لماذا يصعب على المحرر البشري اكتشاف الذكاء الاصطناعي؟
في الآونة الأخيرة شهدنا سلسلة فضائح حول نجاح بعض المستعملين للذكاء الاصطناعي في تمرير أعمال معدلة من خلال برامجه عبر محررين بشريين.
فهناك أولا "فتاة خجولة"، وكانت هذه رواية رعب سحبها ناشرها من متاجر بيع الكتب فور أن أدرك أنها مولدة إلى حد كبير من خلال الذكاء الاصطناعي. وكان المحررون قد عجزوا عن اكتشاف كتابة الذكاء الاصطناعي الرديئة، كما أن الكثير من القراء انخدعوا أيضا. بل لقد نشرت الكاتبة إيميلي هيوز مقالا تأمليا رائعا في قضايا أعمق تتعلق بهذا الأمر، فضلا عن تناولها لمسألة الحرج الشخصي الناجم عن الانخداع به. لكن الأرجح الآن أن أغلبنا قد وقع في هذه الخدعة في لحظة ما، وليس ذلك فقط لأن البرمجيات تتحسن. فكما كتبت هيوز: "لا تنسوا أن برامج الذكاء الاصطناعي تكتب بهذه الطريقة؛ لأن من الناس من يكتبون بهذه الطريقة"؛ أي أن الرداءة منبعها منا.
ثم أثير نقاش أكبر حول ميجان مكاردل ـ وهي كاتبة عمود في صحيفة ذي واشنطن بوست ـ واعترافها عبر موقع إكس بأنها كثيرا ما تعتمد على برمجيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة. رأى الكثيرون -وأنا منهم- أن ذلك قد تجاوز الحد المقبول من كاتبة محترفة، ولكن الذكاء الاصطناعي اندمج بالفعل في كثير من العمليات الرقمية، حتى بات الحفاظ على النظافة التامة في الكتابة أمرا محالا. وحتى المشككون في الذكاء الاصطناعي يسمحون باستعمال البرمجيات في بعض مهامنا السقيمة التي لا نلقى عليها جزاء ولا شكورا. لكن مكاردل مضت إلى أبعد من هذا بكثير باستعمال أدوات رقمية "في توليد اعتراضات على فرضية مقالي، واقتراحات بالحذف حينما أتجاوز المساحة المخصصة لي، وزيادة أسئلة حوارات البودكاست حدة، وإجراء المراجعة المعلوماتية الأخيرة على مقالات الأعمدة والافتتاحيات". وهي تزعم أن هذا كله لا ينطوي على تدخل "في المهمة الأساسية، وهي مهمة القراءة والتفكير والكتابة"، لكنني أعتقد أن من المنطقي الاعتراض على هذا بأن كل خطوة في القراءة، وكتابة المسودات، وإعادة الكتابة هي التي تشكل التفكير، والكتابة هي التفكير، والسماح لبرمجيات الذكاء الاصطناعي بتولي أي قسم من عملية الكتابة فيه تنازل. ولا أحسب أن صحيفة واشنطن بوست سوف ترى في هذا أمرا كبيرا؛ لأن الصحيفة ومكاردل كليهما من المعربين كثيرا عن دعم الذكاء الاصطناعي.
وقبل أيام أعلنت صحيفة ذي نيويورك تايمز أنها لن تستمر في التعامل مع كاتب مستقل (فريلانسر) يدعى أليكس بريستون بعد ضبطه متلبسا باستعمال برنامج ذكاء اصطناعي في كتابة عرض كتاب بحسب ما نشرت ذي راب. كان أحد القراء قد نبَّه إلى أن مقالة بيترسن نسخت شيئا من مقالة في صحيفة ذي جارديان، وقد اعترف بيترسن بأنه "استعمل أداة ذكاء اصطناعي لمساعدته في وضع مسودة مقاله، ثم لم ينتبه إلى المادة المأخوذة من الجارديان قبل نشر المقال" كما أن فريق التحرير في نيويورك تايمز لم ينتبه إلى ذلك أيضا.
في كل من هذه الحالات تفوقت شركة تكنولوجيا على إنسان ـ أو أكثر ـ في الذكاء، إما بإنتاج نصٍّ مقنع بحيث يجتاز اختبار الأنف، وإما باختراع وتسويق خدمة أقنعت كاتبا بأن يعهد إليها بجزء من عمله. والمخرج من هذا المأزق يستوجب منا جميعا أن نزداد براعة في التنبه إلى مخرجات الذكاء الاصطناعي، والاستمرار في فضح من يضبطون وأصابعهم ملطخة بحمرة الجرم.
وسأعترف بأنني قد أكون غاليت في تقدير قدراتي على اكتشاف كتاب الذكاء الاصطناعي؛ لأن الكثير من تفاعلاتي مع التكنولوجيا كانت محبطة. فحتى البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ـ الذي كثيرا ما أسمع مستعملي الذكاء الاصطناعي والمتحمسين له يهللون له ـ غير جيد بالمرة. فعلى سبيل التجرية، ولكي أفهم ما قد يسمعه الآخرون عني من برامج الذكاء الاصطناعي سألت جيميني هذا السؤال البسيط: "من يكون جيمس فولتا؟" فإذا بالأجوبة التي لفظها خاطئة أخطاء فادحة. وحاولت مرات عديدة بصياغات مختلفة، فجاءت كل مرة بأخطاء كبيرة. في الغالب كانت الخطوط العامة قريبة، مع تزلف الذكاء الاصطناعي لي بوصفي"الكاتب المرموق"، لكن النموذج تجاهل موقعي الشخصي، وتخيل لي مقالات لم أكتبها، ونسب لي خطأ كتابات آخرين، وحذف تماما كل أعمالي المنشورة هنا في موقع ليت هب. (والمدهش أنه التفت كثيرا إلى شيء واحد، وهو أن: رأي جيمس فولتا في الذكاء الاصطناعي يعد من الانتقادات الحادة الذكية وبخاصة فيما يتعلق بتأثيره على الإبداعية والمعرفة الإعلامية والعمل البشري... وقد كتب كثيرا عن الآثار ’المهينة‘ للذكاء الاصطناعي التوليدي على الإنترنت وعلى الفنون"، وهذا صحيح، وسأظل في شجار مع الروبوتات).
ولست أثير هذا الموضوع إلا لأن الحل الذي كثيرا ما أسمعه هو مواجهة الذكاء الاصطناعي ببرمجيات أخرى قادرة على كشفه، ليكون سباق تسلح عبثيا يذكرني بنكتة في مسلسل سيمسونز عن [التخلص من السحالي بالاستعانة بالثعابين، ثم التخلص من الثعابين بالاستعانة بـ"نوع رائع من القردة العليا يعيش على لحم الثعابين". فمن المؤكد أنه لا يمكن الاعتماد أيضا على برامج الكشف هذه، ومؤكد أنها هي الأخرى لن تتحسن. والمحبط أن كل هذا الشد والجذب، والأخذ والرد، بين أنصار الذكاء الاصطناعي ومناهضيه لن يزيد هذه الأنظمة إلا رسوخا وشركات التكنولوجيا إلا ثراء بجعلنا في كلا جانبي النقاش مدينين لها.
لكن عليّ أن أثق في أننا إذا ما توحدنا ونظمنا أنفسنا فإن بوسعنا أن نعثر على طرق للمقاومة. ولقد شاركت في بعض الحوارات المثيرة مع أنداد حول كيفية دعمنا لأنفسنا ولعملنا، واستلهمت أفكارا من الاتحادات وغيرها من التجمعات العمالية التي تنظم أنفسها لمواجهة توسعات الذكاء الاصطناعي. وكما هو الحال دائما: التضامن هو الحل.
لكن في الوقت نفسه إذا لم يتوافر للمحررين المضغوطين بالعمل وقت للتحقق من كل نص، وإذا ظل الكتاب المستقلون المضغوطون يلجأون في يأس إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لكسب أسباب عيشهم، وإذا ظلت وسائل التحقق الرقمية غير مضمونة؛ فإننا سوف نظل في مأزق عسير.
جيمس فولتا كاتب ومدير تحرير (Points in Case)
https://lithub.com/why-cant-human-editors-identify-ai/
