No Image
الاقتصادية

بعد قرار أوبك بلس خفض الإنتاج .. إلى أين تتجه أسعار النفط؟

08 سبتمبر 2022
الغاز يسجل مستويات غير مسبوقة
08 سبتمبر 2022

بنوك الاستثمار العالمية تعدل توقعات الأسعار لكنها تظل عند مستويات جيدة

منتجو النفط يتبعون نهج الحرص على توازن السوق

مخاوف تراجع النمو العالمي قد تهدد الطلب وتراجع الاستثمارات يظل عاملا شديد التأثير على أسواق الطاقة

عبر الأسابيع الماضية، أدت المخاوف من انخفاض الطلب على النفط إلى جانب التضخم المرتفع باستمرار إلى تراجع أسعار النفط، لتصل إلى مستويات مارس 2022 عند نحو 90 دولارًا للبرميل، لكن غالبية التوقعات من قبل بنوك الاستثمار والمحللين مازالت تستبعد تراجعا كبيرا في الاسعار حاليا وبقاء المستويات السعرية مرتفعة على مدار العام الجاري والمقبل ما لم يدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود فعلي يؤدي لخفض الطلب على النفط.

ويعزز هذه التوقعات عديد من العوامل من أهمها أن أسعار الغاز العالمية تواصل تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة أدت الى أن يشهد العالم توجها متزايدا نحو استخدام النفط في توليد الطاقة وهو ما يرجح استمرار موجة الارتفاع الحالية في اسعار النفط العالمية.

وبينما قام عدد من بنوك الاستثمار العالمية بخفض توقعاتهم لأسعار النفط خلال العامين الحالي والمقبل، إلا أن التوقعات الجديدة للأسعار تظل مرتفعة، ففي استطلاع لوكالة رويترز توقع المشاركون من الخبراء والمحللين أن متوسط سعر خام غرب تكساس قد يبلغ نحو 103 دولارات للبرميل في 2022 ونحو 92 دولاراً في 2023، وهو ما يمثل زيادة عن التوقعات السابقة التي كانت عند 98 دولاراً للبرميل هذا العام و87 دولاراً للبرميل في 2023، وفي أحدث توقعاته لأسعار النفط، خفض بنك "جولدمان ساكس" تقديراته لسعر خام برنت في الربع الثالث إلى 110 دولارات للبرميل، و125 دولاراً في الربع الأخير من العام الحالي، وذلك مقارنة بتقديرات سابقة عند 140 دولاراً، و130 دولاراً على التوالي.

ومشيرة الى الإمدادات الروسية "المرنة" وفائض النفط المتوقع على المدى القريب، خفضت مؤسسة باركليز المصرفية العملاقة في المملكة المتحدة سعر خام برنت بمقدار 8 دولارات للبرميل لعامي 2022 و 2023، بينما كانت توقعاتها السابقة أن يبلغ سعر نفط برنت111 دولارًا ، وتتوقع المراجعة الحالية لباركليز تداول خام برنت عند 103 دولارات للبرميل.

ومع الضبابية والمخاوف المحيطة بآفاق نمو الاقتصاد العالمي هناك كثير من الاسباب التي تدعو منتجي النفط لنظرة حذرة بشأن مستقبل الإمدادات النفطية وضرورة تبني سياسات انتاج تحافظ على توازن السوق، وكان ذلك مبررا لقرار منظمة أوبك بلس الأخير بخفض إنتاج أعضائها من النفط بنحو 100 ألف برميل خلال اكتوبر المقبل مع قيامها بترك الاحتمالات مفتوحة أمام أي مراجعات لقراراتها وفقا لظروف السوق.

ويعتمد قرار خفض الإنتاج الأخير من قبل أوبك بلس على سيناريو وجود فائض في إمدادات سوق النفط قدره 900 ألف برميل يوميًا لهذا العام والعام المقبل.

وتسير مجموعة أوبك بلس على نفس نهج الحرص على توازن السوق النفطية الذي تتبعه منظمة أوبك، وتتبع أوبك بلس سياسة مرنة تجاه المتغيرات في الإمدادات، وأعلنت بعد اجتماعها الشهر الماضي الاتفاق على زيادة الإنتاج بـ 100 ألف برميل يومياً فقط في سبتمبر، مشيرة إلى أن نقص الاستثمارات أدى لضعف الطاقة الإنتاجية، وقد ألغت أوبك بلس هذه الزيادة في اجتماعها الأخير هذا الشهر وقررت خفض إنتاجها لدعم الأسعار في مواجهة المخاوف من حصول ركود عالمي، ومن المتوقع أن تعقد أوبك بلس محادثات جديدة قبل الاجتماع المقبل في 5 اكتوبر"للاستجابة إذا لزم الأمر لتطورات السوق".

وإضافة الى المخاوف المرتبطة بالنمو الاقتصادي العالمي والتي قد تهدد حجم الطلب العالمي على النفط يظل تراجع الاستثمارات النفطية عاملا شديد التأثير على أسواق الطاقة، وقد حذرت منظمة أوبك مؤخرا من مشكلة كبيرة ناجمة عن عدم تدفق ما يكفي من الاستثمارات إلى القطاع النفطي عالمياً، معتبرة أن نقص الطاقة الإنتاجية الاحتياطية يدق ناقوس الخطر للسنوات المقبلة، فالاستثمارات انخفضت من 600 مليار دولار سنوياً إلى 450 ملياراً، وأكدت"أوبك" أن التدخل في سوق النفط عبر التحكم في حجم الإنتاج يأتي لضمان توازن السوق وليس للتأثير في الأسعار.

وخلال العام الماضي، وبسبب شح الإمدادات وارتفاع الاسعار عادت الاستثمارات في قطاع النفط للارتفاع نسبيا لكن حجمها الحالي مازال الأقل في 5 سنوات، وتسعى كافة الدول المتقدمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لتشجيع زيادة الإنتاج وضخ استثمارات جديدة لرفع الطاقة الإنتاجية، وقد أشارت وزارة الطاقة الأمريكية الى أن إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة آخذ في الصعود، وسيواصل الارتفاع لتعويض ما يتراوح بين مليون ومليون ونصف مليون برميل من النفط يوميا تم سحبها من السوق في الولايات المتحدة عقب بدر الحرب الروسية الأوكرانية، وستكون إمدادات النفط الأمريكي الإضافية الى السوق هذا العام حوالي مليون برميل يوميًا، تأتي أولاً من الإصدار القياسي للولايات المتحدة من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الذي بدأ في مايو ويستمر ستة أشهر حتى اكتوبر المقبل.

وتستهدف إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن زيادة إنتاج النفط المحلي للمساعدة في استقرار أسعار النفط الخام والبنزين التي سجلت مستويات قياسية وأدت الى ضغوط غير مسبوقة على المستهلكين في الولايات المتحدة والقارة الاوروبية، وفي هذا السياق تواجه رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة ليز تراس عدة تحديات اقتصادية، أبرزها إيجاد حلول لأزمة الطاقة، والسيطرة على ارتفاعات التضخم وزيادات الاسعار، وقد تعهدت تراس بأنها ستطرح قريبا خطة للتعامل مع ارتفاع كلفة الكهرباء نتيجة الزيادات الضخمة في اسعار الطاقة.

من جانب آخر، تعد وكالة الطاقة الدولية من مؤيدي زيادة حجم الإمدادات لخفض الأسعار، وقد أشارت الى أن درجات الحرارة المرتفعة في الصيف وارتفاع أسعار الغاز عززا استخدام النفط في توليد الطاقة، مما زاد الطلب لكن يظل مستقبل الطلب رهنا بمواطن الضعف في الاقتصادات التي تعاني من مخاوف الركود خاصة وقد لجأت كثير من البنوك المركزية في الدول المتقدمة لرفع كبير لأسعار الفائدة المصرفية وتجاهلت التحذيرات من خطر الركود في خضم معركة غير سهلة لاحتواء التضخم وارتفاع الاسعار. ورفعت الوكالة توقعاتها للطلب على النفط في عام 2022 بمقدار 380 ألف برميل يوميا، مشيرة الى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء إلى مستويات قياسية جديدة، مما حفز التحول من الغاز إلى النفط في بعض البلدان.

كما توقعت ارتفاع الطلب على النفط في 2023 بنحو2.1 مليون برميل يوميا ليتجاوز مستويات ماقبل تفشي الوباء، وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن "هذه المكاسب الاستثنائية لاسعار الطاقة تظل رهنا بما قد ينتج عن الضعف النسبي في نمو قطاعات اقتصادية أخرى خاصة تراجع استخدام الوقود في النقل في البلدان المتقدمة واحتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي بحلول نهاية العام.

وفي مارس الماضي أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن أكبر عملية ضخ للنفط من احتياطي الطوارئ، وأقرت الوكالة سحب من احتياطي الطوارئ لدولها الاعضاء بنحو 120 مليون برميل، وهو الأكبر في تاريخها في محاولة لتعزيز الإمدادات، على ان يتم على مدار فترة ستة أشهر توفير حوالي 240 مليون برميل من مخزون النفط في حالات الطوارئ، أي ما يعادل أكثر من مليون برميل يوميا في السوق العالمية في محاولة لمواجهة الضغوط الكبيرة في أسواق النفط الناتجة عن الحرب الروسية الاوكرانية، ويعكس القرار غير المسبوق بإطلاق كل هذه المخزونات بشكل طارئ تصميم الدول الكبرى على تقليص الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت منذ اندلاع المواجهة في أوكرانيا.

من جانب آخر، ترتبط توجهات أسعار النفط بأداء قطاعات محددة، ويواجه قطاع النقل البري والجوي والبحري ضغوطا واسعة النطاق منذ تفشي الجائحة، ويعد هذا القطاع من بين اعلى مستهلكي الطاقة وبالتالي فإن تراجع نمو القطاع يعد مؤثرا على حجم الطلب على النفط، وقد أعلن الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا" تسارع وتيرة الانتعاش في رحلات السفر الجوية بالتزامن مع موسم الصيف المزدحم في نصف الكرة الشمالي. وأشار إلى ارتفاع إجمالي حركة المسافرين على مستوى العالم ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى الانتعاش في حركة السفر الدولية لكنها حتى الآن لا تمثل الا نسبة 68.7 بالمائة من مستويات ما قبل أزمة "كوفيد-19" على الرغم من تخفيف القيود المفروضة على السفر في غالبية دول آسيا بهدف تسريع وتيرة تعافي حركة السفر الدولية. كما يعاني النقل البحري من تراجع مماثل منذ تفشي الجائحة في ظل أزمة سلاسل الامدادات التي قلصت حجم الشحن على مستوى العالم.

ومع جهود متسارعة لمستهلكي النفط للسيطرة على التضخم وارتفاع اسعار الطاقة، وحرص المنتجين على اتخاذ قرارات تبقي الاسعار عند مستويات جيدة، فحتى الآن لا يبدو ان كل ذلك قادر حقا على التأثير حقا في السوق، فالتوترات السياسية ونقص الامدادات ما زالا الأشد تأثيرا، والحرب في اوكرانيا لا يبدو لها نهاية منظورة وقد تستفحل أزمة الإمدادات النفطية أكثر مع حلول فصل الشتاء، كما ان التقديرات تشير الى ان الطاقة الإنتاجية للدول الاعضاء في أوبك بلس تقل بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا عن الحصص الإنتاجية المقررة للأعضاء.