مالذي تغير في المجتمع السوري.. الحرب تعكس عواقبها الوخيمة على حياة السوريين
دمشق – عُمان – بسام جميدة:
ساهمت حرب السنوات العشرة التي لم تنقشع غبارها بعد في تغيير بالمشهد السوري بشكل عام على مختلف الأصعدة وأهمها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وكشفت سوءات كثيرة كانت مغطاة، بل هتكت عرى وثيقة، وتمزقت أواصر كنا نظنها متينة ولا تنقطع.
وكذلك شهدت البلاد حوادث غير مسبوقة، سواء في عدد الجرائم او نوعيتها وحالات الطلاق والتفكك الأسري والفساد الذي يعشعش في مفاصل الدولة والمجتمع بأسره، وتفتت أسر كثيرة بسبب تضارب الآراء والمعتقدات والولاءات والهجرة والنزوح.
كشف المستور
ولمزيد من القاء الضوء على بعض من تحولات المشهد السوري تحدث المحامي متروك صيموعة المهتم بالشأن العام قائلا: ألقت السنوات العشر الماضية، كمحصلة لعقود هيأت المقدمات والأسباب التي أفضت إلى هذه الهزات العنيفة التي طالت المجتمع وبناه الداخلية غير المتماسكة أصلا، ألقت بظلالها على كل مناحي الحياة في سوريا.. وأدت إلى اختلالات عميقة في جسم المجتمع.. وكشفت عن هشاشة التماسك الداخلي رغم الملصقات الخادعة على السطح التي كرستها ضوضاء إعلامية فاقدة للمحتوى الحقيقي والمضامين..
كشفت السنوات العشر خطورة غياب السياسات الرشيدة في قطاعات حساسة كالتربية والتعليم وتراجع تصنيف التعليم وخاصة الجامعي لمستويات مخجلة، ودخول المحسوبيات والعبث بمعايير الكفاءات العلمية وإدخالها سوق المساومة..
كشفت السنوات الماضية تهافت الإعلام، ونهجه التبريري التلميعي، وجنوحه عن أداء دور تنويري تثقيفي من خلال موضوعية التعاطي ومصداقية الدور ما أدى لفقدانه الصدقية في نظر جمهور عريض.
كما كشفت خطورة غياب خطاب سياسي رصين بفعل تعطيل الحياة السياسية وتغييب الصحافة الحرة وتعطيل الحياة الحزبية وإخراج طاقات هائلة من دائرة الفعل والإسهام في عملية التنمية.
كشفت كذلك خطورة الفساد المنظم المسكوت عنه وإبعاد الدولة عن منابع الإنتاج المجزية لحساب أشخاص يقبعون فوق المحاسبة والمساءلة وفوق القانون، والمآلات الحتمية نحو التردي والضياع الذي تفضي إليه هذه السياسات.
وكشفت أيضا بؤس الخيارات في معالجة الأزمات وعدم الكفاءة في إدارة الشأن العام مما أدى لخسارات هائلة بشرية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية عبر انهدامات مجتمعية عامودية وأفقية تهدد الكيان الوطني.
جرائم عير مسبوقة
وحول كثرة الجرائم واشكال تنفيذها بطرق غير مسبوقة ولم يسمع عنها المجتمع السوري سابقا وعن أسباب كثرتها قال المحامي صيموعة، ربما تكون معدلات الجريمة، صعودا أو هبوطا، إحدى المؤشرات الهامة لقياس وضعية مجتمع ما، والدرجة التي وصل إليها نظامه القانوني، والمستوى الذي ارتقى إليه في صياغة علاقاته وتنظيم مرافقه العامة والخاصة وفض المنازعات بين أفراده..
وبلادنا، وهي عريقة تاريخياً وضاربة في التاريخ والحضارة، وأنجبت رجال قانون لا زالوا حاضرين في الذاكرة منذ آلاف السنين، ومع كل ذلك لم تستطع بلادنا إنجاز نقلة مهمة في تأصيل المؤسسات وخاصة المؤسسة الأم وهي الدولة.
وأخذ النظام القانوني يتراجع لحساب علاقات ما قبل الدولة والمجتمع، وكفت الدولة عن ممارسة وظائفها الحيوية في دمج المكونات في إطار القانون، وفشلت في مهمة خلق فضاء للولاء الوطني، لحساب ولاءات غرائزية ضيقة، وغالبا متناقضة، فتآكلت من خلالها الوظائف الحيوية للدولة وظل المجتمع محكوما بتناقضات داخلية قابلة للتفجير..
وعند أول اختبار حصل لهذه المؤسسة سرعان ما فقدت الكثير من وظائفها في الحماية والرعاية وتسيير المرافق وتقديم الخدمات الحيوية، حصل هذا في ظروف تغول السلطة على الدولة. وفقدان الدولة مبدأ الحيادية تجاه مواطنيها نتج عنه تعطيل أو تعطل شبه كامل لهذه الوظائف، فتخلت عن دور الرعاية لتصبح طرفاً في معادلة صراع استجلب كوارث عديدة نشأ عنها، انتشار السلاح العشوائي وهاجس الحماية الذاتية بعيدا عن وظيفة حفظ الأمن المنوطة بالدولة حصرياً كعمل سيادي. وانتشار عصابات الخطف والسلب والنهب بقوة السلاح، مما عزز هاجس التسلح المضاد للدفاع عن النفس عبر الحماية المضادة.
وارتفاع معدل الجريمة بشكل غير مسبوق نظرا لاستسهال ارتكابها بسبب وفرة السلاح ووفرة وسائل النقل من السيارات المهربة التي تسير في وضح النهار دون لوحات دلالة.
وتحول الجرائم الخطيرة مثل القتل والخطف وقطع الطرقات وطلب الفديات والتهريب إلى مصادر للعيش والترزق.
فظاعة الجرائم
حوادث مفجعة نشرتها وتناقلتها مختلف وسائل الاعلام في كثير من المناطق السورية راح ضحيتها أناس كثر، وكانت الدوافع فيها مختلفة منها ما كان بدافع السرقة والطمع ومنها بدافع الانتقام، ومنها بدافع الخيانة الزوجية وجرائم الشرف ولعل أكثرها يأتي تحت بند الظروف المعيشية والاقتصادية التي زادت من الحالة النفسية السيئة للمواطنين بسبب الغلاء وضعف المردود المادي.
ويسبب سماع أخبار هذه الجرائم في رفع معدلات القلق والخوف والتوتر لدى الناس وتسبب لهم أمراضا نفسية مزمنة، حيث تعمد بعض وسائل الإعلام لتضخيمها بشكل غير مقبول.
ضغط المعيشة وارتفاع معدل الطلاق
انعكست الحرب السورية بآثارها على السوريين بمناح كثر غير التي ذكرناها سابقا، فهي قد مزقت النسيج الاجتماعي بنسبة لا يستهان بها، وزاد من هذه الحالة الضغط المعيشي الذي سببه الوضع الاقتصادي المتدهور للسكان مما استدعى بروز نتائج سلبية كثيرة أخرى تمثلت في الفقر المدقع الذي أودى إلى حالة تحلل أسري وتزايد حالات الطلاق بسبب صعوبة العيش وحالات الخذلان التي يعيشها الناس.
وتتصدر سوريا قائمة الدول الأكثر فقرًا في العالم بنسبة 82.5%، وفقًا لبيانات موقع "World By Map" العالمي، الذي أصدر العام الفائت، بيانات وإحصائيات للسكان الواقعين تحت خط الفقر في كل دولة من دول العالم.
ولا تقتصر حالات الطلاق بأسبابها على الفقر، وتقلب الأمزجة بين الأزواج بسبب الضغط النفسي بل زاد الأمر الى الفراغ العاطفي الذي يعيشه كل من الزوجين، بسبب القلق والضغوط النفسية والغياب عن المنزل بدافع العمل، وفرق السن بين المتزوجين، وتعدد الزوجات خلال فترة الحرب، والخيانة الزوجية، وأسباب كثيرة تؤدي الى حالات طلاق حيث يلجأ كل طرف الى وسائل بديلة والبحث عن مبررات الطلاق التي ارتفعت إلى أعداد غير مسبوقة في المجتمع السوري الذي كان يعتبره سابقا أمرا معيبا، فوصلت حالات الطلاق في عدد من المدن السورية الى أكثر من 25 ألف حالة خلال السنة الماضية فقط.
وأكد القاضي الشرعي الأول في سوريا محمود معراوي إن أهم أسباب ازدياد حالات الطلاق في الوقت الحالي هو الوضع الاقتصادي.
وأشار إلى أن نسبة لا بأس فيها من عقود الزواج المسجلة يومياً هي زواج ثاني بنسبة ممكن أن تصل لـ 40% أو تزيد قليلاً.
يذكر أن هناك تزايد ملحوظ في زواج الأطفال القاصرين في سوريا وذكرت "لجنة الإنقاذ الدولية" أن حالات الانتحار في مناطق شمال غربي سوريا متزايدة ووصفتها بالمدمرة وبسبب الاكتئاب الحاد والصحة العقلية والضغط المعيشي والعنف المنزلي.
التأثير على الأطفال
التأثير الأكثر تدميرا وقع على الأطفال السوريين الذين فتحوا اعينهم على سنوات الحرب، فتحولت حياتهم إلى أشبه بالجحيم ونشأ أكثر من جيل سمي بأجيال الحرب، حيث أنعكس كل شيء على تصرفاتهم وسلوكهم وحياتهم المعيشية.
وكشف تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الحرب تسببت في مقتل وإصابة حوالي 12 ألف طفل. ووصف التقرير الحرب في سوريا بأنها جعلت حياة ومستقبل جيل من الأطفال معلَّقين بخيط رفيع.
وحذرت المنظمة من أن حوالي 90% من الأطفال السوريين يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بزيادة بلغت نسبتها 20% عن العام الماضي وحده.
كما يعاني أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخمس سنوات في سوريا من التقزُّم نتيجة سوء التغذية المزمن.
في حين أن حوالي 2.45 مليون طفل في سوريا و750 ألف طفل سوري إضافي في الدول المجاورة لا يذهبون إلى المدرسة، 40% منهم من الفتيات.
ووفقا للتقرير وبحسب البيانات التي تم التحقق منها بين عامي 2011 و2020 فإنه تم تجنيد أكثر من 5،700 طفل للقتال، بعضهم لا تزيد أعمارهم عن سبع سنوات.
كما تضاعف عدد الأطفال الذين ظهرت عليهم أعراض الضيق النفسي والاجتماعي في عام 2020، فالتعرض المستمر للعنف والخوف الشديد والصدمات له تأثير كبير على الصحة النفسية للأطفال كما قال التقرير.
وحذر التقرير من أن الوضع في شمال سوريا مقلق بشكل خاص، فلا يزال هناك عدد هائل من الأطفال النازحين في شمال غرب سوريا، بعد أن اضطرت العديد من العائلات للفرار من العنف عدة مرات، بعضها سبع مرات، بحثًا عن الأمان.
وأشار إلى أنهم عانوا من الأمطار الغزيرة والثلوج وهم يعيشون في خيام ومبانٍ مدمرة. كما أن أكثر من 75% من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال المسجلة في عام 2020 وقعت في شمال غرب سوريا.
