إنجازات ومشروعات فلكية ترسّخ مكانة سلطنة عُمان كوجهة علمية وسياحية
تبرز الجمعية العُمانية للفلك والفضاء، كجمعية تطوعية تُعنى بنشر الثقافة الفلكية وربطها بحياة المجتمع وتعليم الأجيال، إضافة إلى دورها المتنامي في تنشيط سياحة الفلك والفضاء كأحد المسارات الواعدة التي تستقطب اهتمام الباحثين والهواة والمهتمين محليًا ودوليًا، وحققت الجمعية إنجازات ومشروعات فلكية ترسّخ مكانة سلطنة عُمان كوجهة علمية وسياحية.
وللتعرف على مسيرة الجمعية وإنجازاتها، أوضح إبراهيم بن محمد المحروقي نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للفلك والفضاء، أن التعاون مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) يعد من أبرز المحطات في مسيرة الجمعية، إذ أسهم في تعزيز الحضور العُماني عالميًا في مجال الرصد الفلكي والبحث العلمي.
وأضاف: من أهم الإنجازات التي تحققت، رصد كويكبين جديدين P226fqs وP226gRJ ضمن المبادرة الدولية للبحث عن الكويكبات (IASC)، وقد شارك في هذا الاكتشاف عضوان من الجمعية بالتعاون مع فريق دولي، ونالوا شهادات تقدير رسمية من وكالة ناسا، كما وثقت الجمعية أول ظهور للشفق القطبي في سماء سلطنة عُمان ليلة 12 مايو 2024 خلال عاصفة شمسية قوية، بعد أن تمكن فريق التصوير الفلكي من رصده في جبل السراة بمحمية الحجر الغربي لأضواء النجوم، وأُكد هذا الإنجاز من قبل مختصين في مركز جودارد الفضائي ومبادرة "أوروراصورس".
وقال: إن التعاون مع وكالة ناسا يمتد إلى مجالات أوسع، منها الأبحاث المرتبطة بمحطة الفضاء الدولية وتبادل المعلومات العلمية والتقنية، وكذلك دراسات الأقمار الاصطناعية التي تؤدي دورًا مهمًا في الاتصالات ومراقبة الظواهر البيئية والكونية.
السياحة الفلكية
وتطرّق المحروقي إلى جهود استثمار تضاريس سلطنة عُمان في صناعة سياحة الفلك والفضاء، موضحًا أن نقاء سماء سلطنة عُمان وتنوع بيئاتها الطبيعية يجعلها من أفضل الوجهات الإقليمية في هذا المجال، مشيرًا إلى أن الجمعية تمتلك خبرة واسعة في تنظيم فعاليات سياحية فلكية ناجحة، من أبرزها المخيم الفلكي العائلي والمخيمات الشبابية، وكذلك المخيم الفلكي العربي الذي استضافه جبل شمس بفضل موقعه المثالي وسمائه الصافية.
وبيّن أن جبل شمس جزء من محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم، وهي الأولى من نوعها في الجزيرة العربية منذ إنشائها عام 2019، كما شهد عام 2025 توقيع اتفاقية لإنشاء حديقة النجوم داخل المحمية بدعم من وزارة التراث والسياحة، لتكون وجهة تعليمية وسياحية تعزز مكانة سلطنة عُمان عالميًا في السياحة البيئية والفلكية.
ولفت إلى فعاليات كبرى نُظمت مثل مخيم الكسوف الحلقي برأس الرويس عام 2019، الذي استقطب 300 مشارك من أكثر من 12 دولة، وتضمن 22 فعالية جماهيرية للرصد في محافظات مختلفة من سلطنة عُمان، إلى جانب محاضرات علمية وأبحاث متخصصة، مؤكدًا أن هناك اهتمامًا رسميًا لتوسيع تجربة المخيمات الفلكية لتشمل مناطق سياحية جديدة نظرًا للإقبال الكبير من السياح، كما تستعد الجمعية لتغطية خسوف القمر الكلي في 7 سبتمبر القادم عبر فعالية وطنية كبرى بالتعاون مع عدة جهات حكومية.
مسيرة من العطاء
وعن بدايات العمل التطوعي وأبعاد الحراك العلمي الحالي للجمعية، قال: إن الجمعية تأسست رسميًا في عام 2008م، ومنذ ذلك الوقت انطلقت في مسيرة طويلة من العطاء والإنجاز، تحولت خلالها من مبادرة تطوعية صغيرة إلى كيان مؤسسي نشط يمثل منصة مجتمعية متخصصة في نشر علوم الفلك والفضاء، والتفاعل مع الظواهر الكونية عبر برامج وفعاليات تخدم مختلف شرائح المجتمع.
وبيّن أن البداية كانت من خلال مجموعة من الهواة والمهتمين، لكن الجمعية تطورت بسرعة لتضم لجانًا متخصصة، وتنفذ عشرات الفعاليات سنويًا، وتشارك في المحافل المحلية والدولية. وأفاد أن الجمعية، رغم توسعها، ما زالت قائمة على الجهود التطوعية لأعضائها، وتعمل بصفة غير ربحية بهدف جمع المهتمين بالفلك في سلطنة عُمان وتوحيد مساعيهم.
ولفت إلى أن تمويل الأنشطة يعتمد على مصادر متعددة، من بينها رسوم العضوية، والدعم المقدم من بعض المؤسسات الحكومية، ومساهمات شركات القطاع الخاص، إلى جانب العوائد الناتجة من المشاريع والفعاليات، مضيفًا إن الجمعية تدرك أهمية استدامة الموارد، ولذلك تبذل جهودًا حثيثة في تسويق برامجها لدى مؤسسات القطاع الخاص عبر إبراز القيمة المضافة التي تحققها في التعليم والابتكار وتنمية الكفاءات الوطنية، فضلًا عن استثمار برامج المسؤولية المجتمعية للشركات لدعم المشاريع التعليمية والتدريبية وتطوير المراصد الفلكية، بما يعزز مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي متميز في علوم الفلك والفضاء.
أدوار تعليمية ومجتمعية
وتناول المحروقي الأبعاد المختلفة التي تنشط فيها الجمعية، موضحًا أنها تجمع بين التعليم والتوعية والتدريب والتواصل مع الجمهور، وتسعى إلى بناء علاقة تفاعلية مع المجتمع عبر فعاليات موجهة للطلبة والأسر والهواة والباحثين على اختلاف فئاتهم.
وأشار إلى أن الجمعية لا تقتصر على الفعاليات العامة، بل تركز على المنظومة التعليمية من الداخل، حيث رأت أن غرس شغف الفلك يبدأ من قاعات الدراسة، وأن المعلم هو العنصر الأهم في تحريك الفضول العلمي لدى الناشئة؛ لذلك نفذت الجمعية برامج تدريبية وحلقات تخصصية في أساسيات الفلك، واستخدام البرمجيات الفلكية، والتلسكوبات، ومحاكاة الظواهر السماوية، موضحًا أن هذه المبادرات تهدف إلى تعزيز التكامل بين التعليم النظامي والعمل المجتمعي، وتوفير بيئة تعليمية داعمة تُسهم في تكوين جيل علمي واعٍ ومدرك لمستقبل الفلك والفضاء.
وأكد أن أنشطة الجمعية تُدار عبر لجان متخصصة تشكل العمود الفقري لحركتها، مثل لجنة التواصل المجتمعي المعنية بالإعلام والتفاعل، ولجنة الأبحاث والتعليم التي تعد البرامج والمحاضرات العلمية، ولجنة الرصد والتصوير الفلكي التي تدرّب الأعضاء على استخدام التلسكوبات وتوثيق الظواهر، إلى جانب لجنة شؤون الأعضاء التي تهتم بتطوير تجربة العضو وصقل قدراته.
فعاليات وبرامج متنوعة
واستعرض المحروقي ما تقدمه الجمعية من فعاليات نوعية جعلتها علامة بارزة في المشهد العلمي، مشيرًا إلى أن المخيم الفلكي العائلي يُعد من أقدم وأهم أنشطتها المستمرة، وقد أُقيم حتى الآن في 16 نسخة بمواقع متعددة من سلطنة عُمان، مضيفًا إن هناك مخيمات تخصصية مثل مخيم البرشاويات ومخيم جبل شمس والمخيمات الموجهة للأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب المشاركة الواسعة في مهرجانات العلوم، والمبادرات الخاصة بالأطفال مثل "الفلكي الصغير".
وفي جانب التعليم والتدريب، أوضح أن الجمعية تنظم برامج متعددة في أساسيات الفلك، والرصد، والتصوير، والبرمجيات الفلكية، وصناعة الأدوات البسيطة كالمزاول والساعات الشمسية، كما تنفذ زيارات إلى المدارس والجامعات، وتشارك في برامج تعليمية بالشراكة مع مؤسسات وطنية. وفي جانب الرصد، تنظم فعاليات عامة تتيح للجمهور متابعة الظواهر الكبرى مثل الخسوف والكسوف، والشهب، ورصد الكواكب.
شراكات مؤسسية
ولفت إلى أن الجمعية لم تعمل بمعزل عن غيرها، بل بنت شبكة واسعة من الشراكات مع مؤسسات حكومية وخاصة وأكاديمية، وهو ما مكّنها من التوسع وإثراء محتواها والوصول إلى شرائح جديدة من المجتمع.
وبيّن أن هذه الشراكات شملت وزارة التربية والتعليم، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وزارة التراث والسياحة، وهيئة البيئة، ووكالة ناسا، وجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، فضلًا عن جامعات وكليات ومؤسسات إعلامية أخرى.
وأضاف: إن هذه الشراكات أثمرت مشاريع نوعية، مثل تطوير مرصد الجمعية في مدينة العرفان بدعم من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والشركة العُمانية للنطاق العريض، وتطوير مرصد جبل شمس بدعم من شركة تنمية نفط عُمان، وإنشاء قبة فلكية متنقلة بدعم من الشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال لخدمة مدارس محافظة جنوب الشرقية.
التحديات والخطط المستقبلية
وأشار المحروقي إلى أن طريق الإنجاز لم يخلُ من تحديات، أبرزها ضعف الوعي المجتمعي لدى بعض الفئات، وقلة الكوادر المتخصصة، إضافة إلى التحديات البيئية مثل التلوث الضوئي الذي يؤثر على الرصد الفلكي. ومع ذلك، ذكر أن الجمعية تعمل على تحويل هذه العقبات إلى فرص، واضعة نصب عينيها رؤية طموحة لمضاعفة الأثر العلمي والمجتمعي، وتطوير بنيتها الأساسية لتصبح منصة وطنية قادرة على قيادة الفلك في سلطنة عُمان نحو آفاق أرحب.
وأفاد نائب رئيس الجمعية أن المرحلة القادمة ستشهد مشاريع نوعية، من أبرزها تطوير مرصد جبل شمس ليكون منصة تعليمية وبحثية متقدمة، إلى جانب العمل على إنشاء محمية الحجر الغربي لأضواء النجوم لحماية السماء من التلوث الضوئي وتشجيع السياحة الفلكية. وأكد أن الجمعية، وسط هذا الحراك العالمي في علوم الفضاء، تسعى لتقديم نموذج وطني رائد في العمل العلمي التطوعي يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا بالسماء.
