1908948
1908948
عمان اليوم

تغييب لغة الضاد.. "أزمة" تربية أم "ضريبة" انفتاح؟

12 فبراير 2022
أطفالنا يتحدثون الإنجليزية بطلاقة.. ولغتهم الأم ركيكة!
12 فبراير 2022

تلاقي أم فرح صعوبة مع ابنتها (في الحلقة الأولى) في مادة اللغة العربية وذلك لسبب تحاورها معها منذ الصغر باللغة الإنجليزية، وهذا ما أدى إلى ضعف استيعابها لمادة اللغة العربية، لإنها لا تدرك ولا تعي ما تقوله المعلمة من كلمات ومصطلحات ربما لأول مرة تسمعها. وأكد بعض أولياء الأمور أن ضعف اللغة العربية لدى الأبناء وعدم إمكانية ترتيب الجُمل بطريقة سليمة، والتلعثم أثناء الحديث، مشكلات تواجههم يوميًا ويسمعونها من بعض الأطفال، حيث أصبحت لديهم اللغة العربية ركيكة وكلماتها مكسّرة وجملها مبعثرة، والسبب غرس اللغة الإنجليزية لدى أطفالهم منذ الصغر باعتبارها توسيعًا لمدارك الطفل وتعزيزًا لثقافته.

استطلعت (عمان) آراء الآباء حول مدى ضرورة ترسيخ اللغة العربية لدى أطفالنا منذ نعومة أظافرهم.

تحدّثت سميحة بنت علي الحوسنية -معلمة مجال أول- قائلة: يعمد بعض أولياء الأمور لتمكين وتلقين اللغة الإنجليزية عند أطفالهم وذلك من خلال التحدث معهم وتعليمهم إياها متناسين تماما اللغة العربية الأم، ظنا منهم أن هذا الأمر هو الأنسب لأطفالهم، لكن ما يحدث أن الطفل يكتسب هذه اللغة على حساب لغته الأم، فينشأ معه نوع من الصدام بين اللغتين وخاصة مع دخوله للمدرسة إذ يكون الطفل مجيدا في اللغة الإنجليزية ولكنه دون المستوى في اللغة العربية فيقع الوالدان في معضلة كيف يمكنهما معالجة هذا الأمر، لذا من وجهة نظري أن تعلّم اللغة الإنجليزية مطلب مهم ولكن الأهم ألا يكون ذلك على حساب لغته الأم، فاللغة هوية وارتباط أكثر من أنها مفردات تُقال وتُقرأ، وهذا الجيل يحتاج بقوة لترسيخ هذا الأمر في أذهانهم حتى لا يخرج لنا جيل بهوية متذبذبة.

لغة التواصل

وافقتها الرأي أمل الصخبورية، بقولها: أنا ضد تأسيس الطفل على اللغة الإنجليزية في المحادثات اليومية، إذ إن بعض العائلات تعمد إلى تعليم الطفل منذ سنوات الطفولة المبكرة من عمر سنتين أحيانا التحدث باللغة الإنجليزية فقط طوال الوقت في المنزل وفي الشارع وفي المحيط العام والابتعاد مطلقا عن اللغة العربية، وعواقب ذلك للأسف تكون سيئة على الأغلب حيث ينشأ جيل بلغة عربية ركيكة مهشمة، تجعل لغة التواصل بينه وبين محيطه العام ضعيفة خصوصا أننا في دولة عربية تعتمد على لغة الضاد التي هي لغة القرآن، مضيفة: وما يثير دهشتي أكثر هو جهل البعض حتى في كتابة اسمه بشكل صحيح ومكتمل باللغة العربية مما يصيبنا بالأسى الشديد، في الوقت ذاته أنا مع تعلم اللغة الإنجليزية كلغة ثانية مساندة لاكتساب المعارف الأجنبية كونها الأكثر انتشارا وتداولا عالميا، مع ضرورة بقاء اللغة العربية هي الأولى في عالم أبنائنا.

من جانبها أشارت هنية بنت محفوظ الذيابية بقولها: لغتنا لغة القرآن وهي لغة عربية فصيحة نعلّمها لأطفالنا منذ نعومة أظافرهم لكن في الوقت نفسه نعلّمهم ثقافة اللغة الإنجليزية لكن لا نربّيهم عليها ونُفقدهم تماما اللغة العربية التي هي الأصل ونذهب لنُكسبهم اللغة الإنجليزية وإنما نجعل اللغة العربية هي الأساس، لأنهم إذا لم يتحدثوا باللغة العربية فإنهم في المستقبل سيفقدون الهوية العربية وستصبح العربية معهم للأسف مهمشة ولن يتقنوها كما ينبغي.

صعوبة التحدث

وعلّقت نصرة بنت ناصر الحوسنية: استغرب من حديث بعض الأسر مع أبنائهم بلغة غير لغة الأم (العربية)، فهذا تنتج منه آثار وخيمة في المستقبل هي الابتعاد عن لغة القرآن وعدم تطبيقها وهي اللغة الأم، وتصبح اللغة الإنجليزية لغة التطور التي لا تغني عن اللغة العربية، وأيضا صعوبة التحدث مع أبناء جيله وتهديد اللغة العربية بالنسيان ورسوخ اللغة الإنجليزية، وصعوبة تعلمها عند الكبر، إضافة لذلك كيف سيكون مصيره مع قراءة القرآن فلا بد من تعلم اللغة العربية لغة الأصالة والتقدم ولا مانع من تعلم اللغة الإنجليزية التي يتطلبها العصر.

تنشئة سليمة

ويقول سعيد بن عبدالله الصخبوري: لست ضد تعلم اللغة الإنجليزية، ولكن بشرط أن تكون هي اللغة الثانية بعد اللغة العربية، وأذكر ذات مرة في أحد المجمعات التجارية أن طفلا لم يتجاوز السادسة من عمره يحاول أن يوصل طلبه للنادل بلغة عربية ركيكة، وفي النهاية بدا على الطفل الارتياح عندما حدّثه النادل بالإنجليزية ليرد الطفل بسلاسة وسرعة واصفا وجبته بأريحية وتفصيل. وأنا كأب أسّست ابنتي على اللغة العربية، ويسعدني أن تتقن الإنجليزية كلغة ثانوية مساندة لدراستها والتواصل لاكتساب العلوم والمفاهيم النافعة من الثقافات الأخرى، وفي النهاية كأولياء أمور يجب علينا الاعتدال والوسطية في تنشئة أبنائنا في كل الأمور.

"اللغة العربية ركيزة أساسية من ركائز الهوية"، تقول شيخة بنت أحمد الصلطية، مشيرة إلى أن تعويد الطفل وتنشئته على التحدث بلغة أخرى غير لغته الأم وتهميش هذه اللغة لا ينمّي الهوية الوطنية ولا يحفظ للغة العربية مكانتها مما يؤدي إلى إيجاد نوع من الضعف قد ينتج عنه تخريج أجيال لا تمتلك القدرة على التعبير بلغتها العربية أو الكتابة بها، وكيف لذلك الطفل أن يفهم ويتدبر ما جاء في كتاب الله العزيز وهو الذي نزل بلسان عربي مبين، وهذا قد يبعده عن القرآن الكريم ويبعده عن الثقافة العربية والفكر العربي ويدفعه إلى الاندماج في الثقافات الغربية ومحاولة تقليدها.

ومن منظور آخر يقول أسعد بن فراس المعولي: نعيش حاليًا في عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة، واللغة السائدة فيه هي اللغة الإنجليزية، وتُستخدم في السفر والتسوّق وهي لغة الحاسوب والتلفاز ووسائل الاتصال، وقد تكون مفيدة لمن يتقنها لأنها تعتبر من متطلبات الحياة، ولكن تكمن المشكلة في إقصاء اللغة العربية واستبدالها باللغة الإنجليزية وخاصة عند الأطفال ما دون عمر السادسة، فهي مشكلة وإن كان البعض يراها صغيرة فإن لها عواقب وخيمة اجتماعيا وثقافيا.

لغة المجتمع

وفي هذا الجانب يقول الدكتور زاهر بن مرهون الداودي، أستاذ مشارك، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية قسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة السلطان قابوس: "إن اللغة العربية لغة باقية بإذن الله تعالى فهي ليست لغة مجتمع بعينه وإنما هي لغة دين وثقافة وهوية وعادات وبحكم طبيعة هذه اللغة فإنها قابلة للتعايش مع كل المجتمعات وهي لغة طيعة في التأثير والتأثر لغة أثبتت حياتها بخصائصها المختلفة، إلا أن ما يفترض أن نشير إليه هنا هو كيف تموت من ذاكرة أشخاص معينين فنقول إنها تموت من لسانهم وذاكرتهم لعدم استعمالهم لهذه اللغة ابتعدوا عنها فهجروها فصعب عليهم الاتصال مع الآخرين في مجتمعاتهم فاللغة كائن حي تموت وتحيا وتتطور ويسهم الاستعمال في حياتها وتطورها".

وعن الأسباب التي تعيق أطفالنا في الحديث باللغة العربية، يقول الدكتور زاهر: "لعل السبب هو أن كثيرا من أولياء الأمور يتحدثون مع أبنائهم اللغة الإنجليزية بل ويدفعونهم دفعا إلى إحلال اللغة الإنجليزية محل اللغة العربية بإدخالهم مدارس خاصة تهتم باللغة الإنجليزية دون اللغة العربية وهو الفهم الخاطئ لبعض إعلانات التوظيف حيث تنص على إجادة اللغة الإنجليزية، فالإعلان يشير إلى شرط إجادة اللغة الإنجليزية ولم يشر إلى أن تكون اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية أو الأصلية عند المتقدم، ونسوا أنهم في دولة عربية والأصل فيها العربية ولم يعوا أن اللغة أداة من أدوات الاتصال والتعبير بل هي الوسيلة الأولى للوصول إلى المعرفة والمعلومات وتكوين الخبرة وتنميتها واللغة العربية كما هو معلوم للجميع لغة القرآن الكريم وهي من أكثر اللغات انتشارا بل إن اللغة العربية هي عامل من عوامل تشكيل هوية المجتمع الإسلامي، ولم يعوا أننا إذا طمسنا اللغة العربية من فكر هؤلاء الأطفال فإننا نطمس الهوية الاجتماعية والإسلامية ونطمس الثقافة العربية فكيف نطالبهم بعد ذلك بالثقافة العربية وقد ابتعدوا عن العربية".

إنتاج الأصوات

وبيَن الدكتور زاهر: "إن اللغة بطبيعتها مكتسبة، فالطفل يستقبل الأصوات فيقلدها فهو يكتسب هذه اللغة منذ المهد إنما يبدأ في إنتاج ما سمعه من أصوات منذ بداية حديثه والأصل أننا نوجهه توجيها صحيحا في إنتاج هذه الأصوات اللغوية، وإلا سيقع في عواقب كثيرة جدا فالطفل لم يعهد اللغة منذ بداية طفولته فأنى له أن يفهم ما يلقى عليه في المناهج الدراسية المختلفة سيشعر وكأنه في مجتمع غريب عنه".

أوضح الدكتور زاهر " التأسيس لابد أن يكون منذ الصغر وعلينا أن نحبب اللغة إليهم وأن نذكرهم أننا نتعلم اللغة الأخرى من منطلق أن الإسلام إنما حثنا على تعلم اللغة الأخرى لنأمن شرهم وأن علينا أن نتعلم اللغة الأخرى لندرك تفكير الآخر ولنصل إلى بعض المناهج العلمية التي وصلوا إليها ونستفيد منها في تقدم علوم العربية".