عبير علي: الكتابة تجعلني أعيش القصة التي رأيتها في خيالي بشكلٍ أعمق على الورق
حوار: بشاير السليمية -
تذكرني عبير بصانع شعر البنات، بقدر اندهاشك من قدرة آلته على تحويل السكر إلى خيوط وردية على الدوام وبيضاء في الأحيان يصعب عليك التصديق بأن ذلك كله يمكن أن ينتج فقط عن دوران حبيبات السكر، ثم تأخذ حصتك وتغادر مستمتعًا بالطعم ناسيًا رحلة الإنتاج تلك.
تتخيل عبير وتصنع شخصياتها المدهشة في صمت، ثم إذا بك تقرأ وتتساءل كيف خطر لها ذلك؟ فمنذ أن هربت نور من القصة إلى الفتى المحبوس في طوله إلى دماغ الأخت المثقوب، لا تفتأ عبير علي عن صناعة الدهشة بعد أن تكون قد عملت بصمت تماما كما يصنع شعر البنات.
«عمان الثقافي» التقى عبير بنت علي الكلبانية كاتبة قصص أطفال فكان هذا الحوار...
لماذا تكتبين في أدب
الطفل بالتحديد؟
لأنه ما عرفت في بادئ الأمر، ولأن قصص الأطفال كانت دافعي الأول لأقرأ، ولأكتب، وهي لغتي الأم في التعبير عن انعكاس العالم على قلبي، ولأنني أعرف أن أصدق من قد يقرأ الصورة التي كتبتُ كما رأيتُها هم الأطفال.
هل تتفقين أنه فن أدبي صعب؟ ولمَ؟
لا أشعر تمامًا بأنني الشخص الأمثل للإجابة عن هذا السؤال..
حسنا، سننطلق من الثقوب ورمزيتها في التهام الأشياء، لنجد أنك حولتيها في «دماغ أختي مثقوب» إلى منبع للأشياء والحكايات، حدثينا عن إصدارك الأخير وأصدائه.
لا يزالُ الكتاب جديدًا، لم يقرأه الكثير من الأصدقاء الصغار بعد، وفي داخلي الكثير من الفضول لمعرفة ما قد يثير في داخلهم من صور، لكن الأصدقاء الكبار الذين قرأوه عادوا في انطباعهم عنه أطفالًا، تصورّوا ثقوبًا ورأوا أشياء تتطاير من هذه الثقوب، وقد كان هذا ممتعًا، كتبتُ النص قبل سنوات طويلة، وأسعدني كيف قامت الفنانة «جلنار حاجو» بإعادته للحياة بشكل لافت ومبهج، بانتظار أن يصل لأصدقائه الجدد لنعرف كيف ستجرده ثقوب خيالهم الفريدة!
كيف تقيمين تلقي
الأطفال فيما تكتبين؟
كلما جلستُ لأكتب، كتبتُ لأجل الكتابة ذاتها، لأنها بشكلٍ ما تجعلني أعيش القصة التي رأيتها في خيالي بشكلٍ أعمق على الورق، فأصبحُ كل شخصيةٍ فيها وكل شعور وكل لون، وإذا انتهت سلمتها بالكثير من الحب لحياتها القادمة، لذا فيندر أن أتوقع أو أعرف كيف يمكن لطفلٍ آخر أن يتلقى لعبة الخيال التي لعبتها على الورق، كلنا نلعبُ بشكلٍ مختلف، لذا، عندما أشاهد أو أسمع من الأمهات كيف لعب الطفل دور شخصيات الكتاب، أو أكمل القصة بعد قراءتها بشكلٍ مختلف، أو رسمها وكتب لها تتمةً أرسلها إلي، أعرف أننا جميعًا – أنا وأصدقائي الصغار- رأينا روح الخيال ذاتها، وهذا رائع وهذا كل ما أريد.
ما أصعب ما يمكن أن يواجهه من يكتب للأطفال؟
مرةً أخرى، لستُ صوتًا مناسبًا لأتحدث عن كل من يكتب للأطفال، لكنني أجد صعوبةً أحيانًا في حماية روح القصة وخيالها من مقصات الكبار، ومعاييرهم وقواميسهم التي صمموها لتشذيبه، وكأن أدب الطفل يجب أن يكون امتدادًا لدور الأم والمربي وصورةً أخرى للصف في المدرسة، بينما يمكن للنص أن يكون ملونًا وحرًا كالحديقة، والسماء والبحر، وبيت الجدة والبقالة المليئة بالحلوى، يمكن له أن يكون الابتسامة التي تسبق كل ذكرى سنحملها عن طفولتنا مع الكتاب عندما نكبر، أو ربما يمكن له أن يكون كل هذا، لستُ أدري.
قصصك تشي بخيالك الخصب، فبمَ تسقين خيالك الذي تكتبين به القصص؟
من ذات المعين الذي يمد خيطه للأطفال الذي ترينهم حولك كل يوم، أظن بأنني بطريقةٍ ما كنتُ قادرةً على الاحتفاظ به، فلم يلحظه ركبُ الزمن وهو يحصد خيالات الأطفال الذين كبروا، فبقي في خزانة قلبي وعقلي يكبر معي كل يوم، أو ربما أكبرُ أنا فيه ويكتبُ بي نصوصه.
كيف طوعتِ تخصص «علم الغذاء» في كتابتك لقصص الأطفال، أم أنك تبتعدين عنه كل البعد وقت كتابة القصص؟
الخيط الذي تحدثنا عنه سابقًا، لم يمر بعد بتخصصي الأكاديمي، ربما لم يحن وقته، لكن لم يكن هناك أبدًا سببٌ ما، ربما يصير قصةً للأطفال قريبًا ، من يدري، ليس هناك قاعدةٌ محددة، تُكتب القصص عندما تنضج، وتنضج بمزيجها الخاص مما نرى ونعيش أو حتى ندرس، لننتظر ونرى.
ما الذي تمثله لك الجوائز؟
هي أشبه بالعلامات على الطريق، بالنوافذ التي تطل بها الكتب والنصوص على عوالم جديدة، ويطل منها عليها أصدقاء جدد، عندما أكتب، لا تخطر في ذهني الجوائز ولا الحياة التي سيختارها الكتاب، أشعر بأن لكل قصةٍ قدرا وحياة خاصة بها، ونحن قنواتها من عالم السحر للورق، أما ما يحدث بعد ذلك فهو ما يريد النص لذاته أن يحدث.
ما الذي يعنيه تحويل قصة
من قصصك إلى مسرحية أو
ترجمتها للغات أخرى؟
ترجمة قصتي الأولى وتحويلها لمسرحية فاجأني، أسعدني طبعًا لأن نور -وهو اسم بطلة القصة- صار لها صوتٌ جميل يتردد في بلدانٍ عدة، ويصير لها أصحاب كثر يرونها كما يقرؤونها، أما الجوائز فتسعدني لأنها علامة قبول من الكبار لكل الخيال المتسرب من النص، وهم بالتأكيد يحتاجونه كثيرًا.
كيف ترين واقع أدب الطفل في العالم العربي عموما وفي عمان خاصة؟
أرى أنه يكبر، بالكثير من الألوان والصور والخيالات التي لم نكن نحلم بها قبل سنوات، وهذا مُبهج، أطفالنا يكبرون وهم قادرون على التعبير عن عوالمهم بطريقةٍ أكثر انطلاقًا ربما، وهذه العوالم تجد استجابةً جميلة، فتكبر مكتباتهم وتتسع، لابد أن لهذا النوع من الأدب تحدياته -أيضًا- والتي تفاقمت بشكل أو بآخر مع الجائحة الآن، إلا أننا سنتغاضى عن هذا هذه المرة، وسنتمسك بصورته الجميلة وهو يكبر ويزدهر.
سؤال أخير: ما الذي تحن إليه عبير في طفولتها؟
إن شيئًا كبيرًا من تلك الطفولة لا يزال يتفتح في داخلي كل يوم، ويشاركني الكثير من رؤيتي للعالم ولذلك فأنا لا أفقده، أما ما أحن لاسترجاعه، فهو الشجاعة للإيمان بكل الصور التي ترسمها لنا الطفولة، بكل الرسائل التي ترسلها إلينا على أجنحة الأحلام، الشجاعة للاعتراف بها والإيمان بها كفاية لنتشاركها مع الآخرين، ولو أننا جميعًا أصبحنا شجعانًا، لصار العالم ملونًا من جديد، وصاخبًا بالكثير من البهجة من جديد أيضًا.
تذكرني عبير بصانع شعر البنات، بقدر اندهاشك من قدرة آلته على تحويل السكر إلى خيوط وردية على الدوام وبيضاء في الأحيان يصعب عليك التصديق بأن ذلك كله يمكن أن ينتج فقط عن دوران حبيبات السكر، ثم تأخذ حصتك وتغادر مستمتعًا بالطعم ناسيًا رحلة الإنتاج تلك.
تتخيل عبير وتصنع شخصياتها المدهشة في صمت، ثم إذا بك تقرأ وتتساءل كيف خطر لها ذلك؟ فمنذ أن هربت نور من القصة إلى الفتى المحبوس في طوله إلى دماغ الأخت المثقوب، لا تفتأ عبير علي عن صناعة الدهشة بعد أن تكون قد عملت بصمت تماما كما يصنع شعر البنات.
«عمان الثقافي» التقى عبير بنت علي الكلبانية كاتبة قصص أطفال فكان هذا الحوار...
