متحف عُمان عبر الزمان.. عندما تفخر الأجيال بتاريخها وحضارتها
يرصد «متحف عُمان عبر الزمان» تاريخ أرض عمان منذ حوالي 800 مليون سنة، وتاريخ إنسان هذه الأرض منذ 11 ألف سنة وفق ما تؤكده أحدث المكتشفات الآثارية لتاريخ الإنسان على هذه الأرض وإلى عصر النهضة المباركة التي نعيش ضياءه اليوم.. هذه هي الفكرة التي ينطلق منها المتحف ليبني قصة سرده التاريخية.
وكأن مشاعر الفخر والاعتزاز بعمر هذا البلد وعراقته صارت تسري في عروق كل عماني، فهذا تاريخهم المجيد قد صار بكامل بهائه ماثلا أمامهم اليوم وتستطيع كل الأجيال العمانية أن تقف أمامه وتطاوله.
ولم يكن الاهتمام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- المتواصل بإنشاء المتحف، والذي وضع حجر أساسه السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- إلا إيمانا من لدنه بالأهمية التاريخية للمتحف لحفظ وصون تراث حضارة عُمان خالدا للأجيال القادمة. المتحف الذي يضم حضارة شعب عظيم ويوثق مسيرته عبر التاريخ، مستحضرين في ذلك اهتمام جلالة السلطان بهذا المنُجز ودعمه البالغ له ليكون هدية لعُمان وأهلها والعالم أجمع. يمتاز المتحف بتركيزه واهتمامه على ربط الشباب العماني بالإرث والحضارة العمانية من خلال مواكبته العصر الحديث، وإدخاله التقنيات الحديثة في معظم الأجنحة، وهو ما يسهم في جذب الشباب وتعريفهم بما يمتلكه هذا الوطن الغني بكنوزه التي تعود لسنوات طويلة، وتوثيق روابط العلاقة بينهم والوطن، ويشعر الزائر بأنه في جولة بين تاريخ إلى جغرافيا سلطنة عمان، حيث يحضر الماضي والحاضر والمستقبل بأسلوب تفاعلي حديث.
بناء هندسي ومعماري متميز
اختير مبنى المبنى بشكله المميز الذي يشبه أيقونة لعصر النهضة، بشكله الذي يترجم إبداع العمارة العمانية بأسلوب عصري، وبأشكال هندسية إبداعية، وباختيار المواد المستخدمة في بنائه، فمن الشكل الخارجي الذي يشكل تناغما وانسجاما مع سلسلة الجبال العمانية، ليكون كجزء من المعلم الطبيعي بأسلوب عصري، فمن الخارج إلى الداخل ليس المتحف إلا صورة لحضارة عمان وعظم مكنوناتها التاريخية والطبيعية والمعمارية.
تمتاز واجهة المتحف باستخدام النحاس محاكاة للتاريخ العماني في توظيف النحاس، واستخدام شكل المعين للمبنى بطرق هندسية محكمة، واستخدام جميع الأحجار على شكل معيّن مستوحى من الأحجار المنقسمة الموجودة في جبال سلطنة عُمان، وينعكس شكل المعين نفسه في العناصر المختلفة للمبنى أيضًا. تم تصميم وتشييد مبنى متحف عُمان عبر الزمان ليحافظ على قوته ومتانته ورونقه إلى عمر يصل إلى ٥٠٠ عام، وذلك بفضل العديد من التقنيات التي تستخدم لأول مرة في سلطنة عُمان، والتي تحميه من جميع أنواع الكوارث الطبيعية، إضافة إلى المحافظة على انخفاض وارتفاع المبنى بين الشرق والغرب بما يتناسب مع أشعة الشمس، لحماية الفضاءات الداخلية من الأشعة المباشرة، ومن ناحية أخرى، تم تصميم نظام مأخوذ من فكرة القلاع والمباني القديمة تحت ممر الفنون، وهو وجود الجدران التي تجعل الهواء الساخن يبرد، كما وُضِع عدد من الاشتراطات ليكون المبنى صديقا للبيئة، كاستخدامه مواد من مناطق قريبة للمشروع فالحجارة العُمانية عالية الجودة من محافظتي الظاهرة وشمال الباطنة حاضرة في هذا البناء الضخم من الخارج والداخل، والتي بلغ حجمها ١٣٠ ألف متر مربع، كما استثمرت مخلفات الأحجار والقطع للاستفادة منها في الحديقة.
يتميّز المتحف بالواجهات الزجاجية التي تتراوح ارتفاعاتها من تسعة أمتار إلى ستة عشر مترا وتصل إلى خمسة وعشرين مترا، مُسهِمة في جعل الرؤية واضحة على الآفاق، ومن ضمن المواصفات التي تم مراعاتها في الزجاج هو اللون المعروف بآيرون غلاس الذي يكون واضحًا جدًا، واستخدام أربع طبقات من الزجاج حيث بلغ سمك الطبقة الواحدة ستة سنتيمترات ويصل ارتفاعها خمسة أمتار ويصل عرضها مترين ونصف متر. وقد أعطى الزجاج جمالية للمتحف بحيث يتيح للزائر رؤية آفاق المشروع ويبين مناظر الجبال حول المتحف ويربط المتحف بالبيئة المحيطة من خلال انكشافها عليها.
جولة الزائر بين القاعات ..
وفي رحلة الزائر إلى المتحف يمر على قاعة التاريخ التي تأخذك في رحلة عبر مسار زمني لعصور مختلفة مع حضور موضوعين اثنين وهما التراث البحري والأفلاج وارتباطهما بتاريخ عمان، وفي القاعة يمر الزائر على التكون الجيولوجي لأرض عمان، مع حضور وسائل العرض الرقمية الحديثة، في عالم افتراضي متعدد الأبعاد، مع وجود مجموعة من الشواهد والخرائط والمقتنيات، مع استعراض لحقبة دولة اليعاربة ودولة البوسعيد.
ويمر الزائر في رحلته للمتحف بقاعة عصر النهضة، التي تعد المحور الأساسي للمتحف، من خلال ما يعرض فيها من مراحل التطور والازدهار والنماء في سلطنة عمان، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والصناعية والسياسية، بحضور الوسائل الرقمية التفاعلية التي تتاح فيها الخطابات السامية لصاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- والسلطان الراحل -طيب الله ثراه-، مع حضور لأبرز مرتكزات النهضة المباركة.
ولعل أبرز المعروضات في المتحف تتمثل في: فك حيوان عمانثيريوم يعود إلى نوع من الفيلة البدائية الضخمة التي عاشت على أرض سلطنة عُمان قبل حوالي 35 مليون سنة، وثلاثيات الفصوص التي تعود إلى الفترة ما بين 250 مليون سنة إلى 500 مليون سنة، والنقش على الصخور المتنوعة بين الأشكال البشرية والحيوانية، ومبخرة نذرية مزينة برسوم حيوانات يعود تاريخها إلى 100و 200 م. ومن ضمن المعروضات دواة الإمام مهنا بن سلطان تعود إلى 1719م، وسفن مجان، ورسالة السلطان قابوس إلى معلمه تعود لعام 1955م.
تقنيات تفاعلية..
يمتاز المتحف بحضور أفضل الوسائل الحديثة والتقنيات المتطورة في كل ركن وقاعة، وكأن المتحف صورة تواكب المتاحف العالمية من حيث حضور التقنية وتفاعل الجمهور المباشر مع كل المقتنيات، حيث يحوي المتحف على شاشات LCD، و LED بمساحة ما يقارب 800 متر مربع.
المتحف يحوي أيضا ما يقارب 310 مواد فيلمية ضخمة جدا، إضافة إلى التقنيات المتطورة في ما يتعلق بالألعاب التفاعلية المخصصة للأطفال، والرسوم التقنية ثنائية وثلاثية الأبعاد، و1200 جهاز لتشغيل مختلف طرق العرض، مع وجود تقنيات الواقع الافتراضي، وتقنية الشاشة المنحنية بزاوية 360 درجة.
ومن أبرز المواقع في المتحف «مركز المعرفة» الذي يعد مصدرا غنيا بالمعلومات، حيث ينقسم المركز إلى ثلاتة طوابق بمساحة قدرها 6 آلاف متر، ويحوي الطابق الأرضي معمل الأفكار ومعمل الابتكار، وفي الطابقين الأول والثاني مكتبة حصن الشموخ التي تحتوي على 46 ألف عنوان كتاب في مختلف العلوم والمجالات.
