حمد بن سيف البوسعيدي
حمد بن سيف البوسعيدي
ثقافة

أضاميم... أولئك أشياخي فجئني بمثلهم

19 مارس 2022
19 مارس 2022

العلاقات الطيبة بين البشر هبة من هبات الحياة، وهي أجمل ما يحصده الإنسان في عمره المبارك، وأسمى ما يبتغيه في حياته، وتجمعنا الأيام بالكثير من الناس، بعضهم يمرُّون علينا عبوراً، كأشباح تتراقص في شاشة الحياة، فلا يتركون في نفوسنا أثراً، وبعضهم نعيش معهم ونحبهم ونتخلق بأخلاقهم، ونلعق من شهد فضائلهم، وقد جمعتني الأيام بالكثير من المشايخ الأجلاء، والأدباء العمانيين الأجلاء، من هم في جيل الآباء، فأسبغوا عليَّ محبتهم، ومنحوني فيض مودتهم، وكرم أخلاقهم، وفي هذه الإضمامة سأذكر ثلاثة منهم، محبة في إحياء ذكراهم، ووفاءً لأرواحهم، وذكرى لتلك الأيام الجميلة.

1 – الأستاذ خلف بن حمدان البوسعيدي (ت: 2012م):

في إجازة الصيف المدرسية للمرحلة الإعدادية، بين أعوام: (1981 – 1983م)، حفزني والدي أن أتعلم النحو على يد الأستاذ النحوي الضرير خلف بن حمدان بن سيف البوسعيدي ـ عليه رحمة الله ـ وكنت أقضي ضحوة النهار معه في «سبلة الميدان» بحارة البلاد بولاية منح، لأقرأ عليه «شرح الشيخ بُحْرُق الحضرمي لملحة الإعراب للحَريري»، وبعد قراءة مني وشرح مستفيض منه، نميل إلى الشعر، فأقرأ عليه شيئاً من قصائد «الستالي» أو «النبهاني»، وكان هذان الديوانان بحضرة الشيخ خلف دائماً، كان يحب الشعر وينظمه، ويرى في السُّتالي والنبهاني نبوغاً شعرياً، ولذلك كنت أقرأ عليه ما يتيسر من الديوانين، وقد يحوِّل القراءة إلى درس في النحو، فيشرح لي بعض المسائل النحوية الواردة في الأبيات، وكان يقول باستمرار: (النحو ليس حفظاً للقواعد وإنما إعراباً للكلام).

عاش الشيخ خلف بن حمدان حياته ضريراً، إذ أصيبت عيناه في طفولته بالرَّمد، وبسببه فقد بصره ولمَّا يبلغ سن العاشرة، وكان آية في الحفظ، فقد حفظ القرآن الكريم وهو صغير، وكان يشبهِّهُ بمدينة فسيحة، لها أبواب تقود إلى دروب وقصور وحدائق، وكان يعيش معه حين يكون وحيداً، فيستظهر ما يحفظ حتى لا ينساه، ويعلق في ذاكرتي مشهداً رأيته، لثلاثة رجال يقرأون القرآن داخل مسجد مندثر، يجاور مقبرة على الشارع العام، كان أحدهم نائماً، والآخران يرتلان القرآن جلوساً، فخفنا وهروباً منهم، وحين صرت أقرأ على يد الأستاذ خلف بعد سنين، ذكرت له ما شاهدته، فقال: أنا أحد الثلاثة، كنا نلتقي في هذا المسجد، نقرأ القرآن، وكان معي فلان وفلان، وذكر لي أسْماؤهم.

عمل الأستاذ خلف بن حمدان معلماً للقرآن الكريم في جامع السلطان قابوس بنزوى، جامع القلعة حالياً، ثم انتقل للتدريس في جامع السلطان قابوس بمنح، وقضى حياته بين رحاب علوم الشريعة، متفيأً تحت ظلال معارفها، وفي ليلة العشرين من ليالي رمضان، لعام 1433هـ/ 9 أغسطس 2012م، أنهت الأقدار حياته بحادث في منزله، تاركاً طلاباً كثيرين تعلموا على يديه، وديواناً شعرياً لم يُطبع، وإن كان الشيخ عاش حياته ضريراً، إلا أنه أبصرها بحفظه للقرآن وبتعليمه له، ومثابرته على تحصيل العلم، وتدريسه للناشئة، وحياته بين الكتب، فقد كنت أراه شبيهاً بأبي العلاء المَعرِّي ـ رحمه الله ـ مع فارق في الإنتاج الأدبي بطبيعة الحال، وكان هو معلق بهذه الشخصية، ويقرأ كثيراً في ديوانيه: «سَقط الزَّند»، و«اللزوميَّات»، كما أن الأستاذ خلف يمتلك قدرة على نظم الشعر، واختياره للجزل من الألفاظ.

2 – السيد حمد بن سيف البوسعيدي (ت: 1998م):

جمعتني الأيام بالقاضي السيد حمد بن سيف البوسعيدي ـ رحمه الله ـ وخلال سنوات التسعينات، كنت أقضي «رَمْسَة العَتيم» في بيته بالقرم، ولا أفوِّت مجلسه العلمي إلا حين يشغلني عمل صحفي، وكنت أراوح الجلوس معه، ولو مرة في الأسبوع، وأحياناً أغيب عن مجلسه أياماً، فيأتيني سؤاله عني، فأعود إلى مجلسه، ألمس منه العتاب العذب، والسؤال عن الأحوال، وكان يحنو على تلاميذه بمحبة تسع الجميع.

وواضح من مادة كتابه «قلائد الجمان في أسماء بعض شعراء عمان»، صدر في مسقط عام 1413هـ/ 1993م، أنه تتمة لكتاب «شقائق النعمان» للشيخ محمد بن راشد الخصيبي، ذكر ذلك في مقدمة كتابه حيث كتب: (خطر ببالي أن أجمع كتاباً مختصراً، أذكر فيه بعض شعراء بلدنا عُمان، الذين لم يرد ذكرهم في كتاب "شقائق النعمان في أسماء شعراء عُمان»، وفي الحقيقة لا لوم على مؤلفه في عدم ذكرهم، بعدم المصادر والمراجع، وإلا فهو قد بذل الجهد، وآل بما لم يسبق عليه، ومن غير الممكن حصرهم، لكن كل يدوِّن ما اطلع عليه)، من مقدمة الكتاب: ص7.

وأورد في قلائده سيرة شعرية لـ 117 شاعراً عمانياً من مختلف العصور، مع إرفاق نماذج من قصائدهم الشعرية، شعراء عاشوا في فترات مختلفة، وبعضهم من المعاصرين، بحسب ما يتيسَّر له جمعهم، فجاء الكتاب رائقاً بتلك القصائد، ووثيقة ومرجعاً مهماً لكل باحث، لأنه مكمل لكتاب الشقائق، الصادر في ثلاثة أجزاء، عن وزارة التراث القومي والثقافة.

في تلك اللقاءات الثقافية، بمجلس السيد حمد بن سيف البوسعيدي ـ رحمه الله ـ كنت ألتقط منه بعض عناوين الكتب، وقد تعرَّفت على الكثير من أمهات الكتب العمانية، فتبلورت في ذهني الكتابة عن بعض المخطوطات، نشرتها في 30 حلقة بجريدة عمان خلال شهر رمضان من عام (1417هـ/ 1997م)، تحت عنوان: «قناديل المعرفة»، وكان السيد حمد يذكِّرني بعناوين بعض الكتب، كنت أبحث عنها في «دار المخطوطات» بوزارة التراث والثقافة سابقاً، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي في شَرَادِي السِّيب، وغيرها.

في شهر يوليو 1998م، تعرَّض السيد حمد لأزمة صحية، مكث بسببها في المستشفى السلطاني، وبتاريخ 31 من ذات الشهر ذهبت إلى عيادته، وكنت أراه بصحة ونشاط، حتى أنه ودَّعني حين خروجي إلى باب الجناح الذي يقيم فيه، وفي ذات الليلة بلغني خبر وفاته، فقد اشتد عليه المرض، وتخطفته يد المنون، ورحل عن الحياة صاحب اليد البيضاء التي يسبغها على أصدقائه، علماً وكرماً وفضلاً، وصاحب القلب الكبير الذي يسع الجميع، وبقيت مؤلفاته بصمة رائعة، تذكِّرنا به، وبقيت جلساتنا معه أجمل الذكريات، وكانت من أعذب اللقاءات.

من بين المؤلفات التي تركها السيد حمد بن سيف البوسعيدي رحمه الله كتاب: «الموجز المفيد في تاريخ البوسعيد»، و«الجواهر السنيَّة في المسائل النظمية»، و«إرشاد السائل من أجوبة المسائل»، وكان يأمل أن يجمع كتاباً يضم الشاعرات العمانيات، بعنوان: «الخنسَاء العُمَانية»، ولكن لا أعرف مصيره بعد وفاته.

3 – شاعر الشرق أحمد بن عبدالله الحارثي (ت: 1995م):

في منتصف الثمانينات، سمعت أحداً يناديني وأنا في بيت والدي: إن ضيفاً يريد أن يلقاني قريباً من البيت، فذهبت مسرعاً إلى مكان وقوف سيارته، وحين اقتربت منها تفاجأت أنها سيارة الشيخ عبدالله بن عيسى الحارثي، أمدَّ الله في عمره، حيث كان والياً على ولاية منح خلال تلك الفترة، اقتربت من الشيخ عبدالله وسلَّمت عليه، ورحبت بزيارته المفاجئة، فقال لي: وعدتك أن أعرِّفك على محمد الحارثي، هذا هو محمد، فسلمت عليه، وتحدثنا معاً، مذكراً إياه بما قرأت له من مقالات كان قد نشرها في «مجلة العقيدة»، وكنت ألمح في السيارة شخص آخر، وبعد أن أنهينا حديث التعارف، أخذني الشيخ عبدالله إليه، وقال لي: هذا الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي، والد محمد، كان الشيخ أحمد يملأ عيني مهابة، كما يملأ عين كل من يستمع إليه، وهو يقرأ الشعر في مهرجان «العاديات» للخيول السلطانية السنوي، بين يدي صاحب الجلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ كان مفتاح التعارف بيننا سهلاً، لعله أنس مني محبة للشعر.

ولا أدري متى التقيت به للمرة الثانية، وفي كل مرة أزور فيها الصديق محمد الحارثي، نذهب سوياً إلى بيت والده، فنجلس مع أبيه، ونتحدث عن الشعر والشعراء، وفي أحد الجلسات استأذنته أن أجري معه حواراً صحفياً، فوافق الشيخ، وأجريت الحوار، على بساطة الأسئلة التي طرحتها له، فقد كنت في بدايات عملي الصحفي، لذلك راجعته معه بعد تحريره، ونشرته صفحة كاملة في ملحق عمان الثقافي: الخميس، 3 نوفمبر 1994م.

وبين فترات متباعدة أسمع عن الشيخ أحمد أنه ينام في المستشفى السلطاني، وكان ابنه محمد الحارثي يحثني على زيارته، ويقول: إن أبي يحبك كثيراً، ولعل حديثك معه يجعله نشيطاً، وكان هذا الكلام يبهجني أيضاً، فأنا أحب اللقاء به والجلوس معه، وكان الشيخ أحمد يتناسى شدة المرض عليه، وندخل معاً في حوار شِعري، له متعته الخاصة في نفسي، كيف لا والمتحدث معي هو الشاعر الكبير أحمد بن عبدالله الحارثي، والذي لقبه الشيخ خلفان بن جميل السيابي بشاعر الشرق، في قصيدة يقول من ضمن أبياتها:

يا شاعِرَ الشَّرْقِ الشَّريفِ أتيتني

بقصِيدةٍ زُفَّتْ على أخدَارِها.

توفي الشيخ الأديب والشاعر أحمد بن عبدالله الحارثي بالمستشفى السلطاني، بتاريخ 22 سبتمبر 1995م، ورحل وفي قلبه حلم أن ينشر ديوانه بعنوان: «الليالي البيض»، فقد قال لي ذات مرة: إنه سَمَّى ديوانه الليالي البيض، تيمُّنا بتلك الليالي التي يسطع فيها القمر، لعل القصائد تسطع في نفس قارئها، لكنه صدر بعد رحيله بتسعة عشر عاماً: 2014م، عن جامعة السلطان قابوس، مركز الدراسات العُمانية، بعنوان: «ديوان أبي الحَكم»، جمع وتحقيق جوخة الحارثي.