أضاميم.. أين ذهبت آثار المشتغلين بالعلم بعد موتهم!
العنوان السؤال أعلاه، يطرح إشكالية مهمة في حفظ الميراث الثقافي من الضياع، فحقًا أين تذهب آثار المشتغلين بالعلم بعد موتهم؟، وأعني به ما يتركونه من كتب ومذكرات وأوراق، وما له علاقة بالعِلم، أين تختفي كتبهم ومؤلفاتهم، ومراسلاتهم، ومسودات خواطرهم، هكذا فجأة تضيع وتتفرق أيدي سبأ، بعد أن كانت في خزانة واحدة، شهدت ساعات الكاتب التي مكثها بينها، لا يبرحها في ليله أو نهاره حتى يعود إليها.
التقيت مرة في إحدى المكتبات شخصًا، يبدو من مشترياته أنه مهتم بقراءة الكتب الفكرية، وفي آخر اللقاء شعرت بمسحة حزن على وجهه، وفورًا أفصح عنها بقوله: يا تُرى هل سيَحتفظ أبنائي بهذه الكتب من بعدي؟! فشعرت من سُؤاله أن الكتب قطعة من روحه، ويرجو أن تنتقل من بعده إلى يدٍ أمينة، حتى لا يحصل عليها من لا يستحقها، وكأنها سبايا، تنتقل من بلد إلى آخر، ومن مالك لآخر.
ذات مرة تصفحت أحد الكتب، ووجدته موقَّعًا باسم الشيخ الشاعر علي بن جبر الجبري (ت: 1995م) رحمه الله، وكان يعمل أمينًا لمكتبة «المعهد الإسلامي»، (يقع في مدينة الوطيَّة بمسقط، ثم ألغِي وهُدِم)، ولعل الشاعر نقل بعضًا من مكتبته الأدبية الخاصة إلى مكتبة المعهد، وبعد إلغائه توزعت الكتب إلى مكتبات ومراكز ثقافية أهلية، كان الشيخ علي الجبري شَغوفًا بشراء الكتب، فأين ذهبت مكتبته، بما فيها من مجلات ثقافية كمجلة العربي، التي كان يحتفظ بأعدادها كاملة.
وفي زيارة لمكتبة نزوى العامة، تعرَّفت على مجموعة كبيرة من كتب الشيخ القاضي محمود بن عامر البريدي الفَرْقي، من أهل قرية «فرق» بنزوى، وكنت في كل كتاب أتصفحه داخل المكتبة، أقرأ فيه توقيعًا للشيخ محمود، وأنَّ هذا الكتاب من مكتبته الخاصة، التي تأسست عام 1975م، فعلمت أن الشيخ أهدى مكتبته لمكتبة نزوى العامة، لينتفع بها طلاب العلم والباحثين، بعد أن تقدَّم به العمر، ولم يعد قادرًا على القراءة كما كان، ولا أجمل من أن يودعها في مكتبة عامة، وبعض الكتب النادرة بأهمية المخطوطات.
ومن تصفحي لكتب الشيخ محمود البريدي، وجدت له كثيرًا من التقييدات، بعضها يؤرخ تاريخ شراء الكتاب، وسعره، واسم المكتبة، ومنها عرفت أسماء مكتبات عمانية وسعودية، اشترى منها كتبه، فمن مكتبة الاستقامة في روي اشترى كتاب «النكاح» لأبي زكريا الجناوني، ومن مكتبة أبي الفضل بن عباس في نزوى، اشترى كتاب «الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص» للشيح محمد بن يوسف اطفيش، والجزء الأول والثاني من «كتاب الجامع» لابن جعفر الأزكوي، ومن المكتبة التجارية بمكة المكرمة، اشترى كتاب «المقتضب» للمبرد، وغيرها.
وفي بعضها نصوص شعرية، كقصيدة في «حكم الرِّضاع» للشيخ الفقيه إبراهيم بن سعيد العبري، المفتي السابق لسلطنة عمان، المتوفى في مطلع السبعينات، فهل ما تزال مكتبته بما تضمه من نفائس المخطوطات، باقية على حالها كما تركها الشيخ العبري؟، أم جارت عليها الأيام، بما تحمله من أسباب أدت إلى ضياعها؟
في بلدنا الكثير من المكتبات الخاصة، تضم طبعات نادرة من الكتب، وبعضها بتجليد نادر، لا تستخدمه دور النشر اليوم، ولكن ليس لدينا سوقًا لبيع وشراء الكتب المستعملة، كما في بلدان أخرى، فأين ذهبت تلك الكتب القديمة، والمكتبات القيمة بعد وفاة أصحابها؟!
مما يؤسف له: أن بعض الكتب تقع في أياد لا تقدر قيمتها، وقد سألت عن مكتبة لأحد الأصدقاء الشعراء الراحلين، فعلمت أنها مغلقة، يكسُوها التراب، ووصلتني عنها صور ضوئية، رأيت فيها تناثر الكتب في الأرض، وأرجو من أسرته المحافظة على تلك المكتبة الصغيرة لهذا الأديب، فكل كتاب له قصة رائعة نسجتها الحياة معه، وإهمالها يعني التفريط في ذكريات ومكونات والدهم الثقافية.
ولكن هل يبيع الورثة كتب والدهم الشيخ؟، نعم يحدث ذلك، فقبل أيام التقيت بابن الشيخ حمدان بن خميِّس اليوسفي، المعروف بتمكنه من علم النحو، حتى أنه يُعرَف في عُمان بلقب «سيبويه الثاني»، توفي عام 1965م، في رحلة لأداء فريضة الحج، ودفن في مقبرة «بقيع الغرقد» بالمدينة المنورة، وبلا شك أنه ترك مكتبة ثريَّة في قريته «الفرفارة» بسمائل، مثلما ترك مؤلفات، ككتاب «إسعاد الرَّاوي» على حل أبيات «لامية الشبراوي»، وكتاب «خلاصة العمل»، شرح لقصيدة «بلوغ الأمل» للشيخ عبدالله بن حميد السالمي، وكلاهما مطبوعان، وكتاب «الدرة اليتيمة»، أتمه بعد ذلك تلميذه محمد بن راشد الخصيبي، فسألت ابنه محمد الذي لا يتذكر ملامح أبيه، فقد كان في عامه الأول حينما توفي والده، قال: (توفي والدي، وعليه ديون، وليس لنا ما نعيش، ولم يكن للأسرة خيارًا إلا بيع المكتبة أو البيت، فرجحت كفة بيع الكتب، وبيعت في «سوق طفين» بسمائل)، ولكن من اشترى مكتبة سيبويه عُمان، المليئة بالنفائس والمخطوطات النادرة؟! في ذلك الزَّمان، لا أحد يعلم من اشتراها، فيا لشدَّة الحاجة التي تسببت في ضياع مكتبة النحوي الكبير.
وقد تباع كتب فقيه كبير، بحجم الشيخ خلفان بن جميِّل السيابي، المتوفي في عام 1972م، رحمه الله، وهذا ما نستشفه من تقييد الشيخ المؤرخ: سالم بن حمود السيابي (ت: 1993م) على كتاب «قناطر الخيرات» في ثلاثة أجزاء، لأبي طاهر الجيطالي النفوسي، فقد كتب الشيخ السيابي بخطه في بداية الجزء الأول هذه التقييد: (أخذته بالشِّراء من ميراث شيخنا العلامة خلفان بن جميِّل رحمه الله، كل قطعة عن ستة ريالات سعيدية إلا ثلث ريال، يوم 13 شعبان 1392هـ)، ومن فضل الله على الكتاب، أن وقع في يد الشيخ سالم بن حمود، تلميذ الشيخ خلفان وجاره في سمائل، فقد قدَّمه بعد ذلك للنشر، وصدر مطبوعًا بطريقة التصوير الورقي، عن زارة التراث القومي والثقافة، عام 1983م.
ومثلما سألت عن مكتبة الشيخ المفتي إبراهيم بن سعيد العبري، أسأل عن مكتبة الشيخ سالم بن حمود السيابي، الذي اشتهر بغزارة التأليف، حتى المدخل الخاص به في «الموسوعة العمانية»، ذكر أن له أكثر من 80 عنوانًا، بين نثر ونظم، ومخطوط ومطبوع ومفقود، بعضها في عدة أجزاء، فهل ما تزال مكتبته ومخطوطات كتبه باقية؟، ورسائله المهمة مع كبار الأعلام، من حكام وأئمة وقضاة؟
وما تزال مكتبة الشيخ العلامة سالم بن حمد الحارثي (ت: 2006م)، حاضرة في ذهني، فقد زرته بمنزله بالمُضيرب في عام 2000م، بصحبة الباحث الدكتور محسن بن حمود الكندي، وعرَّفني الشيخ على مكتبته المنزلية، ومعه تصفحت مخطوطة كتاب «قاموس الشريعة» للشيخ جميِّل بن خميس السَّعدي، إذ لأول مرة أرى هذا الكتاب مخطوطًا كاملًا في 90 مجلدًا، وبعد وفاته رحمه الله نُقلت مكتبته إلى «مركز إبراء الثقافي»، وعسى أن ينتفع بكنوزها ونفائسها الباحثون.
وترك الشيخ سعود بن سليمان الكندي رحمه الله (ت: 2013م)، مكتبة تضم مخطوطات ومطبوعات حجرية قديمة، ما تزال في حوزة أبنائه، أما الكتب الحديثة فقد نقلت إلى «مركز الإبداع للثقافة والابتكار»، ويحتفظ أبناؤه برسائله القديمة ومخاطباته.
النماذج أكثر من أن تحصى، والعصف يتجاوز الوصف، وفي ذاكرة كل منا نماذج أخرى، في شتى المدن والقرى العمانية، ولمختلف الشخصيات الثقافية، بين قضاة ونسَّاخ وكتبة وقرَّاء شغوفين بجمع الكتب، وباحثون، ومؤلفون، وما أكثر ما ضاع من كتب ومؤلفات ومذكرات، والرسائل التي كانت همزات وصل رائعة بين الناس، تحمل الأشواق والأحلام، أصبحت اليوم ضربًا من الخيال، بعد أن كان في كل بيت «أضابير» مليئة بها، فتُحرق بالنار، أو تترك للرُّمة، أو تضيع لأسباب كثيرة، حتى أصبحنا بلا ذاكِرَة.
إ
