حلواني فلسطيني يجهز صينية من الحلويات الشامية.            «أ.ف.ب»
حلواني فلسطيني يجهز صينية من الحلويات الشامية. «أ.ف.ب»
منوعات

فلسطين في العيد.. فرح البقاء

22 أبريل 2023
22 أبريل 2023

في الأيام الأخيرة قبل العيد، تنتقل الصين إلى بلادنا، خصوصا في الشوارع والأرصفة والمحلات، لا ترى إلا "بسطات"، وتدافع الأسر، خاصة النساء الأمهات مع أطفالهن لإسعادهم بملابس العيد والألعاب، ليعودوا مرهقين من التسوق، ولينام الأطفال منتظرين العيد على أحرّ من الجمر؛ فما أن تبدأ تكبيرات العيد، حتى يطير النوم من عيون الأطفال، ليملأوا الطرقات أملا وجمالا.

فلسطين في العيد أو هو فيها؛ فثمة تجليات للمكان الخاص في الزمان، وثمة زمان منتظم بأزمنة مرّت هنا، فيصير للزمان والمكان طعوم وروائح وملامس وبصر، وصوت، وشعور روحي.

والعيد هنا ألوان، كما الأرض، وفسيفسائية طبقاتها الحضارية، التي ما زلت تحضر أزمانها، حتى ولو درست الآثار؛ ذلك أن الأعياد الفلسطينية منذ ولد كنعان، وما قبله، إنما كانت إيذانا بالمواسم؛ في بداياتها وخواتيمها، والربيع موسم المواسم، مع بدء أوائل ثمر الأرض من خلال الورق الأخضر.

عصيّ تاريخ المكان؛ لذلك ما إن يبدأ الفلسطينيون، أحفاد كنعان، بالتحضير للعيد، حتى يجلبون بشكل خاص عادات الطعام والتزيين، والذي يعلنها الأطفال بأغان:

بكرة العيد وبنعيد وبنذبح بقرة السيد

والسيد ماله بقره نذبح بنته هالشقرا

والشقرا ما فيها دم بنذبح من بنات العم

تلك ما تبقى من بداية طقوس العيد التي بدأت تتغير في فلسطين منذ 75 عاما، هو عمر الاستلاب، والذي لم ينف الاحتلال أهله عنه، بل ثمة استشراس لنفي المكان عنا، لذلك، فإن فلسطين، من خلال العيد، كيوم مشهور في العام، نزفت الكثير من خصوصياتها التراثية، حين تم ضرب حواضرها العظيمة في يافا وحيفا وعكا، واللد والرملة. ثم ليتعمق النزيف إثر ضياع ما تبقى من فلسطين.

يوم فرح هو العيد، لكن للأطفال، لكن ما إن يكبروا قليلا، حتى تبدأ فرحة اليوم بالتناقص؛ فهناك من يسطو على المكان والزمان، وعلى المشاعر الإنسانية.

لكن المكان العريق يكابر وينتصر على الغزاة الجدد، فتأبى الحضارة، إلا أن تستمر بالحضور؛ فخلال الإعداد للعيد، والبدء به، نحن إزاء ما تراكم من تعدديات عادات الاحتفال، وصولا للعيد الإسلامي، المرتبط بآخر الرسالات السماوية، والتي ظهرت هنا، لتكتمل روحيا بالإسراء من مكة إلى القدس، بوابة الرسول الكريم إلى السماء.

وهنا على خطى الأنبياء جميعا، يتجمع أطفال القدس وفتيانها وشبابها لتزيين المكان، فنصاب بسحر الفرح، وتضيء ابتسامات المقدسيين فضاء المدينة، باب العامود تحديدا، رسالة بقاء، ورسالة حب للأمة الإسلامية التي تنتمي لنا هنا أيضا.

لا أعرف متى تم إعداد تلال الحلويات هنا في البلدة القديمة، أطنان منها تعدّ وتستهلك، والغريب أن حلوى البقلاوة، رغم انتشار حلويات أخرى، ما زال لها سبق السيادة والبقاء؛ فلا عيد هنا بدون البقلاوة.

عند تأمل ما يسمى بقصبة المدن، كمراكز تاريخية، نجد بصمات الأيوبيين والمماليك، والفاطميين والأتراك العثمانيين، بل وبصمات الحكم المصري الحديث لفلسطين في القرن التاسع عشر، فلم تكن ممالك وإمارات لتأتي إلى فلسطين، دون أن تهدينا زخرفات معمارية في البناء والطعام والشراب، ويتجلى ذلك بشكل خاص في رمضان ثم العيد.

فما أن تطأ قدماك مدينة نابلس، حتى تشعر فعليا أنك في حاضرة عربية وإسلامية، حيث يصرّ أهل المدينة على الاحتفال، كأن ذلك إثبات للذات، فتكاد تكبيرات النوابلسة الصادحة بين عيبال وجرزيم، تعانق تكبيرات الخلايلة في خليل الرحمن، ليضج منه الغزاة الذين يسطون على أكثر من ثلثي الحرم الإبراهيم، لكنهم مضطرون للانسحاب منه يوم العيد، مع هذا التدفق العربي الإسلامي.

في ليلة العيد، في البلدة القديمة بنابلس، حيث الحمامات القديمة، تنتشر صوان الطعام اللذيذ، التي يتناولها من انتهوا من "حمامهم"، يزين ذلك عصير البرتقال، أما النارجيلة فيضفي صوتها حنينا إلى الماضي.

تنشغل النساء عادة هنا، بصنع الكعك بشكل خاص، وهو بالعجوة، وأجمله من يصنع بالجوز، لذلك تسلمك المدينة إلى المدينة، والقرية إلى جارتها، منتشيا بروائح الطعام، فتشعر أنك الآن في أيام العيد، فتبتسم، متذكرا ما كان، ولربما تنبع دمعة تذكرا للأعزاء والعزيزات، تمسحها برفق ضحكات الأطفال في الساحات.

لعل أكثر مظاهر العيد هو الطعام، فمع تكبيرات الليل والصباح، تكون العائلات الفلسطينية قد جهزت مكونات "المنسف"، وهو طعام يتم طهي اللحم بلبن الجميد. وللمنسف تاريخ عريق يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، حيث يقال إنه في عهد الملك المؤابي ميشع، نشأت تلك الأكلة الشعبية لتعبر عن الصراع العربي اليهودي في لحظة تاريخية، ذلك أن اليهودية تحرم طهي "الجدي بلبن امه". وكانت عقيدة بني إسرائيل تُحرم طهو اللحم باللبن، وأراد الملك ميشع التأكد من إخلاص شعبه، فأمرهم بطهو اللحم باللبن، وفي ذلك نسف لعقيدة بني إسرائيل، ومن هنا جاءت تسمية "المنسف". وهناك من يرجع ذلك إلى عصور أقدم. ومنسف العيد الفلسطيني، له مذاق خاص وشكل خاص ولهفة خاصة.

خروج الناس إلى المساجد بألقهم، وتفاؤلهم، يحملون الأمل، يلقون بالهموم والمعاناة جانبا، يتقوى الكبار بالصغار، بأن الحياة تستمر، يندمج المصلون في موسيقى الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

بعد انتهاء الصلاة ثمة حرص دائم في زيارة الموتى، بشكل جماعي وفردي، لقراءة الفاتحة، فكأن العيد لا يكتمل بدون وجود الأحباء الذين مضوا.

يطوف الرجال صباحا على أرحامهم وجيرانهم للزيارة و"العيدية"، يصطحبون الأطفال، فتظهر الطرقات حيوية ومبتسمة. على الموائد حلويات الكعك التي تتنافس الفلسطينيات في إعداده، وتحضر القهوة، كما تحضر فواكه الموسم، خاصة في موائد القرويين.

أما عصرا، فيمكث الرجال في البيوت، لتطوف النساء على القريبات والجارات، حيث تم تقريبا تقسيم الفضاء الزمني بين الجنسين، خاصة في القرى والمخيمات.

قبل بضعة عقود، كانت المساجد تفوح بعطر الكولونيا، حينما كنا أطفالا، الآن تغيرت العطور، تغيرت الأحوال، والروائح، لكن بالطبع ظلت للعيد بهجته.

ولعل العيد في القرى يأخذ شكلا خاصا، كون القرويين يعرفون بعضهم أكثر، ولا أدري هل أضفى الصراع مع الاحتلال أثرا على العيد هنا؛ فما زال الأطفال الفلسطينيون يفضلون هدايا البنادق والمسدسات أكانت تطلق الخرز أو الماء أو الأصوات، تحيل الفضاء إلى جبهة حربية. لكن براءة الأطفال، ما إن يكبروا تبدأ في تحولات الانتقال من التمثيل إلى الفعل؛ فلم يكن ليمر العيد في البلدة القديمة في نابلس ومخيم جنين دون حزن عميق على الشهداء.

بالنسبة لجيلنا، لم نكن نعرف ماذا حدث من حرب عام 1967؛ لذلك بالرغم من فرحنا بقدوم العيد ولبس الجديد، إن توفّر، فلم نفسّر حزن الكبار، على ما حصل لفلسطين، ولم نكن ندري لما تتكرر عبارة "لمّ الشمل"، حيث كان ما يقارب نصف الفلسطينيين قد عبروا النهر شرقا إلى الشتات مرة أخرى.

العيد في فلسطين، وفلسطين في العيد، هما هذا التاريخ الطويل، والقريب بشكل خاص، حيث يصعب الفكاك من أسر الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، والذي بالرغم من أي شعور، إلا أننا نشهد سنويا إعلان الفرح عبر احتفالات، يشارك فيها الجميع؛ فتجد مثلا كشافات الأديرة المسيحية تقود المسيرات الكشفية في رام الله وبيت لحم بيت ساحور ويافا، جنبا إلى جنب مع النوادي الإسلامية، تعبيرا عن تعددية فسيفسائية قلّ نظيرها.

فلسطين العربية الإسلامية والمسيحية هنا، تتجلى بالعيد، ففي ظل تشابه الحواضر العربية والإسلامية بهكذا احتفالات، من خلال ما ارتبطت به من ثقافات وعادات، فإن لها خصوصيات كأي بلد، فهي مرتبطة بالشام ومصر ثقافيا، لذلك من السهل قراءة التاريخ العربي الشامي المندمج بالمصري، لذلك فإن المتجول في نابلس يحسب نفسه في دمشق، والمتجول في القدس والخليل، وعكا، يرى نفسه في خان الخليلي بالقاهرة.

أما الخصوصية الشعورية لفلسطين؛ فهي أنها تحت الاحتلال، ونتيجة ذلك استمرار تساقط الشهداء والجرحى والتعرض للاعتقال، والحصار، والحواجز، وهدم البيوت، وتخريب الممتلكات؛ وعليه فإنه يصعب عزل فرح العيد عن مشاعر الحزن والغضب.

كل عام وأنتم بخير، وكل سنة وأنت سالم، لربما عبارة التهنئة هذه تصير جوهر البقاء هنا، فأن ننجو من رحيل جبري، يعني الأمر العظيم، فلا ضمان في العيش تحت الاحتلال أن ننجو من البطش الذي يمكن أن يختصر العمر.

كل وعيده صغارا وكبارا، بما تستحضره المناسبة من حنين الذكريات، وما تأتي به من فرح، ومن استمتاع روحي ورمزي، إلى تشوق خاص للأطعمة الشهية، وكأننا نلتقي بها جديدا؛ فكعك العيد لا كالكعك في غيره، والسلام حتى السلام في صباح العيد مختلف.

فلسطين في العيد، ما زالت فلسطين وما زال العيد، ولعل فلسطين الحرة والمحررة ستكون بحد ذاتها عيدا دائما لمحبي ومحبات فلسطين.

كل وعيده، لكن يوم التحرير سيكون عيد الأعياد؛ فما دام الاحتلال هنا، فإن العيد ومهما زخرفناه واحتفلنا به، فسيظل ناقصا. هذا ما يشعر به الفلسطينيون في العيد، حتى ولو فرحوا.