أضاميم.. قطرة واحدة لا تكفي فنحن في زمن العطش
قطرة واحدة لا تكفي يا أبا ليث، فنحن في زمن العَطش، ونرجِّي من شلال الشِّعر تِسْكاباً وغيثاً، ومن «قطرة واحدة في زمن العَطش»، إلى نهر سال في ساحتنا الثقافية، ومن «هَودَجِ الغُربَة» إلى قنديل يضِيء النادي الثقافي المُجاور لبيتك، وها أنت ترحل وتترك وراءك رياحًا تعصِف بأوراقنا، تشاكلُ «رياح المُسَافِر بعد القصِيدة»، لكنا لم نُلملِمْها بَعْد، فقد كنا نظن أنَّ في الوقت متسعًا ليمنحنا حديثًا جديدًا أو لقاءَ أخيرًا، وها أنت تغيب عن الساحة الثقافية التي أحببتها، وغذَّيْتها بشِعْرِك ورُوحِك، وأضَأتَ عتماتها، مؤكدًا أنَّ الشعر قنديلٌ لا ينفَدُ زيته، وحين تغيب شمسُك، يأتينا خيالك من جديد، ليذكرنا أن للرحيل أسبابه، مثلما «للشَّمس أسبابها كي تغيب».
رحل الشاعر هلال بن محمد العامري، الذي ملأ الساحة الثقافية العُمانية بحضوره أناقة صاخبة، عَرَّاب تقفوه الأدباء، وشاعر تحدوه القوافي، وقصيدة بلا خاتمة، فجاء غيابُه خاتمتها الحزينة، التقيته مع بدايات عملي الصحفي عام 1988م، وأيُّ صحفي عَمِل في القسم الثقافي بجريدته لم يلتق به؟ فحين تعزُّ الأخبار كان هو فرصتنا لنحظى منه بخبر، ننشره في الصفحة الثقافية، وكأنَّ مفاتيح الفعاليات الثقافية تتدلَّى بين يديه، وكان لديه ما يقوله ويقدمه، منذ أن عرفته، وتشاركتُ معه في أمسية شعرية، وعرفته في «النادي الثقافي»، وفي وزارة «التراث والثقافة» (سابقا) بعد ذلك، يقدم ضيوفه الذين كان يطاول بعضهم قامة، شعراء ومفكرين وأدباء، وكان يفتتح تقديمه بجملته المعهودة عنه، في قاعة المحاضرات بالنادي الثقافي: (مساء الشعر، مساء الإبداع، مساء الثقافة)، كان الشعر هو لازمته التي يلهج بها في كل لقاء، وكان حديثه شعريًا بامتياز، وشغلنا بقلمه زمانًا، في مساحته الخاصة به: «استراحة في زمن القلق»، بجريدة الوطن، فجاءت حوارية مع امرأة يخاطبها، امرأة سكنته، وحرَّكت روح الكتابة في داخله، وما أجمل الاستراحات مع من نُحِب.
أدخلُ النادي الثقافي فأرى الشيخ هلال العامري مع ضيوفه وأصدقائه، أو أراه يقرأ صحيفة أو كتابًا، فيأخذنا الحديث معًا إلى مشارب شتى، بين الشعر والصحافة، وأراه يتصدَّرُ حفل افتتاح فعالية ثقافية، ليلقي كلمة الوزارة، مثلما كان يلقي كلمة النادي، فيسمعنا نصًا نثريًا رفيعًا، ويعود إلى كرسيه وقد أبهر الحضور، وأراه في معرض الكتاب، ينتقل بين دور النشر، وأصادفه يزحف بعصاه، ليحضر حفلًا ثقافيًا يُدعى له فلا يتخلَّف، ويقطع الطريق إلى موقع «الجمعية العمانية للكتاب والأدباء»، ليشارك أصدقاءه أمسيتهم بحضوره الباذخ، فهلال العامري لا يرفض دعوة ولا يتخلف عن موعد.
في إحدى المشاغبات الصحفية معه، زرته في بيته، على يمين الطريق الصَّاعد إلى مبنى النادي الثقافي، وحين دخلته بدا لي بيتًا يليق بشاعِرٍ دأبه التواضع، ومع ذلك فهنا أضاءَتْ أول قناديل «مجلس الثلاثاء» الأدبي، ويستضيف له كبار المثقفين، قبل أن تنتقل جلساته إلى «النادي الثقافي»، وهنا كتب أجمل قصائده التي نثرها بعد ذلك في دواوينه، فيا لهذه الأيام التي تجمعنا بمداراتها في أمكنة مختلفة، ها أنا في بيت الشاعر، أقتطع من الزمن مساءً خاصًا، لأحاوره وأتحدَّث معه عن تجربته الشعرية، الممتدة من بيت والديه في حلة «السِّحارية» بسَمائِل، إلى آخر المعارج التي بلغها، وأما حلة «السِّحارية»، فقد وصف أنه عاش طفولته في دروبها وضواحيها وبين بيوت الطين الجميلة: (السِّحارية تسكن عرش القلب)، هذا ما قاله في ذلك اللقاء الذي نشرته في ملحق شرفات بتاريخ: 28 أغسطس 2012م، ليصبح اليوم إضمامة رائعة مشتركة بيننا، فما أعذب هذا الوفاء منه لمنابت الطفولة، ومنابع الشاعرية التي لا تنضَب.
في تلك الجلسة الحوارية حدثني عن طفولته، حيث درس القرآن الكريم على يد المُعلمَيْن: محمد بن عبدالله الرَّاقي، وحماد بن حميد العامري، في حلة «الجمار»، ثم دخل جامع سمائل، ودرس النحو على يد الأستاذ الأديب: موسى بن عيسى البكري، ودرس مبادئ من علوم الفقه على يد الفقيهين: سعيد بن سالم وعلي بن حمد الناعبيَّيْن، وكان يراوح مع أقرانه مجلس العلامة خلفان بن جميِّل السيابي، ويستمع إلى فتاواه وردوده الشعرية على الأسئلة النظمية، وكان يلتقيه في حداثة سِنِّه، ويذهب مع والده لزيارة مجلسه الفقهي، وكان الشيخ خلفان يحلل الأسئلة النظمية، والقصائد الشعرية التي ترد إليه، فيقول مثلا: إن البلاغة التي في هذا السؤال تغيره من النظم إلى الشعر.
وحدثني أنه سيكتب سيرة ذاتية، إذ كل كاتب يحلم أن يكتب معايشاته ومشاهداته في حياته، وتحدثه نفسه أن يتراجع عن الكتابة، إذ مَنْ هو القارئ المهتم بسيرة الكاتب كما يقول؟، ولا أدري هل كتب سيرته، أم تبددت كأي فكرة حالمة تراود بال الكاتب، وهل جمع نصوصه الشعرية في عمل كان قد وضع له اسم: «الشِّعْرُ والليل»، أم كانت مجرد فكرة شعرية لم تتحقق، ولكن تجاربه السابقة تؤهله إلى تحقيق ذلك، فقد صدره له: «هودَجُ الغُرْبة» 1983م، و«قطرة في زمن العَطش» 1985م، و«كتابة على جدار الصمت» 1987م، و«الألقُ الوافد» 1991م، و«رياحٌ للمُسافر بعد قصيدة» 1993م، و«للشمس أسبابها كي تغيب» 1994م، وعمل شعري مشترك مع عبدالله الشَّحام، بعنوان: «أ.ب، كأسٌ للحَياة.. دمٌ للعَذراء» 1998م، وأكثر هذه الأعمال نفدت، حتى خرجت من جديد مع «الأعمال الشعرية الكاملة» عام 2013م، الصادرة عن النادي الثقافي، و«البرنامج الوطني لدعم الكتاب»، ولكنها ليست كاملة كما يقوله العنوان، فقد نقص منها ديوانان، هما: «هودج الغربة»، و«كتابة على جدار الصمت».
وحدثني عن تجربته الأليمة مع إصابته بالخبيث في الكبد، كانت أكبر من الوصف، إنها تعني الموت، بكل ما للكلمة من معنى، يقول العامري: (لقد متُّ حينها، وشعرت أني سأودع الحياة، وسأترك كل أحلامي التي لم أحققها)، وشاء الله أن يتجاوز تلك المحنة المرضية، فخرج منها معافى، وعادت مياه الأحلام تسيل في سواقي الحياة، وعاد للشجرة اخضرارها.
وإذا كانت النصوص الشعرية هي ما يتبقى للشاعر بعد رحيله، فإن الشيخ هلال له منجز آخر، يحسب ضمن سيرته الأدبية، وهو «الملتقى الأدبي»، الذي خرَّج مئات الأصوات في عُمان خلال أكثر من عقدين من الزمان، وأكثر أدبائنا الشباب يدينون بالفضل لهذا الملتقى، ومن منبره برز صوتهم الشعري، وعرفَتهم الساحة الثقافية، والشيخ هلال هو واضع خارطة الملتقى، بما يؤهله أن يكون أستاذًا لجيل من الكتاب العُمانيين الشباب، وكثير منهم أصبح لهم صوت ذائع في الساحة، وصدرت لهم أعمال أدبية، ولم تكن مشاركتهم في الملتقى إلا تمهيدًا لحضورهم الأدبي.
وبعد رحيل الشاعر ماذا يبقى؟، يبقى الشعر، وهج الإبداع، وتبقى الكلمة المَخبوء حُسنها في كتاب، ويبقى الإصدار الأنيق، وتبقى بصمة الإنسان في هذه الحياة العابرة، وبالنسبة لي تبقى اللقاءات والأحاديث تلتمع في الذاكرة، وتومض في الوجدان، وتبقى أعماله الشعرية الموقعة بخطه الجميل في مكتبتي، ولا أنسى توقيعه على مجموعته «قطرة في زمن العطش»: (علَّنا نجد سَحابة في زمن الجَفاف)، وعلى ديوانه «رياح للمسافر بعد القصيدة»: (لا تحملنا سوى رياحُ المحَبة عبر صَحَارى الشِّعر)، وتوقيعه على «كأسٌ للحَياة.. دمٌ للعَذراء»: (مهما كان سَغبنا، فنحن لا نطفئ هذا الظمأ بكأس من دم العَذراء)، وأجمل تكريم للكاتب هو الاحتفاء بما كتب ونشره للناس، هناك نصوص شعرية للشيخ هلال العامري لم تنشر، أو نشرت وضاعت في صفحات الصحف والمجلات والدوريات الثقافية، أو بقيت مسودات في الأوراق، أو في ذاكرة حاسوب، حَرِيٌ بها أن ترى النور، وأن تجمع أعماله الشعرية في أعمال كاملة، وأعماله النثرية كذلك.
وبرحيل هلال العامري، ينطفئ أحد المصابيح الأدبية المهمة في سلطنة عمان، وقد لفظ أنفاسه ورحل، تاركًا وراءه حياة يبلغ مداها سبعين عامًا، وتوقف القلب والقلم بعد رحلة صاخبة بين الحُبِّ والكتابة، ولا تزال منصة قاعة المحاضرات بالنادي الثقافي مسكونة بإطلالته، فمثلما تحفظ القاعة خياله وظله، أرجو أن تحمل اسمه، تكريمًا للذي عَمَرَها بفكره وحِسِّه الشعري، وسيأتي جيل يبحث عن روح الشاعر السَّابحة في عالم الغيب، كلما قرأ له نصًا شعريًا، وسيبحث عنه بين كلمات نصوصه، ويغني معه:
وللشِّعرِ أهتفُ: يا أيُّها الشِّعرُ
يا مُنتهَى نَبَضاتِ التمَرُّدِ
يا قمَرَ العَتمَةِ الحَالِكَة...!
تمَثَّلْ سَوِياً،
وَأوقِفْ بَيَاضَ التشابُهِ فِينا
عُيُونُ القَريضِ التي
جَوَّفتْها السُّنُونُ
فعَادَتْ تُرَاباً
لأمَّتِنا الهَالِكَة.
شرح الصور:
الأعمال الشعرية الكاملة لهلال العامري.
قطرة في زمن العطش.
رياح للمسافر بعد القصيدة.
كأس للحياة.. دم للعذراء.
محمد الحضرمي كاتب وصحفي عماني
