فلج الساحل بوادي حلفين.. تراث خالد يروي عظمة الأجداد بولاية إزكي
ـ ينتهي بخزان دائري ضخم لتجميع المياه واستغلالها لسقي المزروعات
ـ يتميز وادي حلفين بالمياه الغيلية الدائمة الجريان لا سيما في جزئه الأخير
ـ بلدية إزكي أقامت سياجا يحيط بالخزان لحمايته من العبث والتخريب وللوقاية من السقوط
كتابة وتصوير ـ سامي البحري:
يُعدُّ وادي حلفين من أشهر وأكبر الأودية في السلطنة، نظرا لطول مجراه وغزارة مياهه المنحدرة من سفوح الجبل الأخضر بمحافظة الداخلية ليمر على عدة ولايات كولاية إزكي ومنح وأدم متجها إلى محافظة الوسطى، مرورا بمنطقة الجوبة حتى يصب في بحر العرب بعد رحلة طويلة بين الجبال والرمال والسهول يلتقي فيها بعدد من الأودية الشهيرة كأودية ولاية نزوى.
ويعتبر وادي حلفين منبعا ومغذيا لفلج الساحل بمنطقة السحاماة الذي يعتبر من مفردات التراث العماني القديم؛ نظرا لما يتمتع به من هندسة فريدة في بناء وتصميم القنوات المائية لعدة كيلومترات من وسط وادي حلفين لينتهي بخزان دائري ضخم لتجميع المياه واستغلالها لسقي المزروعات، وقد استخدمت في بنائه الحجارة والصاروج العماني.
مياه دائمة الجريان
يتميز وادي حلفين بالمياه الغيلية الدائمة الجريان لا سيما الجزء الأخير من الوادي بعد المسير على الأقدام بين الجبال والصخور لمسافة أربعة كيلومترات تقريبا لتبدأ البرك المائية العذبة وخرير المياه المنسابة بين الصخور وصولا لشلال مياه ينحدر من الجبال العالية بين جبلين في مكان ضيق مُشكّلا في أسفله بركة مياه عميقة وباردة في منظر خلاب وبديع وذلك بعد تسلق بعض الصخور من خلال حبل يتدلى في موقعين. هذا وتتخلل الوادي الكثير من الأشجار الوارفة الظلال والنباتات والأعشاب المختلفة إضافة للحياة البرية وعدد من الطيور.
كما يوجد في الوادي عدد من القبور والمدافن ومجموعة من الكهوف ومباني حجرية قديمة كدليل على الاستيطان البشري في تلك المنطقة، إضافة لوجود الغطاء النباتي والكثير من الأشجار والنباتات البرية والحياة الفطرية والحيوانية والطيور التي يجب المحافظة عليها. ويزور الوادي الكثير من محبي رياضة المشي والتسلق أو ما يعرف برياضة (الهايكنج)، كما يمكن الوصول إلى أعلى الجبل الأخضر في مسار يمر على قرية المناخر لمن لديه الخبرة الكافية والدليل واللياقة البدنية العالية.
فلج الساحل
هو فلج غيلي بوادي حلفين بولاية إزكي يعود تاريخ بنائه إلى القرن 12 الميلادي، وفقا للدراسة التي قامت بها وزارة التراث والثقافة (سابقا) ويهدف إلى استغلال مياه وادي حلفين في الزراعة وذلك خلال فترة حكم أسرة النباهنة، ويُعدُّ خزان الفلج من أكبر خزانات تجميع المياه في السلطنة حيث يتسع الخزان الدائري لحوالي 300 ألف جالون مما يسمح ببقاء المياه لتغذي المنطقة الزراعية المجاورة في الجهة الشرقية حتى عند انخفاض منسوب مياه الفلج مع قلة الأمطار وقد بني بالحجارة والصاروج العماني ولا يزال شاهدا ومقصدا للزوار.
يتوسط خزان تجميع مياه الفلج (اللجل) القناة الممتدة من منبع الفلج بوسط وادي حلفين والقناة الممتدة بعد الخزان شرقا التي تسقي المزروعات آنذاك، وقد تم بناء ساقية الفلج في وادي حلفين بالحجارة والصاروج العماني في هندسة بديعة تثبت قدرة الإنسان العماني في التعامل مع الطبيعة الجبلية القاسية والاستفادة من المكنونات الطبيعية، لا سيما الخبرة والمعرفة الكبيرة في شق وبناء القنوات المائية في انسيابية فريدة بين ضفتي الوادي.
وتوجد أم الفلج أو المنبع الأصلي بوسط وادي حلفين بعد أربعة كيلومترات من مدخل الوادي حيث يتم هناك توجيه المياه الغيلية إلى الساقية الرئيسية الممتدة والمتعرجة لمسافة 6 كيلومترات تقريبا وتشكل المساحة المغطاة منها 1.067 مترا تتخللها فتحات مستطيلة ودائرية للتهوية والصيانة إضافة لبعض الجسور أو القناطر لعبور وتصريف مياه الأمطار والشعاب المنسابة من الجبال، بينما يصل طول القنوات السطحي 5 كيلومترات تقريبا، كذلك نجد عند مخرج الوادي ما يُعرف بالغرّاق والفلّاح الذي يسمح لمياه الفلج بالمرور بين ضفتي الوادي في قناة مغطاة تحت الأرض على شكل حرف U وذلك حتى لا تتأثر قناة الفلج بمياه الوادي.
وتتميز ساقية الفلج بقوتها ومتانتها المبنية بالحجارة الجبلية والصاروج العماني وارتفاعها أحيانا عن مجرى الوادي في جدار حجري تم رصفه في عدة مواضع بأحكام وهندسة معمارية فريدة يبلغ عدة أمتار في بعض المواقع حتى تصل إلى الخزان الرئيسي متدفقة من فتحة عمقها 1.20 متر.
وتمتد قناة تصريف مياه الفلج من خزان التجميع باتجاه الشرق لحوالي 728 مترا، وتبدأ القناة بفتحة تصريف المياه من أسفل الخزان وتكون مغلقة لمسافة 300 متر ثم تنساب المياه إلى أول تقاطع للقناة بعدها تتفرع القنوات لري المزروعات.
ويعد الخزان من أكبر خزانات تجميع المياه في السلطنة حيث يتجاوز قطره 19 مترا وبعمق 4.6 متر ويبلغ عرض جدران الخزان 1.20 متر وهي مبنية بالحجارة والصاروج العماني. وقد قامت بلدية إزكي بعمل سياج يحيط بالخزان لحمايته من العبث والتخريب إضافة للوقاية من السقوط أسفل الخزان العميق، كذلك تنظيف المنطقة المحيطة.
جدير بالذكر أن مياه الفلج قد جفّت وتوقفت عن الجريان لأسباب عدة، منها تأثر القناة الرئيسية الممتدة في وادي حلفين بمياه الأمطار والأودية خلال مئات السنين وعدم صيانتها مما جعل الفلج ميتا، مع بقاء المياه الغيلية في داخل وادي حلفين والتي تعد مقصدا للزوار ومحبي رياضة المشي.
إزكي في سطور
يرتبط اسم ولاية إزكي في سلطنة عُمان قديما بالحضارة والتراث والآثار حيث يشير علماء الآثار إلى الكثير من الكتابات الصخرية والكهوفٍ القديمة والمقابر الأثرية ذات أشكال هندسية فريدة يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد. ويذكر المؤرخون أن إزكي كانت تسمى قبل ظهور الإسلام بجرنان نسبة إلى كهف جرنان الذي اختلف أهالي المدينة على أصل تسميته لتعدد الأساطير حوله، كما يُقال بأنه تمت تسمية الولاية بهذا الاسم لتزكية الأهالي لأنفسهم بعد أن دخلوا الإسلام، كذلك قيل بأن أهلها كانوا أول من أخرج الزكاة، وغيرها.
تتبع ولاية إزكي محافظة الداخلية وتربطها طرق حديثة بمحافظة مسقط وبولايات نزوى ومنح وأدم وسمائل والمضيبي، ويحدّها من الجهة الغربية الجبل الأخضر ومن قراها إمطي والحميضيين وقلعة العوامر وحارة الرحى والنزار والحميضة وحبل الحديد واليمن والشباك وقاروت وغيرها، كما تضم العديد من الأودية كوادي حلفين، وبها الكثير من الأفلاج مثل فلج العتب والحراب والحديث والعين والقسوات والسواد والسمدي والمبعوث وشافع والشباك والحليو والواشحي ويعد فلج الملكي أشهرها؛ حيث ضُم قائمة التراث العالمي التابع لمنظمة اليونيسكو في عام 2006م، وقد تم إنشاؤه في عهد مالك بن فهم ويغذيه أكثر من 17 رافدًا، ويتميّز بطول مجراه ويسقي كل من ضواحي اليمن والنزار.
هذا وتزخر الولاية بالحصون الدفاعية كحصن إزكي والقلاع الأثرية مثل قلعة زكيت وقلعة العوامر وقلعة الخرماء، إضافة إلى أبراج أثرية مثل برج وادي الحجر وبرج القحيف وبرج المغرب وبرج سوق وبرج حبل الحديد، كذلك الأسوار القديمة، وبها كهف جرنان، وينتسب للولاية العديد من العلماء والأدباء والشعراء الذين سطروا تاريخ الولاية بمؤلفاتهم، كما تُزرع أرض إزكي بأشجار ومحاصيل متنوعة وبها الكثير من الثروة الحيوانية ويحافظ أهلها على الموروث العماني الأصيل.
