"هات كتابك".. قصة تحول شغف إلى مشروع ينشر ثقافة القراءة في المتنزهات
تمثل فاطمة بنت حمد بن علي العميري، رئيسة مبادرة "هات كتابك"، أنموذجًا للشغف القرائي الذي تحوّل إلى مشروع ثقافي مستدام انطلق من حب مبكر للقراءة، وتجسّد واقعًا ملموسًا في عام 2018م عبر مشروع المكتبات الصغيرة في الحدائق والمتنزهات العامة. وهي مبادرة تطوعية شبابية تهدف إلى نشر ثقافة القراءة في المجتمع العُماني من خلال إنشاء مكتبات صغيرة ثابتة في المتنزهات، إلى جانب تنظيم فعاليات وأنشطة قرائية متنوعة.
الانطلاقة
تروي فاطمة بدايات المشروع قائلة: إنها كانت مشاركة في مسابقة لأفضل فكرة مشروع تطوعي ثقافي مستدام، وأثناء تصفحها إحدى المنصات لفت انتباهها نموذج لمكتبة صغيرة معلّقة على شجرة في إحدى الدول الأوروبية، لتولد من تلك اللحظة فكرة إنشاء مكتبات صغيرة في المتنزهات العامة بسلطنة عُمان.
وتؤكد أن الفكرة كانت جديدة على المجتمع المحلي، وواجهت في بدايتها تحديات عدة، من أبرزها تقبّل وجود مكتبة في مكان ترفيهي والحصول على التصاريح الرسمية. فبادرت إلى استصدار تصريح من بلدية مسقط، وتمكنت خلال ستة أيام فقط من تكوين فريق عمل والحصول على تصريح مؤقت لإنشاء أول مكتبة في متنزه القرم الطبيعي، نظرًا لكثافة زواره.
كان التصريح لمدة أسبوع واحد لاختبار تفاعل المجتمع. وضعت فاطمة دولابًا صغيرًا جمعت فيه كتبًا متنوعة، وما إن رصدت الإقبال والتفاعل الإيجابي من الزوار حتى حصلت على الموافقة لتثبيت المكتبة بشكل دائم. ومن هنا بدأت رحلة التوسع، لتشمل المبادرة لاحقًا حديقة الصحوة، ومتنزه العامرات، وحديقة إزكي العامة، والمركز الترفيهي بصحار.
وتضم المكتبات كتبًا أدبية وعلمية متنوعة، إضافة إلى بعض كتب القانون العُماني في متنزه الصحوة، كما تتوفر كتب بلغة "برايل" في بعض المواقع، تعزيزًا لمبدأ الشمولية وإتاحة المعرفة للجميع.
المجتمع.. الداعم الأول
تشير العميرية إلى أن وقفة المجتمع وتفاعل أفراده كانا الوقود الحقيقي للاستمرارية. وتستحضر مشهدًا ظل راسخًا في ذاكرتها لرجلٍ مسن كان يتناول كتابًا من المكتبة ويجلس منفردًا يقرأ بهدوء، معتبرة أن مثل هذه اللحظات منحتها دافعًا قويًا لمواصلة الطريق.
وتؤكد أن المجتمع هو الداعم الحقيقي لنجاح فريق "هات كتابك"، وأن رسالتها تتمثل في تحريك شغف القراءة ليصبح المجتمع العُماني مجتمعًا قارئًا بامتياز، مضيفة أن العمل التطوعي يمثل لها متنفسًا لتراكمات الحياة اليومية وضغوط العمل.
جوائز وتكريمات
توّجت المبادرة جهودها بعدد من التكريمات، من أبرزها الفوز بجائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي عام 2019، وجائزة المبادرات الثقافية المجيدة لعام 2022، إضافة إلى جائزة الإجادة الشبابية في عام 2024، وهو ما يعكس أثر المبادرة واستدامتها وتميّزها في العمل الثقافي المجتمعي.
التوسع المستقبلي والتحديات
توضح فاطمة أن التوسع في المحافظات البعيدة يتطلب استقطاب المزيد من المتطوعين، وتوفير دعم مادي لتجديد المكتبات وإثرائها بإصدارات حديثة. كما أتاحت المبادرة المجال أمام أفراد المجتمع للتبرع بالكتب عبر صناديق مخصصة بجانب كل مكتبة، على أن تخضع الكتب للتدقيق من قبل أعضاء الفريق قبل إضافتها إلى الأرفف.
فعاليات تعزز الحراك القرائي
لا تقتصر أنشطة المبادرة على توفير الكتب، بل تمتد إلى تنظيم فعاليات وبرامج متنوعة، من بينها تحديات قرائية سنوية مثل "تحدي قراءة 7 كتب في 7 أيام"، وحملات ثقافية توعوية، منها حملة "يتعافون بالقراءة" التي أُطلقت على مستوى الخليج بمشاركة فرق تطوعية في المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والإمارات العربية المتحدة، واستهدفت المصابين بفيروس كورونا، إلى جانب حملة "باقٍ فينا" تخليدًا لذكرى السلطان الراحل – طيب الله ثراه – عبر التبرع بالكتب لمن لا يستطيعون شراءها.
كما تنظم المبادرة جلسات حوارية مع شباب قراء وكُتّاب عُمانيين، وأنشطة مدرسية لتعزيز حب القراءة لدى الطلبة، وماراثونات قرائية، ومشاركات في معارض الكتب تستهدف فئات مثل متلازمة داون، والإعاقة السمعية، وأطفال التوحد، مع توفير مختصين لكل فئة لضمان مشاركة فاعلة وشاملة.
وهكذا، تحولت "هات كتابك" من فكرة عابرة إلى مشروع ثقافي مجتمعي متكامل، يعيد للكتاب حضوره في الفضاء العام، ويجعل من المتنزه مساحة للمعرفة بقدر ما هو مساحة للترفيه، في تجربة عُمانية ملهمة تؤكد أن الشغف حين يقترن بالإرادة يصنع أثرًا باقياً.
