عمان اليوم

إبداع النجارة في المعمار القديم.. مهنة الأجداد الخالدة في ظفار

22 أكتوبر 2021
الهوية العمانية تحافظ على ثوابتها في الفنون الخشبية القديمة
22 أكتوبر 2021

ـ صناعة المناديس والسفن وتحف الزينة دليل على مهارة الأيدي العمانية

ـ النجارون القدامى شاركوا في البناء والتعمير وصنع لوازم المباني التقليدية

كتب ـ عامر الرواس:

يجذب المعمار الظفاري القديم الذي يتميز بخصوصية منفردة على مستوى الخليج العربي السائح والزائر في محافظة ظفار لكونه يعتمد بشكل كبير على الأخشاب النادرة والجيدة التي توجد في ظفار والتي تجلب من الهند ويشكلها النجار العماني بأنامله الماهرة، بالشكل المناسب للبنيان والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية من الأخشاب بأنواعه المختلفة التي تزخر بها متاحفنا العمانية إلى يومنا هذا، ويستطيع السائح أن يطلع على هذه الأدوات الخشبية في متحف التراث القومي ومتحف أرض اللبان بمحافظة ظفار الذي يحتوي على الكثير من هذه الإنتاجات النادرة الدقيقة، أما بالنسبة للأعمال الكبيرة فهي واضحة من خلال زيارة المنازل القديمة والحصون في مختلف ولايات المحافظة، وعلى سبيل المثال لا الحصر (بيت نزوى) في ولاية مرباط أو كما يسمى (بيت السيدوف) نسبة إلى صاحب المنزل وحصن مرباط وحصن طاقة في ولاية طاقة وهناك العديد من هذه المنازل التي يشار إليها بالبنان والتي تجذب السائح في محافظة ظفار.

حرفة تاريخية !

تعتبر حرفة النجارة من المهن المهمة في الحضارة القديمة والحديثة باعتبارها من أساسيات المدينة في كل زمان ومكان وفي ظفار نجد أن هذه الحرفة تمارس منذ أزمنة غابرة حيث أبدع النجارون وتفننوا في العديد من هذه الصناعات اليدوية الخشبية منها والمنحوتات الحجرية وتم تشكيلها وتهذيبها بأسلوب فني بديع وأخضعها الحرفي لإرادته بكل دقة وإتقان بدافع الرغبة في الاعتماد على ذاته في تطوير مهنته من ناحية وكسب العيش الكريم من ناحية أخرى. وقد كانت الأسواق المحلية تعج بالكثير من هذه المصنوعات اليدوية العريقة في القدم ومن الشواهد الدالة على أقدمية هذه الحرفة وجود منحوتات حجرية وخشبية في العديد من الأماكن التاريخية على امتداد المنطقة بأسرها وعلى سبيل المثال لا الحصر وجود مشغولات يدوية من الأخشاب والحجارة في أعمال النجارين من أبناء هذه المنطقة في كل من مناطق وأحياء صلالة ومرباط ومعظم ولايات المحافظة وتعود هذه الأدوات إلى فترات تاريخية مختلفة وهناك مطاحن الرحا الحجرية وأحواض مياه منحوتة في الصخور ويوحي بعضها بفترات ما قبل التاريخ الميلادي ومن أهم الصناعات الشائعة في النجارة (الأبواب السدد والدرايش والصناديق والأسرة والهدة وروافع المصاحف وأقتاب الجمال ولوازمها وأدوات الزراعة كالعجلة والمحاريث الخشبية)، وكذلك أدوات لضخ المياه من الآبار وأخشاب الرحا والمهد والملاعق الخشبية ومقابض السيوف والكتار (الجزر) والمفاتيح المسماة القوشمة.

أعمال متعددة !

ومن الأعمال الفنية الخشبية في الأبواب القديمة مفتاح خشبي به سبعة مسامير كالأسنان ويتحكم في قفل وفتح الأبواب، وكذلك صناعة الدرايش بفنها وزخرفتها وبعدها الستائر التي تسمى (التلة) حيث تصنع من سيقان قصب الذرة أو الدخن (المسيبلي) وتسمى جماميح وذلك بمقياس يتناسب مع حجم الدرايش من خلال رصها صفوفا بين خشبة وأخرى فراغ، ويربط بعضها ببعض لتسمح بدخول التهوية للغرف من ناحية وساتراً لصاحب المنزل من لدى قدماء ظفار مثل الترس (الجوب) والعصي المدببة (أقيت)، ويعتبر الترس من أهم وسائل الوقاية والدفاع بشكله الدائري السميك، كما تم استخدام عظام الحيوانات في استخدامات أخرى متعددة مثل صنع المكاحل من سيقان الجمال مزينة بنقوش محفورة وزخارف بديعة ومزينة بالجلد والخرز تارة إضافة إلى استخدام أكتاف الحيوانات الماشية لإزاحة المخلفات من حظائر الحيوانات.

كما استخدم النجارون الأحجار الجيرية والجرانيت لأغراض عديدة لطحن الحبوب وصنع أحواض مياه الشرب والأحجار النارية كإحدى وسائل الحصول على النار من خلال الضرب بقطعة من حديد على أحجار الصوان (عيل) وعليها قطعة أخرى من نبات الحريف المتوافر في أرياف ظفار.. وكذلك صنع من الأحجار الجيرية الرسوبية (الغليون) الفجير بالإضافة إلى تهذيب الأحجار الجيرية والنقش عليها واعتبرت من أهم الأدوات لحفظ النصوص والوثائق التاريخية التي تحكى عن مكانة الإنسان في عصره.

ولم يقتصر عمل النجار عنه هذا الحد بل شارك في كثير من الأعمال الفنية بأسلوب فني في البناء والتعمير وصنع لوازم المباني التقليدية القديمة ذات الطراز المعماري وتحديد القياسات والأبعاد الهندسية. وشهد لهم التاريخ بهذا الفضل العظيم من خلال هذا المجهود الكبير الذي قاموا به.

مهارة عمانية !

وعلى الرغم من التطور المعماري في محافظة ظفار بفضل النهضة المباركة إلا أننا نجد الهوية العمانية ما زالت موجودة في البناء المعماري خاصة في تقسيم المنزل الذي ما زال يحافظ على وجود الأسرة الواحدة في نفس المنزل بالإضافة إلى المنظر الخارجي نجد أن هناك الكثير من المنازل تقتبس أشكالها الخارجية من هذه المنازل مما يعطيها جمالية أكثر حيث ربطت بين الماضي القديم والحاضر الحديث.

ويبرز هناك دور النجارة على الرغم من الاعتماد على القوى العاملة الوافدة إلا أن بصمات الماضي العريق ما زالت على بوابات المنازل والشبابيك التي تجمع ما بين العصر القديم والعصر الحديث، وعلى الرغم من هذا التطور الكبير في مجال النجارة إلا أن مهارة الأيدي العمانية على الرغم من الإمكانيات البسيطة ما زالت بصماتهم واضحة يشهد عليها التاريخ ويستطيع السائح أن يشاهد عن قرب مهنة النجارة بأيادي عمانية مثل صناعة المناديس والسفن وغيرها للزينة في الأسواق الشعبية بمحافظة ظفار.