No Image
عمان الثقافي

هل من الخطأ تأليف كتاب باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

جوشوا روثمان / ترجمة - بدر بن خميس الظفري 

جهاز (رولاند TR-808) هو آلة طبول بحجم قاموس صدر عام 1980، كان وزنه أحد عشر رطلا وسعره ألف ومائتا دولار، وكان ابتكارا تقنيا غير مسبوق. مع أن آلات الطبول كانت موجودة منذ عقود، إلا أنها كانت تُصدر عادة أصواتا مُعدة مسبقا (مثل الطبل الصغير والطبلة الكبيرة والصنج) لعزف إيقاعات مُعدة مسبقا (مثل الفوكس تروت، والفالس، والسامبا). أما جهاز 808، على النقيض، فكان مزودا بحاسوب داخلي، مما يسمح للموسيقيين ببرمجة أصواتهم وأنماط الإيقاعات الخاصة بهم. ويمكن ترتيب هذه الأنماط في مقاطع موسيقية أطول تُشبه الأغاني، تُعزف تلقائيا.

عندما صدر جهاز 808، لم يكن أحد تقريبا يعرف كيف يستخدمه. وسرعان ما توقف إنتاجه. ولكن بعد ذلك، انخفضت أسعار الأجهزة المستعملة بنحو تسعين بالمائة. بدأ الموسيقيون بشراء أجهزة 808 مستعملة وتجربة استخدامها. وسرعان ما أسهمت هذه الأجهزة في إنتاج عدد لا يُحصى من الأغاني الناجحة مثل أغنية «شفاء عاطفي» للفنان مارفن غاي، وأغنية «أود أن أرقص مع شخص ما» للمطرب ويتني هيوستن، وبدأت تُؤثر على الموسيقى الشعبية تأثيرا يُضاهي تأثير الغيتار الكهربائي. اكتشف الموسيقيون أن بإمكانهم استخدام أجهزة 808 لتأليف مقطوعاتهم الموسيقية بأنفسهم، مُحققين رؤاهم الفنيّة الخاصة دون الحاجة إلى الاستعانة بالآخرين أو تقديم تنازلات. استخدموا الأصوات الاصطناعية المميزة للجهاز ومنطقه القائم على الأنماط لابتكار أنواع موسيقية جديدة فريدة - مثل الإلكترو، والرقص، والهيب هوب.

اليوم، يُسمع صوت جهاز 808 في كل مكان، ويمكن تمييزه بسهولة. لكن ما قد يكون أقل وضوحا هو أن البنية التركيبية لجهاز 808 ومشتقاته منتشرة على نطاق واسع أيضًا. تُكتب العديد من الأغاني الآن على أجهزة الحاسوب، باستخدام أجهزة التسلسل، والأنماط، والحلقات، مع وضع النوتات الموسيقية بتزامن تام على شبكة إيقاعية رباعية (4/4). غالبا ما يُحدد تصميم الصوت - كالنغمة المميزة لطبل الباس أو صوت آلة المزج - هوية المقطوعة الموسيقية. وبشكل عام، لم يعد الموسيقيون مقيدين بقيود. فلكي يُبدعوا أغانيَ رائعة، لا يحتاجون إلى معرفة نظرية الموسيقى أو امتلاك آلات موسيقية؛ فباستخدام آلات المزج والعينات الصوتية، يُمكنهم تغيير نغمات الأوتار، أو اختيار أوركسترا سيمفونية من قائمة منسدلة. في الواقع، يُمكنهم تأليف أصوات لم تُنتجها أي آلة موسيقية على وجه الأرض، وسيسعد المستمعون بمتابعتهم إلى عوالم صوتية جديدة. لم تُستبدل الآلات الموسيقية التقليدية - فنحن ما زلنا نستمع إلى الغيتار الصوتي - لكنها موجودة ضمن نطاق أوسع بكثير من الآلات المُصنّعة.

لنفترض أن قصة الذكاء الاصطناعي «الفني» تتبع مسار قصة آلة الطبول نفسها. أين نحن في هذه القصة؟ ربما نكون في عام 1983 - العام الذي طُرح فيه خليفة جهاز 808، وهو جهاز 909. (لسماع الفرق، قارن أغنية «شفاء عاطفي» للمطرب غاي بأغنية «Vogue» أو «على الموضة» للفنانة العالميّة مادونا). في ذلك الوقت، كانت الموسيقى الإلكترونية لا تزال جديدة، وكان لدى الناس اعتراضات شتى عليها. قالوا إن الآلات المُحوسبة لا تتطلب مهارة موسيقية ولا موهبة، وإن صوتها بطبيعته ركيك وغير معبر. بالنسبة لبعض الموسيقيين، كان هذا هو الهدف. طرح ساعتها نقاشٌ بأن الموسيقى المصنوعة بالآلات تفتقر إلى روح وعفوية العزف البشري المُرهق في غرفة، وبالنسبة للبعض، كان هذا التجريد مرغوبا فيه. كانوا قلقين من أن تُفقد الموسيقى الإلكترونية الموسيقيين وظائفهم. كما نظم الاتحاد الأمريكي للموسيقيين، الذي عارض الموسيقى المُسجلة في ثلاثينيات القرن العشرين، وقفة احتجاجية أمام دون لويس، مهندس الصوت الذي يقف وراء جهاز 808، عندما كان يُحيي حفلا. وفي المقابل، تمسّك عدد من المنتجين المرموقين برأي مفاده بأن آلات الإيقاع قد تكون مفيدة في مرحلة كتابة الأغاني، غير أن استخدامها في التسجيلات النهائية يظل غير مقبول. أما بعض المستمعين، فقد شعروا بأن الموسيقى الإلكترونية تنطوي -على مستوى عميق- على خلل ما، وأنها أقرب إلى الخداع أو التحايل، بل تهديد لجوهر الموسيقى ذاته.

كانت جميع هذه المخاوف مشروعة. لكنها تضاءلت أمام قوى الانتشار، والإبداع، والذائقة. فقد تبيّن أن الآلات الإلكترونية أدخلت أعدادا كبيرة من الناس إلى عالم صناعة الموسيقى؛ وأن هؤلاء استخدموها بطرق ذكية وممتعة ومؤثرة؛ وأن المستمعين أحبّوا ما سمعوه. ولم يعد بالإمكان مجادلة نجاح أغنيات مثل «إنها معقّدة» (It’s Tricky) و«كوكب الروك» (Planet Rock)، ولا «مولود مترنّحا» (Born Slippy) و«لا شيء يُضاهيك» (Nothing Compares 2 U). وهكذا، إذا صحّ هذا القياس، فلن يكون مقنعا قريبا القول إن الفن المصنوع بالذكاء الاصطناعي زائف أو رديء تلقائيا. فالأدوات في حدّ ذاتها لا تحدد ما يُعدّ فنا؛ وإنما يعتمد ذلك على كيفية استخدامها.

قد تتباعد الخطوط المتوازية دائما؛ فقد نستنتج أن الذكاء الاصطناعي ليس أداة عادية، وأنه لا مكان له في حياتنا الفنية. يبدو أن هذا هو الدرس المستفاد من رواية الرعب «الفتاة الخجولة» «Shy Girl»، التي كُشف مؤخرا أنها أُنتجت جزئيا على الأقل بواسطة الذكاء الاصطناعي. يروي الكتاب قصة شابة تُحتجز كـ«حيوان أليف» من قِبل رجل ثري، وقد نُشرت في البداية بشكل شخصي، ثم لاقى رواجا كبيرا على الإنترنت، قبل أن تستحوذ عليه دار نشر هاشيت. قبل بضعة أشهر، بدأ القراء يُشيرون إلى أن أسلوب الكتابة يبدو مُصطنعا. فقد وصفوه بأنه مُثقل بالصفات والاستعارات المُفرطة، ويتسم بإيقاع ونبرة ثابتة تُشبه برامج الدردشة الآلية. قامت شركة بانغرام، المتخصصة في كشف الذكاء الاصطناعي، بتحليل رواية «الفتاة الخجولة» وأعلنت أن 78% منها مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي. اقترحت ميا بالارد، مؤلفة الرواية، أن محررًا مُستقلا كانت قد سلمته مخطوطتها ربما يكون قد استخدم الذكاء الاصطناعي في معالجة الكتاب دون علمها. في النهاية، ألغت هاشيت نشره.

بعد قراءة كل هذا، قد تتخيل قصة بوليسية تُكشف فيها الطبيعة المُصطنعة لرواية «الفتاة الخجولة» تدريجيًا على يد مُحققين مُلمين بالتكنولوجيا على الإنترنت. لكن في الحقيقة، تبدو الرواية كأنها من تأليف الذكاء الاصطناعي منذ سطورها الأولى:

«أرتدي فستانًا ورديًا، من النوع الذي يعد بالنعومة ولا يفي بها. تولهٌ هش وحاد، يلامس فروي كألف سن صغير، كعاشق قاسٍ يعض مع كل حركة. كل خدش يبقيني في مكاني، تذكيرًا لي بما أنا عليه: حيوان أليف، شيء خُلق للنظر، وللثناء، وللأمر».

إذا كانت أصوات وإيقاعات الذكاء الاصطناعي مألوفة لديك، فستتعرف عليها هنا فورًا. قد تشعر أن رواية «الفتاة الخجولة» آلية. كأن مؤلفتها فشلت في برمجة أنماطها الخاصة، تاركةً لنا الاستماع إلى موسيقى السامبا والتشاتشا المُعدّة مسبقًا. بالنسبة للكثيرين، هذا هو السبب الأوضح ضد استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات: ببساطة، لا يبدو الأمر جيدًا.

ومع ذلك، لا تكمن قيمة الرواية في أسلوبها الأدبي فحسب. على موقع أمازون، حصلت رواية «الفتاة الخجولة» على تقييم أربع نجوم من أصل خمس، بناءً على آراء مئات المراجعين. يشيد الكثيرون بفكرتها ومضمونها، وهي سماتٌ يبدو من المعقول الاعتقاد بأنها نتاج قرارات بشرية، فأحد النقاد يصف معرفته بـ«الجدل» الدائر حول الرواية، لكنه مع ذلك أعجب بها: «لقد جذبتني الفكرة». والحقيقة أن العديد من الروايات رديئة الكتابة، لكنها مع ذلك قد تلقى رواجًا لدى القراء لأن الأدب، كالموسيقى، فنٌ متسامح. فكما أن الأغنية الجيدة قد تتميز بإيقاعٍ جذاب ولحنٍ متوقع، كذلك قد ينجح العمل الروائي على بعض المستويات دون غيرها. وقد يكون النجاح الجزئي كافيًا، ما دام وجد القراء ما يلامس مشاعرهم، سواءً كان تشويقًا، أو جمالًا، أو واقعية، أو خيالًا، أو مجرد بطلٍ يتعاطفون معه ويجدون أنفسهم فيه.

إذا كانت كتابة الرواية عملية متعددة الطبقات - إذا كانت الفكرة الأساسية والحبكة والأسلوب، وما إلى ذلك، قابلة للفصل إلى حد ما - فهل يجب أن يقوم شخص واحد بصنع كل هذه الطبقات؟ لقد أجاب على هذا السؤال بالفعل كتّاب ممارسون في مختلف المجالات، والذين غالبًا ما يعملون ضمن مجموعات وفرق. جيمس باترسون، الذي ينتج رواية واحدة من بين كل 17 رواية مطبوعة تُباع في الولايات المتحدة، يفعل ذلك من خلال تزويد المتعاونين معه بمخططات ومعالجات تفصيلية، ما يجعله يدير فعليًا ما يُوصف بأنه «مصنع روايات». هو قد يشرف على ثلاثين مشروعًا في وقت واحد، وينشر خمسة عشر كتابا سنويا. هذه الممارسة تُبعده تمامًا عن عالم الأدب الروائي؛ بل قد يتساءل البعض عما إذا كان باترسون كاتبًا بالفعل. لكن توقعاتنا تختلف باختلاف السياق، مع وجود مفاهيم ضمنية نادرًا ما نُفصح عنها. فعند قراءة رواية حائزة على جائزة بوكر، نتوقع أن تكون كل كلمة فيها من تأليف الكاتب، ولكن عند قراءة المقالات الصحفية، نفترض أن الكتّاب والمحررين قد لعبوا دورا فيها. وكثيرا ما نُشيد بمنتجي المسلسلات التلفزيونية المرموقة، الذين يعتمدون على مجموعات من الكتّاب لكتابة السيناريوهات. عندما يفوز كاتب سيناريو بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي، فإن كلمة «أصلي» تعني فقط أن السيناريو ليس مقتبسًا؛ فقد يكون العديد من الأشخاص، سواء ذُكرت أسماؤهم أو لا، قد أسهموا في المنتج النهائي. ربما نكون أكثر انفتاحًا على التعاون الكتابي عندما يكون جزءًا من مشروع أكبر، مثل فيلم، وهو بطبيعته عمل تعاوني. ولكن ماذا لو كان المشروع الأكبر هو استكمال سلسلة «أليكس كروس» لباترسون، والتي بدأت منذ عام 1993، لا يمكن لأي فرد كتابة كل هذه الكتب. ببساطة، هناك حاجة إلى فريق عمل.

يبدو حتميًا أن يستخدم الكتّاب الذكاء الاصطناعي لإنشاء فرق عملهم لهم. في فبراير، أجرت ألكسندرا ألتر مقابلة في صحيفة ذي تايمز مع كورال هارت، وهي روائية رومانسية تستخدم اسمًا مستعارًا، وقد استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة مئات الروايات بسرعة، ونشرتها بنفسها على أمازون تحت عشرات الأسماء. بعد أن تُشغّل هارت نظامها، يُمكنه إنتاج مسودة جاهزة للمراجعة البشرية في غضون خمس وأربعين دقيقة تدور، على سبيل المثال، حول «مزارع يقع في غرام فتاة من المدينة تهرب من ماضيها». ورغم أن روايات هارت لم تحقق مبيعات قياسية، إلا أنها تجني «مئات الآلاف من الدولارات» بفضل طريقتها، وفقًا لتقرير ألتر. كما تُقدّم دورات تدريبية عبر الإنترنت للروائيين الطموحين في مجال الروايات الرومانسية بمساعدة الذكاء الاصطناعي. يُشير المستقبل الذي تُوحي به القصة إلى إنتاج روائي ضخم وغير شخصي، حيث يُصبح المؤلفون مُشرفين على غرف كتابة الذكاء الاصطناعي. ومن المخاطر، بالطبع، أن قراء هذا النوع من الروايات قد لا يعرفون بالضرورة من أو ما الذي شارك في إنتاج ما يقرؤونه، مما يُقوّض الفهم الضمني الذي يعتمدون عليه. شركة أمازون، من جهتها، تطلب من هارت الإفصاح عن استخدامها للذكاء الاصطناعي؛ وهي لا تفعل ذلك أحيانًا.

لكن هل الإنتاج الضخم هو الخيار الوحيد الذي يُقدّمه الذكاء الاصطناعي؟ يعتمد الكثير على أهدافك ورؤيتك. أنا موسيقي هاوٍ للغاية، وقد وجدتُ بالتأكيد أن التكنولوجيا قد زادت من إنتاجيتي. أجلس أمام حاسوبي، ولا أملك سوى لوحة مفاتيح ميدي (MIDI) صغيرة بنطاق أوكتافين، فأستطيع إنجاز خطوات التأليف بسرعة؛ بإمكاني تحميل أغنيتين جديدتين يوميًا على منصّة سبوتيفاي (Spotify)، وتأليف ألبوم أسبوعيًا. لكن هذا ليس ما أفعله. بدلًا من ذلك، أستخدم التكنولوجيا الموسيقية لمساعدتي في الوصول إلى ما أصبو إليه. لا يمكنني بأي حال من الأحوال أداء أغنياتي أمام جمهور - فأنا بالكاد أستطيع عزف بضعة أسطر على البيانو دون خطأ - لكن هذا ليس هدفي. أريد فقط أن أستمع بصوت عالٍ إلى ما يدور في ذهني. بعبارة أخرى، أريد أن أحقق رؤية.

من المفترض أن العديد من الكُتّاب الطموحين يرغبون في فعل الشيء نفسه. لديهم أفكار ويريدون تجسيدها، لكنهم لا يستطيعون؛ إنهم بحاجة إلى توجيهات، ومساعدات، ونماذج، ومسودات أولية. وبطبيعة الحال، كلما انتقل الفنانون من مرحلة الهواية إلى الاحتراف، توقعنا أن يعكس عملهم قدراتهم «الحقيقية». ولكن ما هي القدرات الحقيقية؟ من خلال شركة برمجيات الصوت «سبيتفاير»، يُقدّم المُلحّن الأيسلندي الحائز على جوائز، أولافور أرنالدز، أداة تُسمى «سيلز»، تستمع إلى ما تعزفه، وتُنشئ حوله سحابة أوركسترالية متلألئة، تتميز بـ«حركة هارمونية تتبع نغمية المُلحّن». تُساعد العديد من الأدوات المُشابهة، التي تعمل خلف الكواليس، الموسيقيين المحترفين، مما يسمح لهم بالانتقال من الأفكار الارتجالية إلى مؤلفات موسيقية مُكتملة. تبدو الأوتار المُتطورة التي تُنشئها «سيلز» رائعة؛ ربما سمعت شيئًا مشابهًا لها في دار سينما. هذا ليس ذكاء اصطناعيا - ولكنه يكاد يكون كذلك. هل دمّر جوهر الموسيقى؟

الكتابة مختلفة - قد يكون من المنطقي أن نتبنى هذا الرأي. وأنا أتفهمه. فأنا أجني رزقي من الكتابة، مما يعني أنني أعشق فكرة الكتابة نفسها، وأعشق ممارستها بنفسي، دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. لديّ إحساس عميق بماهية الكتابة الجيدة. عندما يسألني الناس عن عملي، أقول لهم إنني صحفي؛ لا أحب استخدام كلمة «كاتب» لأنني لا أشعر أنني أستحقها. لقد عملت طوال حياتي لاكتساب المهارات التي أمتلكها، وأعتبر نفسي بارعًا في معالجة المشكلات التقنية التي غالبًا ما تُعيق الكُتّاب الأقل خبرة. لكن المستويات الأعلى والأكثر إلهامًا في الكتابة - الجوانب الخيالية والفنية والملهمة - تبدو بعيدة المنال بعض الشيء.

إن احترامي لهذه الحرفة جزء من رؤية أوسع. في العشرينيات من عمري، التحقت بالدراسات العليا في الأدب الإنجليزي. وكان أساتذتي هناك قراء متعمقين بارعين. برز بعضهم، مثل ناقدة الشعر هيلين فيندلر، خلال صعود النقد الجديد - المدرسة الفكرية التي سادت في أربعينيات القرن العشرين، والتي رأت أن أفضل طريقة للقراءة هي فحص كل كلمة وعلامة ترقيم، والتساؤل عن غايتها. أما الأستاذ الذي أثر فيّ أكثر من غيره، فيليب فيشر، فقد درّسنا الروايات «الكلاسيكية» - «كبرياء وهوى» و«الإخوة كارامازوف» - وكان بارعًا في تحليل بنيتها. كان بإمكانه شرح كيفية ترابط المشاهد المختلفة، أو كيف تتشابك خيوط الحبكة وأساليب اللغة وتتفرع لتكوين المعنى.

لم يقتصر الأمر على الأفكار فحسب. فقد كانت الجامعة تضم مكتبة للكتب النادرة. أثناء تدريسي لرواية «يوليسيس»، عرضتُ على طلابي مسودات جويس المُعلّقة، فرأوا أين أضاف، في الهامش، كلمة «نعم» ثانية في نهاية مونولوج مولي بلوم. في حصة أخرى، اطلعنا على مجموعة من الكتب المصغرة المصنوعة يدويًا، والتي دوّنت فيها شارلوت برونتي وشقيقها برانويل، وهما طفلان، قصائدهما وقصصهما. أكدت هذه الأعمال الفنية أن الكتابة مشروعٌ يمتد طوال العمر، وأسلوب حياة. إنها من أسمى استخدامات العقل.

كان من السهل، لا سيما في ذلك الجو، التسليم بمفهوم معين للكتابة. كنت أعلم أنه مهما كانت طبيعة الكتابة - صعبة، غامضة، مهمة، بل «غير مستقرة» في بعض جوانب ما بعد الحداثة - فإنها تبقى مباشرة وواضحة. في الفنون الأخرى، قد يكون دور المبدع أكثر تعقيدًا، ومكانة العمل الفني أكثر مرونة. في الموسيقى، كان هناك برايان إينو؛ في الرسم، كان هناك آندي وارهول؛ في النحت، كان هناك آندي غولدزورثي؛ في السينما، كان هناك فيرنر هيرتزوغ. اعتمدت مارينا أبراموفيتش على تفاعل الجمهور في فنها الأدائي. كان جيف كونز فنانًا ومديرًا تنفيذيًا، يدير خط إنتاج. استخدم الفنانون التكنولوجيا بشتى الطرق لتطوير أنفسهم وتغيير علاقتهم بفنهم. لكنني اعتقدت أن الكلمة المكتوبة كانت بمنأى عن كل هذا. كان هناك أدب تجريبي يمكن فيه تعديل دور المؤلف؛ وفي الروايات الشعبية، يمكن أن يكون مفهوم التأليف مرنًا. ومع ذلك، ظلت الكتابة «الحقيقية» - الأدبية منها - بسيطة.

والآن، مع اختراق الذكاء الاصطناعي لحاجز الكتابة، لم يعد بإمكاننا افتراض تلك البساطة. ولكن، في الوقت نفسه، تبرز مزايا النهج التقليدي، التي لم تكن بحاجة إلى شرح في السابق، بشكل أوضح. في عالم مُعدّل آليًا أو مُصنّع بالذكاء الاصطناعي، يحمل الكمال والنقص معاني جديدة، فالعيوب البشرية التي تُعالجها التكنولوجيا تصبح مثالية بطريقتها الخاصة، والأسطح الملساء التي تُخلقها التكنولوجيا قد تبدو فارغة وخالية من الملامح. قال توماس بانغالتر، عضو فرقة دافت بانك، لمجلة وايت وول الفنية عام 2009: «علاقتنا بالتكنولوجيا متناقضة للغاية، فهي علاقة حب وكراهية قوية. لم يعد هناك حدود مع التكنولوجيا». لكنه أضاف: «لا بد لأي سلوك بشري أن يواجه نوعًا من الإحباط». فالتقنيات نفسها التي توسع العملية الإبداعية تهدد أيضًا بتعطيلها. وخلص بانغالتر إلى القول: لكي تكون فنانًا، «ما عليك تعلمه هو ضبط النفس - ضع حدودك الخاصة بك».

جوشوا روثمان يكتب عمود «أسئلة مفتوحة» الأسبوعي في مجلّة ذَ نيويوركر. وهو يعمل في المجلة منذ عام 2012.

الترجمة عن مجلة ذَ نيويوركر.