ترامب يحطم وهم الغرب

14 يونيو 2026
14 يونيو 2026

ترجمة: أحمد شافعي -

ظهر على غير المنتظر شيء ما في قواعد السياسة الخارجية الأمريكية. ففي رئاسة الرئيس دونالد ترامب الثانية، انزاحت لغة الاستراتيجية فاسحة المجال للغة الحضارة البارزة، فشهدنا تحذيرات «المحو الحضاري» في أوروبا، وإشارات إلى تعرض التراث «اليهومسيحي» للحصار، وتهديدات بتدمير الحضارة الإيرانية.

وليس هذا بخطاب عارض، ولكنه ينم عن تحول مقصود إلى ما قد يطلق عليه الحضارية الإمبريالية، أي استعمال الهوية الحضارية بوصفها أداة لسياسة خارجية شعبوية عدوانية.

لقد أصبح مفهوم «دولة الحضارة» من الأدوات الخطابية التي تتسم بها حقبة القادة الشعبويين التي نعيش فيها. ففي العقد الماضي، لجأ القادة في الصين والهند وروسيا وتركيا وغيرها إلى الهوية الحضارية لإقامة تماسك وطني، وتأكيد التميز الثقافي، وتبرير كل من السلطة الداخلية وطموح السياسة الخارجية.

يثير الرئيس شي جينبنج فكرة مفادها بأن الصين هي أقدم حضارة مستمرة في العالم؛ ففي زيارة إلى «المدينة المحرمة» أقدم القصور الإمبراطورية التاريخية ويقع في بكين سنة 2007 قال شي لترامب إنه برغم أن «مصر أقدم قليلا» فالصين هي «الحضارة الوحيدة المستمرة» منذ ذلك العصر.

ويعتمد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على إحياء الحضارة الهندوسية. ويروج الرئيس فلاديمير بوتين هوية أوروآسيوية-روسية الضاربة جذورها في المسيحية الأرثوذكسية.

ويستعيد رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوجان التراث العثماني والإسلامي. وهكذا ينتقي كل قائد من أرشيف تاريخي حافل بالتناقضات الداخلية ما ينتج أسطورة سياسية قابلة للاستعمال في الحشد وقائمة على الاستمرارية الحضارية.

وانضم ترامب إلى الركب قلبا وقالبا، لكن نسخة ترامب تختلف من أوجه ذات شأن. ففي حين أن الآخرين يؤكدون التميز عن الغرب، يزعم ترامب أنه يدافع عنه؛ إذ أثار ـ في خطبة له سنة 2017 في وارسو ـ ما أطلق عليه «سؤال عصرنا الأساسي» وهو ما لو أن «لدى الغرب إرادة للبقاء».

وحذرت استراتيجية الأمن الوطني التي أعلنتها إدارته سنة 2025 من «محو حضاري» في أوروبا بسبب الهجرة وانطماس الهويات الوطنية وتنبأت بأن أوروبا ستتغير «في غضون عشرين عاما فلا يعرف أحد ملامحها».

قدم نائب الرئيس جيه دي فانس هذه الحجة في نسخة أعنف خلال مؤتمر ميونخ للأمن سنة 2025؛ إذ حذر من أعظم خطر يحدق بالحضارة الغربية «آت من الداخل»، أي من التسامح الأوروبي مع الهجرة، والتراجع عن الأصولية الدينية، والمحاذير المفروضة على حرية التعبير، ثم تكلم لاحقا بوضوح عن «انتحار حضاري» أوروبي.

قد يذهب البعض إلى أن الولايات المتحدة في ظل ترامب تفتقر إلى مقومات فئة «دولة الحضارة» بمثل ما تلائمها الصين والهند وروسيا. فهذه الأمثلة تستند إلى مزاعم استمرارية حضارية قديمة سابقة على الحداثة، فثمة عمق حضاري سابق على الدولة القومية نفسها ومجاوز لها. في حين أن هوية الولايات المتحدة ـ على النقيض من ذلك ـ تأسست على مفهوم استثنائية الدولة القومية، والليبرالية المطلقة، والأسس المدنية لا العرقية أو الحضارية، مع سجل في استيعاب اللاجئين بانفتاح يتجاوز الدول الاستيطانية الغربية الأخرى.

ولكن حضارية ترامب أهم، وليس أهون أسباب ذلك أنها مدعومة بقوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية لم تتجاوزها إلى اليوم أمة أخرى. فهي ليست محض قومية دفاعية تتخفى في لغة حضارية.

إنما هي تذكرنا من بعض الأوجه بروما القديمة؛ فقد كانت روما بحق «دولة حضارة» من نوع ما في عصرها الإمبريالي: أي كيانا سياسيا يرى نفسه حاملا لحضارة أرقى وله في التوسع مبرر حضاري.

ولقد شاعت المقارنات الحديثة بين الولايات المتحدة وروما منذ أمد بعيد في الخطابين الشعبوي والأكاديمي.

ويتصل خطاب ترامب بالنمط الروماني المتأخر أكثر من المتقدم، أي الحضارة التي تؤكد استثنائيتها بشكل دفاعي، منطلقة من تصور التراجع لا الصعود الواثق.

والموازاة كاشفة ومزعجة معا: فبعض أصخب تأكيدات الشرعية الحضارية في كل من روما الإمبريالية والجمهورية تمت خلال فترة صراع وانحدار، حينما لجأت النخبة الحاكمة إلى الخطاب الحضاري الشعبوي تشبثا بالسلطة. في عام 284 للميلاد على سبيل المثال اعتلى الإمبراطور دقلديانوس مكانة الدكتاتور المفوض إلهيا، بل لقد فرض على المسؤولين السجود بين يديه. فكان تمجيد الحضارة بطقوسها ومظاهرها لازما من أجل تمجيد الحاكم.

لكن النقطة الأعمق هي أن جميع مزاعم دولة الحضارة ـ في الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا ـ أساطير بالمعنى التحليلي: فهي مؤسسة سياسيا، وانتقائية تاريخيا، ومتناقضة داخليا. والحضارات بطبيعتها تعددية، هجينية، تنافسية؛ فما من حضارة قائمة تتسم بالنقاء العرقي أو الثقافي؛ إذ امتصت الحضارة الصينية التأثيرات البوذية والمغولية والمنشورية، ومزجت الحضارة الهندية عناصر أستروآسيوية وهارابانية (من وادي السند) وجينية وبوذية وهندو-أوروبية وفارسية وإسلامية، لتكون طبقات لا تتناغم في بعض الأحيان مع السردية الهندوسية الموحدة.

والحضارة الروسية تقوم على خيوط تترية وبيزنطية وأوروبية. والزعم بهوية حضارية أحادية يمكن الدفاع عنها في كل من هذه الحالات يمثل أداة للسلطة أكثر مما هو وصف لواقع.

ما يشترك فيه ترامب ومودي وشي وبوتين وإردوجان ليس إرثا حضاريا حقيقيا، وإنما هو منطق سياسي مشترك: حشد الهوية الثقافية لصرف الانتباه عن القصور المؤسسي، ولترسيخ السلطة المحلية، ولتأكيد التميز في عالم متعدد الأقطاب؛ حيث لم تعد اليقينات الأيديولوجية المعهودة في زمن الحرب الباردة هي التي تنظم المنافسة الدولية.

المفارقة الأعمق الكامنة في قلب حضارية ترامب هي زعم الدفاع عن الحضارة الغربية مع أنه فعل أكثر مما فعل أي خصم خارجي من أجل تمزيق التحالف الغربي. والدافع إلى هذا الانقسام ليس اختلافا في السياسة فقط ولكنه أيضا استفزاز حضاري؛ فحينما قال فانس للقادة الأوروبيين: إن أكبر خطر عليهم داخلي ـ يتمثل في التزاماتهم الثقافية والإنسانية ـ لم يكن يفاوض حلفاء بل كان يوبخهم بسبب قصورهم الحضاري.

وهذا هو الوجه المقلوب للحضارية الترامبية؛ فهي تزعم أنها تناصر «الغرب»، لكنها تعرِّفه بشكل ضيق وعدواني لا ينطبق تقريبا على أي أمة غربية.

«الغرب» مثلما يوظفه ترامب وفانس ليس المجتمع العابر للأطلنطي المؤلف من بلاد ديمقراطية، لكنه تشكيل ثقافي قومي شعبوي ـ مسيحي محدد عرقيا مرتاب في التعددية ـ يستبعد من المؤسسات والقيم (التزامات الدفاع المشترك في الناتو، والبنية التعددية في الاتحاد الأوروبي، وحقوق الإنسان المطلقة) ما أعطى للغرب فيما بعد الحرب مضمونه من الناحية العملياتية.

لم تتضح حضارية ترامب في حدث مثلما اتضحت في الهجوم العسكري على إيران؛ فقد وضع وزير الدفاع الأمريكي بيتر هيجسيث العملية في إطار مصطلحات لاهوتية صريحة مستدعيا «خطا مباشرا يمتد من الأناجيل المسيحية في العهدين القديم والجديد إلى تطور الحضارة الغربية».

وهدد ترامب بتدمير «حضارة كاملة» وإرجاع إيران إلى «العصور الحجرية»، وهذا هو التعبير الأكثر تطرفا للخطاب الحضاري في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.

وكان الرد الأوروبي صادما؛ فمنعت فرنسا الطائرات الإسرائيلية من نقل الأسلحة عبر مجالها الجوي خلال حرب إيران. ورفضت إيطاليا أن تعطي الإذن في اللحظة الأخيرة للقاذفات الأمريكية بالهبوط في صقلية. وأنكرت إسبانيا على الولايات المتحدة استعمال قواعدها ومجالها الجوي. وأشارت زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كراني الرسمية في يناير إلى بكين ـ بعد سنين من تجميد العلاقات الصينية الكندية ـ إلى أن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين لن يستمروا في إخضاع مصالحهم لمطالب واشنطن.

وثمة مفارقة أكبر في إطار إدارة ترامب الحضاري لهجمتها على إيران؛ فالإدارة تنتهك كل شروط مبدأ «الحرب العادلة» المسيحي مثلما حددها البابا ليو بنفسه في وضوح! فلم يكن للحرب «سبب عادل»، ولم يكن من خطر إيراني وشيك على القوات الأمريكية، والصراع لم يستوف مبدأ «الملاذ الأخير» بما أن المفاوضات كانت جارية. فضلا عن أن الهدف المعلن وهو تغيير النظام والتدمير الحضاري هدف لا يمكن التوفيق بينه وبين «التناسب» أو هدف استعادة السلام.

وفقا للمعيار اللاهوتي الذي وضعه هيجسيث نفسه، لا تجتاز الهجمة على إيران اختبار الحضارة التي يزعم أنه يدافع عنها؛ فاللغة الحضارية لا تمثل إطارا معنويا، وإنما هي بديل له؛ فهي طريقة للارتقاء بحرب اختيارية إلى حرب صليبية للتعمية على غياب التبرير الشرعي وإخفائه تحت مظلة صراع تاريخي عظيم.

والعاقبة الأهم لحضارية ترامب الإمبريالية هي زيادة التعقيد التعددي في النظام العالمي؛ فالأمر ليس تعددية قطبية وسط حفنة من القوى العظمى، ولكنه تشكيل أشد تعقيدا تتولى فيه القوى المتوسطة والمنظمات الإقليمية والفاعلون غير الدولتين أدوارا مؤثرة في مجالات مختلفة.

ولو أن لهذا كله جانبا إيجابيا فلعله يتمثل في نهاية انقسام «الغرب في مواجهة الباقين»؛ فأفكارنا المتعلقة بـ«الغرب» و«الباقين» مخترعة حديثا، وتعكس انقساما مصطنعا تسبب في الكثير من انعدام الثقة والصراع، وإنهاء هذا الانقسام يعني تعاونا يتجاوزه.

وهذا ما يتحقق بالفعل؛ فاتفاقية التبادل التجاري بين الاتحاد الاوروبي والهند ـ التي وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنها «أُم جميع الاتفاقات التجارية» ـ تتجاوز انقسام الغرب والباقين.

كما أن الهند توسع علاقاتها التجارية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا، واليابان، والمملكة المتحدة. وأنشأت الاتفاقية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور سوقا من سبعمائة مليون نسمة دونما مشاركة من الولايات المتحدة. وتضم الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة في آسيا والمحيط الهادئ حلفاء للولايات المتحدة ـ من قبيل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ـ بدون الولايات المتحدة. واليوان يكتسب زخما باعتباره عملة لتسوية صفقات الطاقة، حيث وصف بنك دويتشه الصراع الإيراني بأنه «محفز محتمل لتآكل هيمنة البترودولار».

هذا التكوينات ليست مناهضة لأمريكا ووليدة كراهية غريزية لدولة الولايات المتحدة، ولكنها تمثل ما سبق أن أطلقت عليه تعاون «العالم إلا دولة»، وهو عمل تعددي مؤثر يمضي قدما برغم غياب قوة واحدة مع ترك الباب مفتوحا لمشاركة الولايات المتحدة في المستقبل.

أميتاف أشريا أستاذ متميز في مدرسة الخدمات الدولية بالجامعة الأمريكية.

الترجمة عن فورين بوليسي