مكافحة رهاب الإسلام.. تبنٍّ دولي واعتراف أممي
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع في مارس من عام ٢٠٢٢م، قرارا نصّ على أن يكون يوم ١٥ مارس من كل عام يوما عالميا لتسليط الضوء على ظاهرة «رهاب الإسلام» أو «الإسلاموفوبيا» تحت شعار (اليوم العالمي لمكافحة رهاب الإسلام)، وتهدف هذه الخطوة الدولية إلى توسيع الجهود الدولية لإنشاء حوار عالمي من شأنه أن يشجّع التسامح والسلام ويركز على احترام حقوق الإنسان وتنوع الأديان والمعتقدات.
ويأتي تخصيص (اليوم العالمي لمكافحة رهاب الإسلام) بعد تزايد مقلق في خطابات الكراهية والتمييز والعنف ضد المسلمين، وحتى العرب، في مناطق ومناسبات عدة حول العالم، ومع انتشار ظاهرة رهاب الإسلام وتأثيراتها فقد تزعزعت العلاقات الإسلامية الغربية بشكل كبير، فجاء (اليوم العالمي لمكافحة رهاب الإسلام) كاعتراف أممي، أكد عليه العديد من مسؤولي الأمم المتحدة وزعماء العالم والقادة الدينيين، بالحاجة الملحّة إلى معالجة هذه الظاهرة وتبعاتها الخطيرة على العالم، كونها تُنذر بزعزعة أمن المجتمعات واستقرارها.
ورهاب الإسلام كغيره من ظواهر الكراهية، يتغذّى على خطابات التمييز والعنصرية والإقصاء، فيؤثر بشكل مباشر وسلبي على حقوق الكثيرين من حول العالم، كل يوم، وكل لحظة. ورهاب الإسلام ظاهرة غير إنسانية تتعارض بشكل صريح مع المبادئ العالمية وركائز المنظمات الدولية والمدنية: الإنسانية والحقوقية، فهي، كغيرها من ظواهر الكراهية، تبرر التطرف والتعصب والاعتداء، وتقوّض جهود إحلال السلام في العالم بهدمها لبنات التعايش والتفاهم: كرامة الإنسان واحترامه.
رهاب الإسلام أو «الإسلاموفوبيا»، شكل من أشكال العنصرية والتمييز الديني والثقافي الموجه نحو الإسلام كدين والمسلمين كأشخاص، سواء باعتباراتهم الشخصية أو المجتمعية. ويقوم على اعتقاد بأن الإسلام دين رجعي يدعو إلى العنف، وبالتالي فإن معتنقيه لا يستسيغون الحداثة ويميلون إلى العنف وإيذاء الآخرين. وقد عمدت بعض التيارات السياسية في الغرب والشرق، وبمساعدة من بعض المحطات الإعلامية، إلى تضخيم هذا الاعتقاد الخاطئ في المجتمعات وتحويله إلى خوفٍ مرضي «رهاب»، ومن ثم تأجيج هذا الخوف وتوظيفه كأداة لكسب الأصوات وتأمين المقاعد البرلمانية والرئاسية، فكانت النتيجة: تنامي الهجمات والانتهاكات ضد المسلمين إلى مستويات وبائية.
ولعل القارئ والمطّلع اليوم يجد ارتباطا وثيقا بين ظهور ظاهرة رهاب الإسلام في العالم وتصاعد قضايا الإرهاب في العقود القليلة الماضية، إلّا أن عددا من المختصين والباحثين الغربيين أمثال «ريتشارد بوليت» و«جون بوين» يعتقدون بقِدم الظاهرة، ويتتبعون المواقف السلبية تجاه المسلمين في الغرب وارتباطها بالصور النمطية إلى فترة العصور الوسطى، مما يدفعنا إلى القول: إن «رهاب الإسلام» مصطلح حديث لظاهرة قديمة.
إن الصورة النمطية للإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي لم تكن من صناعته، فهي الصورة ذاتها التي نقشتها مجموعة من أوائل المستشرقين لتبرير أعمالهم في الشرق كما يرى الباحث الأمريكي «جون إل إسبوزيتو»، بيد أن الإعلام بوسائله الحديثة أسهم في تعميم الصورة ونشرها بنطاق أوسع من ذي قبل، ولا ريب أن صراعات وخلافات المسلمين مع بعضهم البعض استقطبت العدسات والأقلام التي وجدت مادة إعلامية خصبة لتوجيه الرأي العام غير المسلم نحو الأجندات السياسية والثقافية.
وفي كتاباته التي تعود إلى عام ١٩١٠م، أكد الباحث الفرنسي «موريس ديلافوس» على أن المعتقدات والممارسات الروحية لمسلمي غرب إفريقيا لم تتعارض مع الحضارة الأوروبية، وأن اختلافهم لم تمثل عائقا أمام التفاهم والمشاركة مع المجتمع الأوروبي. مما يصل بنا إلى التأكيد على أن الصورة الذهنية النمطية لدى الغرب وغيرهم عن الإسلام هي فخ ذهني «جعل العقلانية الأوروبية والروحانية المسلمة في حالة احتدام مستمر» كما وصفها الباحث الكندي «جورج هاردي».
تأتي ظاهرة «رهاب الإسلام» بأشكال وأوجه متعددة تؤثر كلها على جودة حياة المسلمين وحقوقهم الأساسية حول العالم، ومن أشكال «الإسلاموفوبيا» الشك والترقب المستمران، اللذان يمارَسان ضد المسلمين، فتصوِّرهم على أنهم غاضبون ومستعدون للعنف في أي لحظة.
ومن مظاهر الظاهرة كذلك التمييز والتهميش، فيجد المسلمون إقصاء واستبعادا من أنشطة أو مؤسسات معيّنة، بما في ذلك التوظيف أو السكن أو حتى التعليم، مما يؤدي إلى فصل المسلمين عن بقية المجتمع.
إضافة إلى ذلك، فإن «الإسلاموفوبيا» تعمل على «شيطنة» المسلمين بربطهم بالإرهاب وإساءة استخدام مصطلح «الجهاد»، فيعزز خطابات الكراهية ضدهم ويبرر استعمال العنف اللفظي والجسدي ضدهم، حتى في الأماكن العامة.
المعرفة والتعارف والاعتراف: حل لرهاب الإسلام
لقد وضع العالم الشيخ «علي يحيى معمر» نظرية عُرفت بثلاثية (المعرفة والتعارف والاعتراف)، وبإسقاط النظرية على واقع ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، نجد أن مرتكزاتها الثلاثة: المعرفة، والتعارف، والاعتراف، يمكنها أن تسهم بشكل جذري في مجابهة رهاب الإسلام في العالم.
فرهاب الإسلام، كمفهوم حديث، هو نوع من أنواع التمييز العنصري القائم على الجهل، والمعرفة أساس إبادة الجهل، ففتح الأبواب للآخر وتيسير سبل الاطلاع عن قرب على الإسلام والمسلمين يبدد الجهل الذي ينمّي الخوف والتحفظ، ومن وسائل ذلك تضمين قيم التسامح الديني وتقدير التنوع في المناهج التعليمية والأكاديمية في العالم، وإقامة المؤتمرات الدولية بهدف تعريف الشخصيات الفاعلة دوليا وذات التأثير في مجتمعاتها بقيم الإسلام السمحة، ودعوتهم لصياغة قرارات وأطر مؤسساتية تمنع مظاهر وأشكال الإسلاموفوبيا في مجتمعاتهم.
علاوة على ذلك، فإن المؤتمرات والبرامج المختلفة، ومن ضمنها التبادل الطلابي، تسهم كلها في تقريب الناس ببعضها البعض، فيتعدى معرفة الآخر بالإسلام إلى حصول التعارف مع المسلمين، فيرى بذلك «الإنسانَ» في المسلم بأخلاقه، وقيمه: الدينية والثقافية والحضارية.
أما الاعتراف الدولي، رغم المعارضين والمتحفظين، بوجود الظاهرة وآثارها، والاعتراف بوجوب حماية حقوق المسلمين الطبيعية والأساسية، حالهم حال غيرهم في العالم، فحاصل وواقع يدعمه قرار تخصيص الـ١٥ من مارس كل عام يوما دوليا لمكافحة رهاب الإسلام.
وعملت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية على إنشاء مجموعة من البرامج والمبادرات الدولية لتغيير الصورة الذهنية السلبية حول الإسلام والمسلمين في العالم، ومن مبادراتها مشروع (معرض رسالة الإسلام من سلطنة عمان) الذي انطلق في عام ٢٠١٠م تحت شعار «التسامح والتفاهم والتعايش»، وهدف مشروع المعرض إلى نقل الصورة الصحيحة للواقع الديني في سلطنة عمان، كأنموذج إسلامي حضاري يؤلف بين الناس بالوئام، مفندا بذلك صور التطرف في الإعلام الغربي.
ويسلط مشروع المعرض الضوء على قيم التسامح والتفاهم والحوار بين مختلف الثقافات، منطلقا من جوهر الإسلام ومبادئه السمحة التي أكدت على كرامة الإنسان، وسنة الاختلاف، وإعمار الأرض، وتحقيق الخير والسلام للناس كافة.
ومنذ انطلاقه أسهم مشروع (معرض رسالة الإسلام من سلطنة عمان) في تعريف الناس من حول العالم بسماحة الإسلام، فاكتسب قبولا كبيرا في الأوساط العالمية جعلته يتلقى دعوات لإقامته في منظمات دولية على رأسها منظمتا الأمم المتحدة واليونسكو، إضافة إلى العديد من المؤسسات الأكاديمية والدينية، لينشر رسالة سلطنة عمان المعتدلة في أكثر من ٣٦ دولة و١٣٧ محطة. وتعمل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن قرب مع باقي مؤسسات الدولة كوزارة الخارجية ووزارة الإعلام؛ لإقامة المؤتمرات الدولية واستضافة الشخصيات ذات التأثير العالمي لبسط رسالة التسامح والتفاهم والقيم الإنسانية المشتركة في العالم.
