّم معرفة بَصَريَّة بالكتاب، فالإبانة من أنفس المعاجم العُمانية المتقدمة.
أما عن المادة النصية، فمن وجهة نظري بحاجة إلى تفصيل أكثر في المادة المنشورة عنه، تستقرئ أبوابه وفصوله، بما يبرز أهميته وفرادته بين المعاجم، ويرسِّخ في ذهن القارئ اشتغال الأدباء العمانيين على تأليف المعاجم، منذ «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري، و«الجمهرة» لابن دريد في القرن الرابع، وإلى «الإبانة» في القرن الخامس، وغيرها من السلسلة الأدبية العمانية.
وهناك مداخل أخرى خصصت لكتب عمانية من أمهات اللغة والأدب والفقه، وهي كثيرة، ورد لها ذكر في الموسوعة ولم تُرفَق صور ضوئية لأغلفتها أو مخطوطاتها، فمما وقفت عليه مدخل كتاب «الجامع» لابن بركة السليمي البهلوي (ق: 3-4هـ)، ومداخل أخرى تتناول شخصيات ثقافية، لم يتم إرفاق صور ضوئية لها، دون الحاجة إلى ذكر أسمائها.
بعض الولايات لم تعكس الصور الضوئية المرفقة للمدخل ما تُعرف به تلك الولاية، هناك ولايات تشتهر بحارة أثرية، وأخرى بعين مائية، وأخرى بحصن أو قلعة، وكان يجب ملاحظة ما تشتهر به كل ولاية أكثر عن غيرها، فتأتي الصورة المرفقة مع مدخلها عنواناً لها، لأن الصورة ليست مادة زائدة على النص، بل هي جزء منه ومكملة، وأحياناً تكون شارحة، وتعطي للمدخل بهجة وجمالاً بصرياً.
بعض الصور المتوزعة أخذت شرحاً عاماً، مثال على ذلك: (برج في إحدى الحارات)، أو (حارة طينية قديمة)، (سكة في إحدى الحارات)، (حارة حجرية)، (الحارة المبنية بالحجارة والطين) الخ، انظر المدخل الخاص بالحارات: ج3، ص: 1029، فمثل هذه الشروحات نقرؤها في الصحف المحلية، ولكنها في الموسوعة لا تعطي معنى مهماً للصورة ذاتها، خاصة لمن لا يعرف المكان.
وهناك صور ضوئية ناقصة لمواقع أثرية مهمة كموقع «سلوت»، ففي المدخل الخاص به، الجزء الخامس من الموسوعة (ص: 1833)، نقرأ حديثاً عن موقع مدينة سلوت، مرفق معه صورة جانبية وجزئية، وبرأيي أن الصورة لا تعكس الأبَّهة الأثرية للموقع، ولا تعطي انطباعاً عن اتساعه، الممتد إلى مساحات شاسعة بالكيلومترات، ناهيكم عن الحصن الأثري، والأبراج والمباني من حوله، والسور المحيط به، لا تعكس تفاصيلها الصورة المنشورة مع المدخل.
ونستفيض أكثر في الحديث عن موقع سلوت الأثري، لنقرأ عن يومٍ حربيٍ من أيام عُمان القديمة، وهو «يوم سلوت»، ولأن كلمة «يوم» تبدأ بحرف الياء، فإن مكانه في الجزء الأخير، بل يأتي هذا اليوم كآخر مدخل في الموسوعة، ففي الصفحة رقم: 3871، وهي الأخيرة من الجزء العاشر، نقرأ قصة مثيرة، ونشاهد سيناريو لفيلم حربي قديم، اسمه: «يوم سلوت»، وما أدراكم ما هذا اليوم؟، يوم انتصار جيوش العَرب بقيادة «مالك بن فهم» على جيوش الفرس بقيادة «المرزبان»، عامل الملك الفارسي.
ويتوسَّع السيناريو الوصفي، لينقل للقارئ وقائع تلك الوقعة القديمة، بتفاصيلها الدقيقة، وبما يتضمنه جيش مالك من فِرَق عسكرية؛ البالغ عددهم 6000 مقاتل؛ وفيهم الفرسان، والمشاة، والرماة، وأما الزي العسكري لمقاتليه فكان درعان يلبس عليهما غلالة حمراء، وعلى الرأس كمَّة (قلنسوة) من حديد، تعمم بعمامة صفراء، وقد تقنَّع الجند بالدروع والجواشن، أما عدد جند الفرس فيبلغ 40 ألفاً وقيل 30 ألفاً، وحاربت معهم الفيلة!، ويحلو السيناريو بوصف القتال واحتدام المعركة، حتى تنتهي بعد ثلاثة أيام بمبارزة بين مالك بن فهم وفرسان الفرس، لتنتهي بمقتل المرزبان، وأحداث أخرى تمثل أنموذجاً لأدب الخيال الحربي، ومصدره بلا شك كتب التاريخ، وما أدراكم ما فيها من قصص، ولأن الموسوعة لم تضع ثبتاً بالمراجع نهاية كل مدخل، فهل ما ورد في صفحاتها هو من الحقائق والمُسلَّمات؟!.
لست معترضاً على هذه القصة التاريخية، فهي موثقة في أكثر مصادر التاريخ العماني، ويعزوا المؤرخون تفاصيل الوقعة إلى المؤرخ الكلبي، ولكن الموسوعة عمل مختلف، عمل ثبْت وليس نقلاً من مراجع، عمل علمي رصين، وليس حشو قصص، وإن كان لا يمنع من ذلك، فالأحرى ذكر المراجع والمصادر، ولو بالإشارة إليها عَرَضاً في نهاية الجزء الأخير.
وفي المدخل الخاص بالجبال، الجزء الثالث: (ص: 885)، نقرأ تعريفاً عن الجبال: (كتل ضخمة من المواد الصخرية والحجرية ناتئة من جسم الأرض)، وتمتد تفاصيل الموضوع لتشمل السلاسل الجبلية في عُمان، كسلسلة جبال الحجر، التي تنقسم إلى الشرقي والغربي، وجبال شبه جزيرة مسندم، وجبال ظفار، وفي مداخل أخرى عن الجبال نقرأ في الصفحات من (896 - 901)، عن خمسة جبال تتوزع في محافظات مختلفة من السلطنة، وهي: (الجبل الأبيض، والجبل الأخضر، وجبل الكور، وجبل سمحان، وجبل شمس)، بما تحويه من مكونات جغرافية، وتفاصيل بيئية، وما تنتجه من ثمار وخيرات طبيعية، وما تضمه بعضها من كائنات، وبيئات لمجموعة من الحيوانات، كالغزلان والضباع والنمور وغيرها، وهناك تفاصيل أخرى، جديرة أن تستوعبها الموسوعة في صفحاتها، هناك جبال كثيرة لم تذكر، مليئة بالكنوز الطبيعية والأثرية.
وأخيراً، فهذه الإضمامة لا تنتقص من الجهد المبذول في إعداد الموسوعة، ولا تبخس حقها، إنما هي تصفح سريع، يرجو النظر إلى هذه التحفة الرائعة بعين النقد والتقييم، وإعادة طبعها بمزيد من المداخل، لتواكب المستجدات وترصد المتغيرات، وإكمال النقص الذي لم يدخل في طبعتها الأولى، والنظر إلى المداخل بتحرير جديد، مع تغذيتها بصور ضوئية احترافية، فالعمل الموسوعي دائم التحديث والتجدد، ولأن المعرفة تتغير بتقادم الأيام، والمعلومات الواردة في بعض المداخل تتطور بالإضافة عليها، فالموسوعة تصبح أكثر شمولية بإضافة مداخل جديدة، مع صور ضوئية ترافق كل مدخل، فعُمان بتاريخها الثقافي والحضاري، وبمكوناتها ومفرداتها البيئية والاجتماعية، وبتعدد قبائلها وقراها ومدنها العامرة والمهجورة، وحاراتها القديمة ذات الخصوصية العمرانية، وتعدد بيئاتها واتساع جغرافيتها، وعُمان أرضاً ووطناً، وتاريخاً عريقاً وجغرافية مذهلة، وإنساناً كادحاً ومتفانياً، أوسع من أن تستوعبها موسوعة من عشرة أجزاء فقط، وتحية لكل من أسهم في الموسوعة بكتابة مدخل نصِّي، أو أثراها بلوحات فنية أو ضوئية، أو عَمَل فيها بإخلاص.
