No Image
الاقتصادية

البنوك المركزية والتضخم .. حان وقت الدواء القوي

02 يوليو 2022
02 يوليو 2022

ترجمة قاسم مكي -

أخيرا اتّجهت البنوك المركزية التي تحظى أخبارها بأكبر قدر من المتابعة حول العالم إلى التصدي لارتفاع التضخم. لكن صار من الواضح هذا الشهر أن ذلك لن يكون بلا ثمن.

فمن بريطانيا حيث رفع بنك انجلترا أسعار الفائدة للمرة الخامسة خلال خمس اجتماعات وإلى سويسرا التي فعلت ذلك لأول مرة منذ عام 2007 يغلق واضعو السياسات صنابير التحفيزات في كل اقتصاد كبير تقريبا. فعلوا ذلك فزعا من التضخم الذي اعتبره العديدون في البداية ظاهرة عابرة.

مقايضات مربكة

لكن بالنسبة للبنكين الكبيرين خصوصا (بنك الاحتياط الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي) يفرض عليهما الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة مقايضات مربكة. بالنسبة لبنك الاحتياط تتمثل هذه المقايضة في التوظيف الذي قد يتضرر مع سعي البنك إلى تبنّي سياسة نقدية هي الأكثر تشددا منذ الثمانينيات.

في الأثناء سارع البنك المركزي الأوروبي إلى عقد اجتماع هذا الشهر. وذكر أنه سيسرَّع العمل على إعداد خطة جديدة لتجنب تفاوت أثر تشديد السياسة النقدية في منطقة اليورو (مخاطر ارتفاع الفروقات في تكلفة الاقتراض بين الدول الأعضاء -المترجم). وهذا إقرار باحتمال دخول جنوب أوروبا وإيطاليا خصوصا في أزمة.

لدى معظم البنوك المركزية في البلدان المتقدمة تفويض بالحفاظ على التضخم عند معدل يقل عن 2%. لكن ذلك استحال بسبب تصاعد طلب المستهلكين ومشاكل سلاسل الإمداد بعد إنهاء إغلاقات كوفيد إلى جانب دوامة ارتفاع أسعار الطاقة بعد غزو روسيا لأوكرانيا.

في البداية اعتبر واضعو السياسات قفزات التضخم مؤقتة وزائلة. لكن الآن التضخم في الولايات المتحدة عند معدل سنوي يبلغ 8.6% وهو الأسرع خلال أكثر من 40 عاما. أما في منطقة اليورو فقد وصل إلى 8.1% وفي بريطانيا 7.8%. فالبنوك المركزية مضطرة إلى اتخاذ إجراءات نقدية أكثر صرامة.

يعتقد المستثمرون وخبراء الاقتصاد أن واضعي السياسات سيصارعون لتجنّب فرض أوضاع قاسية من ارتفاعٍ في معدل البطالة إلى ركود الاقتصاد.

بنك الاحتياط الفدرالي

صعَّد البنك المركزي الأمريكي هذا الشهر تعامله مع التضخم بطريقة مثيرة. لقد ظل يرفع معدل الفائدة منذ مارس. لكنه يوم الأربعاء 15 يونيو اتخذ قرارا برفع سعر الفائدة بنسبة 0.75% وذلك لأول مرة منذ عام 1994. كما أعد المسرح أيضا لتطبيق سياسة نقدية أكثر تشددا بدون تأخير. ويتوقع المسؤولون ارتفاع أسعار الفائدة إلى 3.8% في عام 2023 وإضافة معظم الزيادات خلال هذا العام. وتتراوح أسعارها الآن بين 1.5% و1.75%.

يعلم بنك الاحتياط أن رفع سعر الفائدة قد يؤلم تأسيسا على البيان الذي رافق قراره برفعها. في الشهر الماضي فقط عبَّر البنك عن اعتقاده بتراجع التضخم مع تشديد سياسته النقدية إلى المعدل المستهدف وهو 2% وأن أوضاع سوق العمل "ستظل متينة". لكنه هذه المرة حذف السطر الذي يتحدث عن الوظائف مؤكدا بدلا عن ذلك على تعهده بتحقيق النجاح على صعيد التضخم.

هذا شيء مهم لأولئك الذين يستنبطون ما قد يُقدِم عليه بنك الاحتياط من معطيات الحاضر. يقول تيم زوي كبير خبراء الاقتصاد الأمريكي بشركة إس جي إتش ماركو آدفايزرز أن البنك لم يذكر ذلك دون قصد. يشرح ذلك بقوله "البنك يعلم أنه لم يعد ممكنا في الأجل القصير ضمان استقرار الأسعار وأقصى قدرٍ من التوظيف في ذات الوقت".

احتمال الانكماش في الولايات المتحدة وسواها من البلدان جعل الأسواق المالية تهبط بسرعة وفي حِدَّة. فالأسهم الأمريكية سجلت أسوأ بداية لها في أي عام منذ ستينيات القرن الماضي. لقد تسارعت تراجعاتها منذ آخر تصريحات أدلى بها البنك المركزي. في الأثناء تتقلب السندات الحكومية بشدة بفعل مخاوف الانكماش من جهة وارتفاع أسعار الفائدة المعياري من جهة أخرى.

تقول كارين وارد كبيرة خبراء استراتيجية أوروبا بإدارة الأصول في جيه بي مورجان "الخشية الكبرى ألا يكون في مقدور البنوك المركزية الاهتمام بالنمو الاقتصادي لأن خفض التضخم سيكون صعبا". وتضيف قائلة ذلك هو السبب في وجود "هذا البحر من الإشارات الحمراء في الأسواق".

من الوهلة الأولى قد تبدو المخاوف من انكماش اقتصاد الولايات المتحدة في غير محلها. فالاقتصاد عاد بقوة من إغلاقات كوفيد. وسوق العمل في وضع متين مع طلبٍ نشط على العاملين الجدد تضاف إليه شهريا أعداد مقدرة من الوظائف. فقد تم إيجاد حوالي 400 ألف وظيفة جديدة في شهر مايو فقط. ومعدل البطالة الآن يتراوح عند معدل تاريخي في انخفاضه إذ بلغ 3.6%.

لكن التضخم المحتدم يعرِّض هذه المكاسب للخطر، حسب تحذيرات خبراء الاقتصاد. فمع رفع بنك الاحتياط معدل الفائدة المعياري (المعدل المرجعي الذي تقاس عليه أسعار الفائدة الأخرى في الاقتصاد - المترجم) يصبح الاقتراض أكثر تكلفة للمستهلكين والشركات مما يقلص الطلب على المشتريات الكبيرة مثل المنازل والسيارات ويجبر الشركات على تقليص خطط التوسع أو الاستثمارات التي توجد الوظائف.

يقول فينسنت راينهارت الذي خدم في البنك المركزي الأمريكي لأكثر من عشرين عاما وهو الآن كبير الاقتصاديين بوحدتي دريفوس وميلون في شركة إدارة الاستثمار بي إن وأي ميلون "ليست لدينا سابقة تاريخية يرفع فيها بنك الاحتياط الفدرالي سعر الفائدة بهذا القدر دون أن يحدث انكماش اقتصادي".

من جانبه يقول بنك الاحتياط إن الانكماش الحاد في النشاط الاقتصادي ليس حتميا. لكن يبدو أن الاطمئنان إلى ذلك ينحسر. وفي حين قال جيروم باول رئيس البنك هذا الشهر إن البنك لا يحاول الحفز على انكماش الاقتصاد أقرَّ بتزايد صعوبة تحقيق ما يسمَّى "هبوطا ناعما". فقد قال يوم الأربعاء 14 يونيو "لن يكون ذلك يسيرا. سيعتمد إلى حد ما على عوامل لا نسيطر عليها".

هذا الموقف الأكثر تشاؤما وتشدد بنك الاحتياط تجاه ارتفاع الأسعار دفعا العديد من خبراء الاقتصاد إلى التمسك بتوقعات تراجع النمو الاقتصادي. وهو، حسبما يقول ستيفن بليتز كبير خبراء اقتصاد الولايات المتحدة بشركة تي إس لومبارد، نتيجة لبطء البنك المركزي العام الماضي في التعامل مع مشكلة التضخم المتصاعدة. ويتوقع معظم المسؤولين الآن بعض التخفيضات في سعر الفائدة في عام 2024.

يقول بليتز إنه بسبب إدارة السياسة النقدية التي تفتقر إلى المهارة في العام الماضي من جانب مسؤولي البنك وإيمانهم بعالم خيالي بدلا عن النظر فيما يحدث في الواقع، وضعوا اقتصاد وأسواق الولايات المتحدة في هذا الموقف الذي يجب عليهم إنهاؤه الآن". ويضيف "لقد كانوا مخطئين وسيتوجب على الاقتصاد الأمريكي دفع الثمن".

البنك المركزي الأوروبي

يواجه البنك المركزي الأوروبي تحديا وجوديا أشدَّ. لقد دعا هذا الشهر إلى اجتماع طارئ قبل أيام فقط من إعلان رئيسته كريستين لاجارد عن خطة لرفع معدلات الفائدة ووقف شراء المزيد من السندات في يوليو.

تلك الخطة معقولة في سياق التضخم القياسي. لكن ترتب عنها أثر غير مريح على السندات الحكومية التي أصدرتها إيطاليا وهي تاريخيا بلد مقترض ومنفق كبير. فعائد سندات إيطاليا لأجل 10 سنوات ارتفع لأعلى معدل له خلال 8 سنوات فوق 4%. وبلغت الفجوة بينه وبين عائد سندات ألمانيا 2.5% وهذا أعلى مستوى لها منذ تفشي الجائحة قبل عامين.

هذا الضغط الاستثنائي على سندات البلدان الأعضاء في الاتحاد يجعل من الصعب على البنك تطبيق السياسة النقدية بطريقة متساوية في كل بلدان دول اليورو (19 بلدا). وهذا ما قد يقود إلى خطر التفاوت في تكلفة الاقتراض بين بلدان اليورو والذي سبق أن تعاظم قبل عقد إبان أزمة الديون. في مواجهة مؤشرات مبكرة باحتمال تكرار الأزمة شعر البنك بوجوب التحرك.

استبعد اجنازيو فيسكو محافظ البنك المركزي الإيطالي هذا الشهر أن يعني الاجتماع الطارئ للبنك المركزي الأوروبي وجود حالة من الذعر. لكنه قال أيضا إن أية زيادة في عائدات السندات الإيطالية تزيد على 2% على العائدات الألمانية "توجد مشكلة بالغة الخطورة" على انسياب السياسة النقدية إلى النشاط الاقتصادي والتضخم.

كانت نتيجة الاجتماع التزاما بتسريع العمل على إعداد أداة جديدة ضد التفاوت في تكلفة الإقراض بين بلدان اليورو لكن بقدر ضئيل من التفاصيل حول الكيفية التي يمكن أن تعمل بها هذه الأداة وفي الوقت ذاته إعادة استثمار السندات المستحقة بمرونة لتهدئة التوتر في سوق السندات.

يعتقد البعض أن هذا ليس كافيا. من المؤكد أن البنك المركزي الأوروبي لم يكرر النهج الذي اتبعه ماريو دراجي الذي سبق لاجارد في تولي رئاسة البنك ورئيس الوزراء الإيطالي الحالي. لقد اشتهر عن دراجي تغييره مسار أزمة ديون منطقة اليورو في صيف 2012 وذلك حين قال ببساطة إن البنك المركزي سيفعل "كل ما يلزم" لإنقاذ اليورو.

في الوقت الحاضر أوقف البنك المركزي الأوروبي التهاوي في السندات الإيطالية مثبِّتا عائدات السند لأجل 10 سنوات عند نحو 3.6% مع فارق في العائد بنسبة 1.9%. لكن المستثمرين يرغبون بشدة في معرفة تفاصيل أداته الجديدة.

يقول أحد كبار المتداولين في السندات بلندن "كل ما فعله البنك المركزي الأوروبي (هذا الشهر) إبداء أنه يراقب الوضع. فهو ليست لديه القيادة التي على استعداد أو قادرة على فعل ما فعله دراجي. في نهاية المطاف ستختبر السوقُ البنك".

باستحداث أداة جديدة لشراء السندات يأمل البنك المركزي الأوروبي في أن يكون قادرا على الحيلولة دون ارتفاع تكاليف الاقتراض للبلدان الأضعف في منطقة اليورو وفي الوقت ذاته رفع معدلات الفائدة بما يكفي لخفض التضخم.

في العادة لا يحب المتشددون من المسؤولين عن تقرير أسعار الفائدة في البنك شراءَ السندات. لكنهم يؤيدون فكرة الأداة الجديدة اعتقادا منهم أنها ستمهد الطريق لزيادة معدلات الفائدة بصرامة أشد.

زاد محللو مصرف دويتشه بانك الألماني النِّسَب التي يتوقعونها لرفع سعر فائدة البنك المركزي الأوروبي هذا العام بعد اجتماعه الأخير. ويعتقدون أنه قد يرفع معدل فائدة الإيداع من ناقص 0.5% إلى 1.25% بحلول شهر ديسمبر.

يقول جيمس آثي أحد مديري محفظة السندات بشركة أبردن "سترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة حتى ينقصم ظهرُ شيء ما... لا أعتقد أنها مقتنعة بأن أي شيء من هذا القبيل قد حدث حتى الآن".

ويستطرد قائلا لقد تهاوت أسعار الأصول المالية لكن من مستوى مرتفع تاريخيا، وواضعو السياسات الذين كانوا في الماضي حريصين على الإبقاء على ضعف عملاتهم (وهذا في مصلحة الصادرات) يرفعون الآن أسعار الفائدة لأسباب من بينها دعم هذه العملات لِصَدِّ الضغوطات التضخمية.

ويشير إلى أن البنك الوطني السويسري مثال على ذلك. "فكل ما فعله مسؤولوه على مدى عقدٍ هو طباعة الفرنك بدون توقف لإضعافه. لقد كان ذلك تحولا كاملا لموقفهم".

بنك اليابان

المفاجأة السويسرية تترك اليابان "ممانعة" لوحدها في مواجهة مَدِّ ارتفاعِ أسعار الفائدة. فبنك اليابان تشبث هذا الشهر بسعر الفائدة السلبي وتعهد بتثبيت تكاليف الاقتراض الحكومي لمدة 10 سنوات عند مستوى يقرب من الصفر.

يمكن لبنك اليابان المراهنة على أن النَّوبة الحالية للتضخم "عابرة" وهذه كلمة تخلت عنها البنوك المركزية منذ فترة طويلة في بلدان العالم المتقدم الأخرى. على البنك المراهنة على ذلك لعدم وجود مؤشر يذكر على أن صدمة السلع تُخرِج اليابان من بطء ارتفاع الأسعار في الاقتصاد الأوسع نطاقا والذي طال به الأمد. فتضخم أسعار المستهلك في اليابان يتراوح عند نحو 2%. وهو بشكل عام ضمن النطاق المستهدف.

مع ذلك اشتد الضغط من الأسواق. لقد اضطر البنك المركزي الياباني إلى زيادة مشترياته من السندات فيما تقلل البنوك المركزية الأخرى من طباعة النقود للحيلولة دون ارتفاع عائدات السندات بسبب عمليات البيع الكبيرة في الأسواق العالمية. في الوقت ذاته أدت الفجوة المتزايدة في سعر الفائدة بين اليابان وباقي البلدان إلى تراجع الين لأدنى معدل له خلال 24 عاما مقابل الدولار مما أثار القلق في الدوائر السياسية في طوكيو.

يتوقع جيمس آثي أن يعاني الناس من ارتفاعات سعر الفائدة حول العالم. يقول "عندما ترتفع أسعار الضروريات التي يحتاجها كل أحد لكي يعيش كالغذاء والطاقة والمأوى. ثم ترفع أسعار الفائدة!! هذا ضرب بمطرقة اقتصادية ثقيلة".