الاقتصادية

رفع الفائدة الأمريكية.. التأثيرات المتوقعة على الاقتصاد ومعدلات التضخم

17 يونيو 2022
17 يونيو 2022

توقع تباطؤ النمو إلى 1,7% هذا العام ورغم استبعاد خطر الركود فإن الأفق خلال العام المقبل ضبابي ولا يمكن التكهن بالمسار الذي سيسلكه الاقتصاد

رسالة بنك الاحتياطي للأسواق هي انه يسعى إلى بناء ثقة معهم تأثرت كثيرا بسبب عدم فعالية أدوات السياسة النقدية حتى الآن في خفض التضخم

معنويات المستهلكين هبطت في يونيو إلى أدنى مستوياتها منذ ركود 1980 في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتخطي سعر جالون البنزين 5 دولارات لأول مرة في التاريخ

لم يقر البنك زيادة بهذا الحجم منذ نحو 30 عاما مما يمهد لزيادات كبيرة مماثلة في وقت لاحق من هذا العام في محاولة لتهدئة الاقتصاد المزدهر من خلال رفع تكلفة الإقراض

تقرير - أمل رجب

بينما كانت توقعات الأسواق والمحللين ترجح رفعا للفائدة على الدولار الأمريكي بنحو 50 نقطة أساس, جاء قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي بزيادة الفائدة 75 نقطة أساس ليضع معدلات الفائدة عند أعلى مستوى منذ عام 1994 إذ تتراوح حاليا بين 1,5 بالمائة و1,75 بالمائة, ويعد هذا الرفع الذي يفوق التوقعات تأكيدا على توجه البنك نحو القيام بكل ما يمكن للسيطرة على تضخم غير مسبوق منذ 40 عاما وأدى بالفعل لأضرار ضخمة على الاقتصاد وعلى مستويات المعيشة أيضا, ويرى الخبراء إن الرسالة الأساسية التي يريد بنك الاحتياطي الفيدرالي توصيلها للمستهلكين هي انه يسعى إلى بناء الثقة معهم والتي تأثرت كثيرا بسبب عدم فعالية أدوات السياسة النقدية حتى الآن في خفض التضخم خاصة وقد كشفت بيانات شهر مايو عن أن هذه الظاهرة التي تؤرق الاقتصاد العالمي تمثل تحديا صعبا للغاية وما زالت حتى الآن بعيدة عن السيطرة وهو ما يجعل بنك الاحتياطي الفيدرالي يسعى بقوة لاستعادة ثقة الأسر والشركات الأمريكية التي تشعر بالقلق من أن تكاليف معيشتهم لن تنخفض في أي وقت قريب. ورصدت بيانات اقتصادية أن معنويات المستهلكين هبطت في يونيو إلى أدنى مستوياتها منذ ركود عام 1980 ، وفقًا لمسح أجرته جامعة ميشيجان الأسبوع الماضي وهي نتيجة منطقية في ظل تخطي سعر جالون البنزين 5 دولارات لأول مرة في التاريخ. بالإضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست وكلية شار للعلوم السياسة بجامعة جورج ميسون أن معظم الأمريكيين يتوقعون أن يزداد التضخم سوءًا وأنهم يعدلون عادات الإنفاق لديهم وفقا لذلك وهو سلوك يمكن أن يفاقم من ارتفاع الأسعار. وفي مايو ارتفعت الأسعار بنسبة 8.6 بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي, وهو أعلى مستوى في حقبة الجائحة، وقد قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في مايو برفع أسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية وكان مرجحا زيادات مماثلة في يونيو ويوليو إذا جاءت تطورات بيانات التضخم حسب المتوقع, لكن التضخم قد تسارع مجددًا في مايو وهو يسير بأسرع وتيرة منذ عام 1981, وتستمر أسعار الطاقة والإسكان والغذاء المرتفعة في زيادة تكاليف المعيشة بأسرع وتيرة منذ 40 عامًا ويشعر الأمريكيون بالضغط في كل تفاصيل حياتهم اليومية تقريبًا من السلع الغذائية إلى الغاز والوقود وكلفة إيجار السكن.

وأظهر أهم مقياسين لتوقعات التضخم أن توقعات المستهلكين تتزايد بشأن حدوث ارتفاع أعلى للأسعار وهو ما يدفعهم للإنفاق أكثر للحصول على ما يرغبونه من سلع قبل زيادة الأسعار, وتاريخيا يكون لمثل هذا الوضع الانعكاس الأسوأ على ارتفاع الأسعار فبينما يستمر المستهلكون في الإنفاق بسرعة وتبدأ العائلات في الاعتقاد بأن زيادات الأسعار قد تستمر يدفع ذلك التضخم إلى تسارع غير محدود وقد تفقد كل أدوات السياسة النقدية فعاليتها في مواجهته, إلى جانب احتمال استمرار الصدمات التي لا يمكن السيطرة عليها في دفع الأسعار للصعود, وقد أصبحت الحرب في أوكرانيا عاملا أساسيا في رفع تكاليف السلع ونقص المعروض في الأسواق.

ويعتبر بنك الاحتياطي الفيدرالي أن المعركة مع التضخم لن يتم حسمها إلا بالمزيد من رفع الفائدة والهدف هو الوصول إلى أسعار مستقرة مع الحفاظ على قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل وهو هدف لن يتحقق إلا عند السيطرة على التضخم, ويدفع ذلك لتوقعات في الأسواق بأن أسعار الفائدة قد تصل إلى 3,4 بالمائة بنهاية العام الجاري و3,8 بالمائة بنهاية العام المقبل، وهي تعد مستويات تاريخية ولم يقم الاحتياطي الفيدرالي بمثل هذه الزيادة الكبيرة منذ أوائل التسعينيات ومجرد وصول الحد الأعلى للفائدة إلى نسبة 3 بالمائة سيسجل أعلى معدل على الأموال الفيدرالية منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

وحاليا, تشير توقعات بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى أن متوسط التضخم سيتجاوز 5 بالمائة هذا العام ثم يتجه بعد ذلك للتراجع السريع نتيجة ما يتم من رفع متوالي لأسعار الفائدة ويستهدف البنك خفض التضخم بشكل حاد إلى 2,6 بالمائة بنهاية العام المقبل و2,2 بالمائة بنهاية عام 2024 وهو معدل سيكون أقرب ما يكون للمستهدف الرسمي لمعدل التضخم عند أقل من 2 بالمائة, ويعتبر المحللون أن التوقعات الجديدة المتعلقة بالتضخم تبدو أقرب للواقعية من تلك التي صدرت عن البنك في بداية العام ثم في مارس الماضي والتي أشارت إلى قرب انتهاء ذروة التضخم, ثم أدت التبعات والصدمات التي نتجت عن الحرب في أوكرانيا إلى استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.

وبينما ظل البيت الأبيض حريصا على التأكيد على أن الاحتياطي الفيدرالي مستقل وأنه سيحترم قدرته على القيام بما يراه ضروريًا للسيطرة على التضخم, إلا أن الإدارة الأمريكية تتبنى نفس وجهة النظر التي يتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في التعامل بحسم مع الارتفاع القياسي للتضخم عبر رفع الفائدة, وسبق أن أشار الرئيس الأمريكي إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يتحمل مسؤولية أساسية للسيطرة على التضخم, وألمح إلى أن "الرؤساء السابقين سعوا للتأثير على قرارات البنك خلال فترات التضخم المرتفع ولن يقوم هو أبدا بفعل ذلك".

مع هذا العزم الواضح من قبل الرئيس الأمريكي على بذل كل ما يمكن لمواجهة التضخم, يحذر بعض المحللين من انه بينما مازال وضع الاقتصاد الأمريكي قويا حتى الآن, فإن استمرار رفع الفائدة قد يؤدي لركود يمحو التحسن الملموس في سوق العمل وهو أمر لن يكون في صالح الإدارة الأمريكية التي تأثرت شعبيتها بالفعل بسبب ارتفاع التضخم, وقد أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى أن رفع الفائدة سيقود إلى تباطؤ نمو الاقتصاد إلى 1,7 بالمائة هذا العام واستبعد خطر وقوع الاقتصاد في ركود, لكن أفق الاقتصاد الأمريكي نفسه خلال العام المقبل يبدو ضبابيا ولا يمكن التكهن بالمسار الذي سيسلكه.

وفي تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز حول تطورات رفع الفائدة, أشار إلى أنه بينما كانت تصريحات جيروم بأول رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي تؤكد على الحاجة إلى خفض الأسعار إلى مستوى مستقر لضمان اقتصاد سليم, يبدو أن البنك على استعداد تام حاليا لتسريع رفع الفائدة خلال الفترة المقبلة لأنه يدرك أن التضخم هو أهم الأولويات التي لا يمكن السماح بخروجها عن نطاق السيطرة. وقد قال جيروم باول في مؤتمر صحفي عقب قرار رفع الفائدة: "اعتقدنا أن هناك ما يبرر اتخاذ إجراء قوي في هذا الاجتماع ، وقد نفذنا ذلك". "من الضروري أن نخفض التضخم إذا أردنا أن نحظى بفترة مستدامة من ظروف سوق العمل القوية التي تفيد الجميع.. الصورة الحالية واضحة للعيان: سوق العمل يتوسع بمحدودية والتضخم مرتفع للغاية ".

لكن مثل هذا المسار المفاجئ للسياسة النقدية سيكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد, فعندما يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة فإنه يجعل الاقتراض بجميع أنواعه - بما في ذلك ديون الرهن العقاري وقروض الأعمال - أكثر تكلفة. يؤدي ذلك إلى إبطاء قطاع العقارات ويمنع المستهلكين من الإنفاق كثيرًا ويهدئ توسعات الشركات، ويضعف سوق العمل والاقتصاد بشكل عام, ويمكن أن يساعد تباطؤ الطلب على تخفيف ضغوط الأسعار حيث يتنافس عدد أقل من المشترين على السلع والخدمات.

لكن أسعار الفائدة أداة قد تكون ذات حدين, مما يجعل من الصعب على بنك الاحتياطي الفيدرالي إبطاء الاقتصاد بالدقة والقدر المطلوب تماما. ومن الصعب أيضا التنبؤ بكافة الظروف التي قد تنتج عن تطورات الاقتصاد العالمي, وبينما يمكن أن تقل تدريجيا مشكلات سلاسل الإمداد المرتبطة بالوباء ، مما يسمح بالتباطؤ, لكن الحرب في أوكرانيا وعمليات الإغلاق التي أعيد فرضها مؤخرًا في الصين بهدف احتواء فيروس كورونا يمكن أن تبقي الأسعار مرتفعة.

وقد نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مايكل سترين، مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد أمريكان إنتربرايز قوله أن جزء كبير من المشكلة التي بدأت تتفاقم منذ العام الماضي وما قبله من أعوام أيضا, هو أن الاحتياطي الفيدرالي لا يبدو أنه يتحكم في الوضع, وما رأيناه مؤخرا من رفع يفوق التوقعات من قبل البنك يشير إلى أنهم يفهمون خطورة الموقف، وبالتالي فهم على استعداد لفعل ما هو مطلوب لمعالجة الموقف. واعتبرت صحيفة واشنطن بوست أن قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس الخطوة الأكثر قوة حتى الآن لمحاولة السيطرة على التضخم لأنه يضغط على الاقتصاد الأمريكي, إذ لم يقر بنك الاحتياطي الفيدرالي زيادة بهذا الحجم منذ نحو 30 عاما مما يمهد لزيادات كبيرة مماثلة في وقت لاحق من هذا العام في محاولة لتهدئة الاقتصاد المزدهر من خلال رفع تكلفة الإقراض.