No Image
عمان الثقافي

معارك فلسفية حول الذكاء الاصطناعي في «عصر الهيمنة» الصراع الذي سيغير العالم

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

إبراهيم فرغلي -

انتقل الذكاء الاصطناعي من موقعه القديم كفكرة من أفكار الخيال العلمي، إلى واقع يمس حياة البشر على مستويات متباينة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، من مصانع السيارات بتقنيات القيادة الذاتية إلى المصانع الحربية لإنتاج مُسيّرات ذكية وأسلحة ذاتية التحكم، وصولًا للاستخدام اليومي من قبل جمهور واسع لتطبيقات مثل «شات جي بي تي»، التي يتعامل معها البعض اليوم كمرشدين ذاتيين لحياتهم اليومية.

انتقلت التقنية للعالم العربي كما حدث في أرجاء العالم، غير أن الظواهر المرتبطة بهذه التقنية ومن أبرزها، نشأة جيل يستسهل استخدام الذكاء الاصطناعي بديلًا لمهارات التفكير والإبداع والعصف الذهني، باتت تفرض علينا أن نتأملها بشكل أكثر تدقيقًا، وأن نتعامل معها بجدية أيضًا، لنتبين آثارها المستقبلية المحتملة على حياتنا وثقافتنا.

وأظن أن كتابًا مثل «عصر الهيمنة.. الذكاء الاصطناعي وشات جي بي تي والصراع الذي سيغير العالم»، من تأليف بارمي أولسون، المتخصصة في الصحافة الاستقصائية للتقنية والتكنولوجيا، يوفر لنا أرضية جيدة لفهم جوانب كثيرة حول الموضوع، وهو الكتاب الذي صدرت الترجمة العربية له عن دار آفاق بالقاهرة، بترجمة الباحث مصطفى العدوي.

اليوتوبيا مقابل رأس المال

يقدم الكتاب تأريخا دؤوبًا ومفصلًا للكيفية التي تحول بها الذكاء الاصطناعي من مجرد حلم يوتيوبي استهدف إيجاد حلول لمشكلات عويصة تواجه البشرية مثل أزمة المناخ والفقر، لتتحول أهدافه على أيدي مجموعة من محتكري صناعة التكنولوجيا إلى وسيلة تحقيق أرباح مليارية سنوية.

مؤلفة الكتاب بارمي أولسون مختصة في شؤون التقنية ووسائط التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، ولها الكثير من المقالات التي تناولت كواليس صفقات استحواذ الشركات العملاقة على الشركات الناشئة والصغيرة بهدف التحكم في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافة لتأليفها عدد من الكتب المتخصصة، وبينها هذا الكتاب؛ (عصر الهيمنة) الذي فاز بجائزة «الفاينانشيال تايمز» لكتاب العام في 2024.

ورغم ازدحام قصة الذكاء الاصطناعي بأسماء لامعة، يحتل اسمان صدارة المشهد باعتبارهما البطلين الأبرز في هذه المسيرة وهما: سام ألتمان وديميس هاسابيس. ألتمان هو السبب في ظهور «شات جي بي تي» للجمهور العام في العالم، أما هاسابيس فهو السبب في ظهوره بهذه السرعة.

تمثل قصتهما صورة مكثفة للصراع المضني حول مستقبل الذكاء الاصطناعي «الأخلاقي» عندما يقع تحت هيمنة عمالقة الصناعة؛ بل يمكن القول إن قسمًا كبيرًا من هذا الكتاب ليس سوى سرد تفصيلي لفصول ذلك الصراع.

من المختبر إلى الجمهور

تكشف هذه السردية التي توردها المؤلفة في افتتاحية الكتاب لونًا من الاختلاف المنهجي بين الاثنين، بسبب اختلاف رؤاهما المنهجية، رغم اتفاقهما على الرسالة المشتركة، وهو ما يمكن استنباطه من الاسم الذي اختاره كلا منهما للشركة التي سيرتبط اسمه بها. فبينما ارتبط اسم سام ألتمان بشركة أوبن إيه آي (Open AI) في الولايات المتحدة، فقد ارتبط اسم ديميس هاسابيس بشركة ديب مايند Deep Mind في بريطانيا.

فاسم الشركة الأول كاشف، بشكل ما، إلى أولويات سام ألتمان الذي آمن بأهمية انتقال برامج الذكاء الاصطناعي إلى الجمهور العام، بحيث يتم اختبار مخرجاتها بشكل واقعي على جمهور كبير، وبالتالي تسريع تصويب وتطوير هذه المخرجات. أما ديميس هاسابيس، فرأى أن المكان الطبيعي لبرامج الذكاء الاصطناعي هو المختبرات البحثية، و«التفكير العميق» في كيفية تطويرها لذكاء فائق بشكل آمن؛ تجنبًا لمخرجات قد تتطور إلى «هلاك البشرية» إذا أمكن لها السيطرة على البشر عند «نقطة اللاعودة».

ويكتسب مصطلحا «هلاك البشر» و«نقطة اللاعودة» أهمية خاصة في النقاشات التي دارت طويلًا بين الباحثين الأكاديميين والعلماء المتخصصين في هذا المجال؛ فوفقا للسير الذاتية لكثير من المبادرين في مجال الذكاء الاصطناعي، نجد أنهم تأثروا، بدرجات متفاوتة، إما بروايات الخيال العلمي، أو الألعاب التي تحاكي الواقع وتتيح للاعبيها السيطرة الافتراضية على عالم مماثل للواقع، أو بكتب تناقش الأثر المستقبلي للعلم حين يتجاوز سيطرة الإنسان.

سام ألتمان، على سبيل المثال، التحق بجامعة ستانفورد، وأصبح باحثًا في مختبر الذكاء الاصطناعي، وهو قسم خفي ملئ بالكابلات وأذرع الروبوتات، أعيد افتتاحه تحت إشراف عالم الحاسوب «سباستيان ثرون». وفي أثناء الدراسة عرّف ثرون طلابه على «تعليم الآلة»؛ وهي تقنية تستخدم من قبل المبرمجين لتمكين أجهزة الحاسوب من استنتاج المفاهيم من خلال عرض كميات هائلة من البيانات عليها، بدلا من برمجتها للقيام بشيء محدد. وهو مفهوم بالغ الأهمية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتستدرك المؤلفة، بارمي أولسون، مشيرة إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار أن مصطلح التعليم للآلة هنا «مضلّل» إلى حدٍّ بعيد، فالآلات لا تستطيع التفكير والتعلم مثل البشر. ثم تشير إلى فكرة ثرون التي أثرت في ألتمان بقولها إنه أوضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تتصرف بطرق غير متوقعة لتحقيق الهدف من التدريب.

فقد كان سباستيان ثرون على قناعة أنه: «إذا صمم الذكاء الاصطناعي بهدف البقاء والتكاثر فقد يقضي، دون قصد، على جميع أشكال الحياة البيولوجية». وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي «شرير»، إنه ببساطة «غير مدرك» لخطورة ما يفعله. وهذا ما جعل ألتمان يلتفت مبكرًا لأهمية التحدي للعمل على إنتاج نظام ذكاء اصطناعي لا يؤدي إلى «هلاك البشرية».

أما هاسابيس، فقد نشأ في لندن نشأة دينية، وفي السادسة عشر من عمره قرأ كتابا للفيزيائي الحاصل على نوبل «ستيفن واينبرج» بعنوان «أحلام نظرية نهائية» الذي يتناول، وفقا لأولسون؛ مسعى عظيمًا يبدو خياليًّا لإيجاد نظرية موحدة للطبيعة. فقد اعتقد واينبرج أن هناك طريقة قد تفسر جميع القوى الأساسية للكون في مجموعة واحدة من المعادلات.

انبهر هاسابيس بالفكرة ثم صُدم لاحقًا عندما تبين إخفاق العلماء في إحراز تقدم في هذا الشأن. وفكر أنه إذا استطاع جعل أجهزة الحاسوب أذكى، كامتداد ذي قدرات أكبر لعقله فربما يمكنها آنئذٍ مساعدة العلماء في الإجابة على تلك الأسئلة الصعبة.

يكشف هذان المثالان طبيعة الدوافع الأخلاقية التي انطلقت منها الأفكار الأساسية للذكاء الاصطناعي لدى الاثنين، بوصفهما من بين أبرز الرواد الذين أسهموا في بلوغ هذا المجال ما وصل إليه اليوم. لكننا نجد أيضًا نماذج مشابهة لقراءاتٍ أثّرت في شخصيات صار لها تأثير واضح في هذا المجال، من خبراء التقنية أو الممولين الأثرياء مثل إيلون ماسك وغيره؛ الأمر الذي عزّز تمسّكهم بفكرة تأمين الذكاء الاصطناعي من مخاطر خروجه عن السيطرة.

تعليم الآلة

يتتبع الكتاب بعض الأفكار الأولية في محاولات البحث عن سبل مضاعفة ذكاء الآلة. وقد بدأ بعضها من تطوير ألعاب المحاكاة، التي تقوم على تصميم عوالم خيالية مستلهمة من الواقع، وتطوير أدوار اللاعبين الذين يسهمون أثناء اللعب في بناء هذه العوالم أو هدمها.

وعلى نحوٍ مشابه لمراحل تطوير الذكاء الاصطناعي، مرّ كلٌّ من ألتمان وهاسابيس في بداياتهما بعدد من مراحل الخبرات العملية والمهنية؛ بداية من الدراسة والتخصص، إلى الانخراط في جماعات مهتمة بالتقنيات الحديثة، مرورا بتأسيس شركات تجارية في المجال أودعم شركات ناشئة لرواد أعمال شباب ممن ابتكروا تطبيقات مثل «سكايب» و«إير بي آند بي» وسواها، وصولًا إلى تجارب أخرى مروا خلالها بمراحل من الإخفاق والفشل.

في مرحلة أعقبت إغلاق هاسيباس لشركة أسسها مبكرًا وهي «إليكسير ستوديوز»، انشغل بالمفاهيم الواجب دراستها من أجل تطوير الذكاء الاصطناعي. تساءل لو أن «الدماغ» البشري هو المفتاح لإنشاء برامج ذكية مثل البشر، فهل الأمر كله يتعلق بالبيولوجيا الفيزيائية أم بشيء أكبر من ذلك؟

ووجد الإجابة في علم الأعصاب. يقول هاسيباس: «يظهر علم الأعصاب أن بإمكانك وصف الدماغ بمصطلحات آلية»، أي أنه من الممكن تلخيص تعقيد الدماغ المخيف في أرقام وبيانات ووصفه بنفس طريقة وصف الآلة. وبدأ في 2005 في دراسة الدكتوراه في كلية لندن الجامعية وكان موضوع أطروحته الرئيسي هو الذاكرة، وحتى ذلك الحين كان الاعتقاد السائد أن «حُصين» الدماغ يعالج الذكريات بصورة رئيسية، لكن هاسيباس أظهر (بمساعدة دراسات أخرى لفحوصات الرنين المغناطيسي في أطروحته) أن هذا الحُصين ينشط أيضًا في أثناء عملية التخيّل.

تشرح أولسون قائلة:«ببساطة؛ هذا يعني أنه عندما نمتلك ذكرى فإننا نتخيلها جزئيًا. لا تعيد أدمغتنا تشغيل أحداث الماضي بمجرد استرجاعها، كما لو أننا أخرجنا ملفًّا من خزانة الملفات، بل نعيد بناءها بنشاط كما لو أننا نرسم صورة». وهذا يفسر لماذا تبدو ذكرياتنا أحيانا خاطئة تمامًا.

عصر الآلة الروحية

بسبب تبين هاشابيس لمحدودية إمكانات الوسط الأكاديمي في توفير أجهزة الحاسوب القوية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي فكر في ضرورة الانتقال من الوظيفة والبحث العلمي لتأسيس مشروع تجاري، والتقى بشخصين سوف ترتبط أسماؤهم معا لاحقا بشكل كبير، وهما شين لينج ومصطفى سليمان.

كان شين لينج قد انتهى من أطروحة دكتوراه حول الذكاء الخارق للآلة، متأثرا بقراءة كتاب «عصر الآلة الروحية» لمؤلفه روي كورزويل الذي تنبأ بأن أجهزة الحاسوب سوف تطور يومًا الإرادة الحرة، وتتمتع بتجارب روحية وعاطفية.

أما مصطفى سليمان وهو أمريكي من أصل سوري لأم إنجليزية، فقد تخصص في بداية دراسته الجامعية في الفلسفة والعلوم السياسية ثم انتقل لاحقًا لدراسة علم الأعصاب، وهنا بدأت اهتماماته بمجال الذكاء الاصطناعي كوسيلة لحل أزمات معقدة مثل عدم الاستقرار السياسي وحل النزاعات.

ومع استمرار النقاشات التي دارت بين الثلاثة تبينت الاختلافات بين دوافعهم، رغم إيمانهم برسالة مشتركة. فقد تحرك ليج في دوائر تهدف لدمج أكبر عدد ممكن من الأشخاص في مجال الذكاء الاصطناعي، في حين أراد سليمان حل المشكلات المجتمعية، متأثرا بأفكار توماس هومر ديكسون مؤلف كتاب «فجوة الابتكار» الذي رأى إمكانية قيام الذكاء الاصطناعي بالتوصل لحلول المشكلات المعقدة التي لم يفلح البشر في علاجها مثل الفقر وأزمة المناخ وعدم الاستقرار السياسي. بينما أراد هاسابيس أن يخلد اسمه في التاريخ بعد أن يحقق اكتشافات جوهرية حول الكون. وهذا الثلاثي هو الذي قام بتأسيس شركة «ديب مايند».

وبين ما تشير إليه المؤلفة كعامل من عوامل أولية لتطور الذكاء الاصطناعي هو دور اللغة والمصطلحات؛ لأن إثارة الاهتمام بهذا المجال بدأت من المصطلح، الذي ظهر لأول مرة عام 1956 في ورشة عمل بكلية «دارتموث» بهدف جمع الأفكار حول الآلات القادرة على التفكير، وسبقته مصطلحات مثل «السيبرنطيقا»، و«معالجة المعلومات المركّبة»، لكن ما علق في الأذهان هو مصطلح «الذكاء الاصطناعي» الذي يعد، وفقا لما تؤكده، بين أنجح مصطلحات التسويق على مر العصور.

من الفكرة إلى التطبيق

يستعرض الكتاب الانتقال من هذه المرحلة الفكرية التي تأسست على مجموعة من القيم الأخلاقية، إلى مرحلة البحث عن التمويل اللازم، والتفاوض مع شركات عملاقة مثل شركة فيس بوك، التي قدمت عرضا قيمته 800 مليون دولار لضم شركة ديب مايند لفيس بوك، لكن هاسابيس وشريكيه رفضا العرض بسبب عدم حصولهما على التزام قانوني واضح من زوكربيرج حول الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي، بينما قبلوا بصفقة تقل عن هذا المبلغ وبلغت 650 مليون دولار من «جوجل»، عبر أحد مؤسسيها؛ لاري بيج Larry Page الذي قدم وعودًا وضمانات بهذا الالتزام.

مع ذلك، فسوف يستعرض الكتاب مسيرة طويلة من الصراعات التي خاضها في أمريكا سام ألتمان، بعد إقناع بعض المستثمرين وبينهم إيلون ماسك بالدعم، أسفرت عن إنشاء شركة (أوبن إيه آي)، كما خاضتها في بريطانيا مجموعة ديب مايند التي تبينت ثغرات قانونية وإجرائية كثيرة تجعل من التزام جوجل الأخلاقي أمرًا لا يمكن الوثوق به، خصوصًا بعد قيام الشركة بعقد صفقة مع وزارة الدفاع الأمريكية؛ غير أنها لم تستغرق سوى عام واحد بسبب الضغوط الشعبية التي تعرضت لها جوجل وجعلتها توقف الصفقة لاحقًا.

ذكاء اصطناعي متحيز!

كما تتعرض المؤلفة لمشكلات أخلاقية أخرى كشفت عنها نتائج عمل الذكاء الاصطناعي في بعض الموضوعات الخاصة بالبحث والتصنيف، من أبرزها التحيز الكبير في برمجة النظام ضد مجتمع ذوي البشرة الداكنة، التي بلغت حد عدم تمييزه بين أصحاب البشرة السمراء وبين الغوريلا، وفقا لما أوردته أولسون؛ التي تتبعت سيرة باحثة في الذكاء الاصطناعي وناشطة سمراء من أصل أريتري وتدعى «تيمنيت جيبرو»، أثارت القضية وقامت بفضح الحوار العنصري في برنامج جوجل، وهو ما أُثار فضيحة أسفرت عن حملة ضخمة ضد جوجل، وأدت إلى إقالة جيبرو أيضًا من الشركة، لكنها انتهت بحذف صورة الغوريلا من بين بيانات النظام، من دون عمل تعديلات إضافية لعلاج المشكلة الرئيسة، وكذلك تبين تحيز نظام الذكاء الاصطناعي ضد الأقليات والمرأة.

واجهت الشركة الكثير من أوجه القصور في وضوح مفهوم العدالة وبالتالي ضمان استخدام آمن للذكاء الاصطناعي. وهي ظروف تفرضها المنافسة بين الشركات العملاقة مثل جوجل ومايكروسوفت وفيس بوك على الاستحواذ على السوق.

صراع الوحوش

وفي هذا الإطار تكشف الكاتبة جانبًا من محاولات جوجل لدخول السوق الصيني وإخفاقها بسبب القيود الرقابية التي تفرضها الحكومة الصينية، وصولا إلى إغلاق الصين الباب على المحاولات الأمريكية من خلال فتح المجال للمستثمرين الصينيين واستعادة بعض العقول المتخصصة في المجال من الولايات المتحدة مما أسفر عن تأسيس عدد من الشركات الصينية من أبرزها علي بابا، وبايدو وهواوي وغيرها.

كما توضح أولسون الكيفية التي استحوذت بها جوجل وأمازون وآبل وفيسبوك على حياتنا كاشفة هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى على السوق، والتي لم تأتِ من منتج واحد فقط، بل من مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة. فقد اعتمدت شركات مثل جوجل وفيس بوك على جمع كميات هائلة من بيانات المستخدمين عبر خدمات متعددة، مما مكّنها من تطوير خوارزميات أكثر دقة وتوجيه الإعلانات بشكل فعال. كما استفادت مما يسمى بتأثير الشبكة، حيث تزداد قيمة الخدمة كلما ازداد عدد مستخدميها، الأمر الذي يجعل من الصعب على المستخدمين الانتقال إلى منصات منافسة. إضافة إلى ذلك، قامت هذه الشركات بالاستحواذ على منافسين محتملين قبل أن يكبروا في السوق، مثل استحواذ فيسبوك على Instagram وWhatsApp، واستحواذ جوجل على YouTube وAndroid Inc.

وتتبع أولسون جهود شرح الكتاب كيف انتقلت تقنيات الذكاء الاصطناعي من أبحاث أكاديمية محدودة إلى أدوات أساسية تستخدمها شركات مثل «حوحل» و«فيسبوك» (التي أصبحت جزءًا من Meta Platforms) لتحسين خدماتها وتعزيز نفوذها في السوق. ويتتبع كذلك الدور الذي لعبه التقدم في التعلم الآلي، وتوافر البيانات الضخمة، وقوة الحوسبة في تسريع تطوير الخوارزميات، مما سمح لهذه الشركات ببناء أنظمة أكثر قدرة على تحليل سلوك المستخدمين وتخصيص المحتوى والإعلانات. لذلك فإن الكتاب يربط تطور الذكاء الاصطناعي تقنيًا بالسياق الاقتصادي والتنافسي بين الشركات، مبيّنًا كيف أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر القوة والهيمنة في الاقتصاد الرقمي.

كتاب كاشف في تتبعه لجذور أحد الابتكارات التي يعد اليوم من بين أخطر ما أنتجته البشرية، وفي توضيح طبيعة المخاطر المستقبلية، في حال انتقال التقنية من أيدي مبتكريها، بسبب البحث عن الموارد اللازمة لتطوير البحث، إلى نفوذ الشركات العملاقة التي تضع الأرباح أولوية على ما سواها.

إبراهيم فرغلي روائي مصري