No Image
عمان الثقافي

جدل الكلام في تجربة نزار قباني

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

د. يوسف بن سليمان المعمري -

جدل الكلام، في تجربة نزار قباني كتاب منشور عن الدار التونسية في عام 2025، للناقد التونسي الدكتور بسام البرقاوي أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الشرقية في سلطنة عمان. جدل الكلام: كتاب يقترب من موضوعات وقضايا نقدية حديثة كالمسكوت عنه في الأدب، والمضمر، والبياض والسواد، والتشكيل البصري، والعتبات وغير ذلك، إلا أن الدكتور بسام البرقاوي -كما عرفته- دائما ما يميل إلى المصطلح العربي القديم على الرغم أنه ناقد وباحث متخصص في النقد الأدبي الحديث، بل إنه في هذا الكتاب يتناول رأسا من رؤوس الحداثة الشعرية العربية وهو الشاعر المعروف نزار قباني وما عرف عنه من كسر التابوهات أو الممنوعات. وفي الحقيقة فإن الناظر للكتاب يدرك عددا من المصطلحات تشير إلى ما ذكرناه ومن تلك المصطلحات: الصمت/السر/اللسان الصامت/العشق بلا كلمات/بلا كلام/السكوت/السكون/وراء الكلام/ ما لا يقال/العتبات/الرقابة.

اختار المؤلف ست مجادلات كلامية لكتابه، وهي ستة فصول متنوعة في موضوعاتها في الأعمال الكاملة للشاعر نزار قباني، يجمعها خيط واحد، هو جدل الكلام، وعناوينها: الفصل الأول: العشق بلا كلمات: وفيه: الرحيل إلى حي الباطنية، وأنا أخرس... وجسمك يعرف كل اللغات، وحين يصير الكلام مؤامرة، وحسبي وحسبك أن تظلي دائما سرا يمزقني وليس يقال. يدور هذا الفصل حول إشكالية اللغة مع العشق، وكأن اللغة عاجزة عن تعبير العاشق وهي بحاجة إلى بدائل، وهكذا تنشأ الجدلية بين اللغة والعشق! ، يقول نزار: «أكثر ما يعذبني في اللغة.. أنها لا تكفيك.../وأكثر ما يضايقني في الكتابة أنها لا تكتبك/أنت امرأة صعبة/أنت امرأة لا تكتب».

ويقول: «دعيني أقولك بالصمت.../حين تضيق العبارة عما أعاني.../وحين يصير الكلام مؤامرة أتورط فيها/وتغدو القصيدة آنية من حجر.../دعيني...أقولك ما بين نفسي وبيني/وما بين أهداب عيني وعيني.../دعيني..أقولك بالرمز، إن كنت لا تثقين بضوء القمر../دعيني أقولك بالبرق/أو برذاذ المطر..» ويقول: لأن كلام القواميس مات/لأن كلام المكاتيب مات/لأن كلام الروايات مات/أريد اكتشاف طريقة عشق/أحبك فيها.. بلا كلمات». وأما الفصل الثاني، فعنوانه: الرسوم والوشوم: وفيه: المرأة المتعددة واللغة الواحدة، واللون ولغة التشكيل الشعري، والأسلوب النزاري والقصيدة الراسمة؛ فهو إذن فصل يدور حول العلاقة ما بين الشعر والرسم أو الشعر والتشكيل، وقد ظهر ديوان نزار قباني: (الرسم بالكلمات) عام 1966 كما أشار إليه المؤلف، وعن هذا الديوان يقول نزار: الشعر والرسم توأمان ملتصقان ببعضهما التصاقا عضويا ومن الصعب علي أن أتصور شاعرا لا يرسم... أو رساما لا يحب الشعر... إنني أفكر لونيا... وتسمية إحدى مجموعاتي الشعرية: (الرسم بالكلمات) لم تكن مجازا»، وفي هذا الصدد يقول نزار: «أحبك جدا../وأعلم أن الكلام القديم انتهى/وأن علي الذهاب/إلى ما وراء الكلام».

وجاء الفصل الثالث بعنوان: في خطاب المقدمات: وفيه: في المصطلحات الواسمة، والكلام على الذات في خطاب المقدمات، وكذلك في هذا المبحث ثلاث مقدمات: هي مقدمة توضيحية، ومقدمة تقريضية، ومقدمة انتقادية. ومبحث بعنوان: الكلام على الكلام في خطاب المقدمات، وفيه مقدمتان: مقدمة تكوينية، ومقدمة نقدية. يدور هذا الفصل حول دلالات وجدلية المقدمات الافتتاحية التي كتبها نزار قباني في مقدمات وافتتاحيات دواوينه، ويشير الدكتور البرقاوي إلى أن هذه العادة عند نزار قباني قد بزغت عنده منذ ديوانه الأول: (قالت لي السمراء 1944)، وظلت تسري في فواتيح أعماله الشعرية والنثرية والمسرحية فلا تغيب إلا قليلا.

يفصل المؤلف أنواع المقدمات عند نزار تفصيلا مميزا، ويحللها في شرح يطول، ويوضح أن مقدماته تثير قضايا نقدية عميقة حول شعره، ومن تلك المقدمات، المقدمات الانتقادية، وتحديدا تلك التي قدمها رسالة إلى النقاد؛ ففي مقدمة ديوان: (تزوجتك أيتها الحرية)، يقول: «لست أدري، ماذا يقول الشاعر/ وهو يمشي في غابة من خناجر/أطلقوا نارهم على المتنبي/ وأراقوا دماء مجنون عامر/لو كتبنا يوما رسالة حب/شنقونا على بياض الدفاتر/ ما بوسع السياف قطع لساني/ فالمدى أزرق... وعندي أظافر)، يعلق مؤلف هذا الكتاب قائلا: «ما كنا لنقف عند هذه المقدمة خاصة وهي لا تشير إلى النقاد بالبنان إشارة صريحة، لو لم نجدها تطرح قضية شائعة في مؤلفات نزار قباني عموما، ونعني بذلك قضية الرقابة والكتابة وهي قضية تقليدية في تاريخ الصراع بين الإبداع والسلطة»، ورد في الهامش في هذا الصدد: «سئل نزار: هل ترون أن النقد أنصف نزار قباني؟ فأجاب: لأنني خلال أربعين عاما من كتابة الشعر، لم أقرأ كلام النقاد عن شعري، ولم أعمل بنصائحهم، بقيت شاعرا.. فالنقاد مثل الكميونات الكبيرة تفرغ بضائعها في منتصف الشارع حتى يتعرقل سير القصائد.. وتكسر أعناق الشعراء». ولعل بهذا التقابل بين الكتابة والرقابة بمختلف أنواعها يمكن أن ندرك طبيعة الصراع المرير الذي عاشه قباني مع المؤسسة النقدية، حتى أنه وصف أعداءه بالأقزام والسماسرة بقوله: «لأنني لا أمسح الغبار عن أحذية القياصرة/ لأنني أقاوم الطاعون في مدينتي المحاصرة/ لأن شعري كله/ حرب على المغول... والتتار.. والبرابرة/ يشتمني الأقزام والسماسرة».

وأما الفصل الرابع فجاء عنوانه: تحيا الكتابة تحيا الرقابة، وفيه: كلما جاءهم شاعر بما لا ترضى أنفسهم، الانكشارية تكلم من كان في الشعر صبيا، وطالب متزمتون بشنقه، يا نار كوني بردا وسلاما على الهوامش، والكتابة رحلة بين الشظية والشظية.

يخصص المؤلف هذا الفصل للحديث عن العلاقة المتوترة ما بين الكتابة والرقابة، ويعلق الباحث البرقاوي على مقولة نزار قباني في كتابه: «قصتي مع الشعر» بقوله: «في الوقت الذي تتشكل فيه ولادة قباني الشعرية، وفي الوقت الذي كان الشاعر يحتفل فيه بنشر ديوانه الأول، وينتظر جموع المهنئين كانت جحافل الانكشارية تتربص به ريب المنون، وتعد له ما استطاعت من قوة ورباط خيل حتى تخنق القصيدة في المهد...». يقول نزار: يا وطني الحزين/ حولتني بلحظة/ من شاعر يكتب شعر الحب والحنين/ لشاعر يكتب بالسكين...». وتناول الفصل الخامس: الأربعون النزارية: وفيه: الأربعون وما أدراك ما الأربعون، 10 رسائل إلى امرأة في الأربعين؛ والأربعون: نهاية المرأة/الجنون. الأربعون والجسد: فناء الشعر وبقاء النثر. لكم أربعونكم، ولي أربعوني. هنا يدور الجدل حول سن الأربعين، ولنا حديث عن هذا النوع من الجدل تحديدا قبل ختام المقال.

وأما الفصل السادس فجاء عنوانه: الحمق والجنون: وفيه: الحماقة والجنون: هي لباس له وهو لباس لها، وليس الأحمق كالحمقاء، جنون الحب/جنون الأدب. يدور هذا الفصل حول جدلية الحمق والجنون؛ فالحمق عند نزار ليس هو الحمق المعروف، والجنون ليس هو الجنون، يقول البرقاوي معلقا: زين نزار قباني الحماقة للناس حتى كاد يوقر في الأذهان أنها ألذ وأحلى. وزين لهم الجنون حتى خالوا أنه معلم مجنون. وفي موضوع: (ليس الأحمق كالحمقاء) الذي أشار إليه المؤلف: يقول نزار: «أحمق أنا.. حين ظننت أني مسافر وحدي/ففي كل مطار نزلت فيه.. /عثروا عليك.. في حقيبة يدي/ أعترف لك يا سيدتي/أنك كنت امرأة استثنائية/وأن غبائي كان استثنائيا». ويقول: تعجبني حماقات فاطمة../عندما تتجاوز الإشارات الحمراء/التي وضعها التاريخيون حول كلامها/وتذبحهم في خيمتهم/واحدا.. واحدا..».  احتوى الكتاب أيضا على توطئة بعنوان: مجادلة الكلام لما وراء الكلام، وخاتمة بعنوان: الكلام الذي لا يتكلم. في هذا الكتاب تكاد أن تكون المقدمة مقدمة من مقدمات الخطاب وجدله، وعلى طبيعة وسجية الدكتور بسام البرقاوي كما عرفناه إنسانا وصديقا ومتحدثا لبقا وساجعا في حديثه دون تكلف وهذه ميزة بشرية نادرة في هذا الزمن، إلا أن الكتابة العلمية التي يكتب بها لا تخلو من هذه الطرافة وكأنه ينقلنا إلى أيام الجاهلية وسجع الكهان وإلى عصر مقامات بديع الزمان.

«لو تسكتين/لو تسكتين دقيقة، لو تسكتين../كل اللغات، سوى الأنوثة، كذبة/كل البلاغة كذبة/ كل الفصاحة كذبة/كل الخطابة كذبة/كل الخطابة في سرير الحب/وقت ضائع/ومهانة للعاشقين/خلي فصاحتك القديمة، جانبا/ كل الكلام الفلسفي.. نسيته/ إلا كلام الياسمين!! هذا نزار، أما بسام فيقول: وجدنا الشاعر قد أتاح للجسم فرصة لينظم شعر الحب والحنين، وأنار للوجه سبيلا ليمارس الفتنة والغواية وهو يقرأ ما تيسر من كتاب الياسمين، وعبد للشعر طريقا حتى يطوق الشاعر لملايين السنين...». الصمت كلام بل هو أكثر من ذلك، «دعيني أقول بكل اللغات التي تعرفين والتي لا تعرفين/أحبك أنت/دعيني أقولك بالصمت/حين تضيق العبارة عما أعاني/ وحين يصير الكلام مؤامرة أتورط فيها». يعجز الشاعر من أن يحل عقدة من لسانه؛ فهو يروض الكلام فلا يرتاض ويدعو المفردات فلا تستجيب. ويسعى إلى السيطرة على اللغة فتتمرد، ويرتد إليه الكلام وهو حسير؛ ذلك أن اللحظة التي يعيشها لا ينفع معها نداء ولا طلب». يحلل المؤلف دلالة العتبات في مقدمات دواوين نزار قباني بوصفها خطابا شعريا ونقديا، وبذلك شكلت المقدمات جدلية في شعر نزار قباني، ولكن العتبات هي أيضا من مميزات هذا الكتاب في حد ذاته؛ فمن يطالع الكتاب سيدرك أهمية العتبات بوصفها مداخل مميزة للقارئ ومتنفسا ما بين فصل وآخر؛ فقد اعتمد المؤلف نظام العتبة في كتابه؛ فلا يبدأ أي فصل إلا ويبدؤه بأقوال مأثورة أكانت شعرية أم نثرية، بعضها لنزار قباني وبعضها لآخرين، وقد التزم هذا الطبع في كتابه؛ ففي الفصل الأول نقرأ لجبران خليل جبران «فالصمت والكتمان أحرى بمن يعشق». وفي الفصل الثاني نقرأ للرسام السوري وضاح السيد: «عندما أرسم أستمع لنزار قباني يتلو قصيدته ويتردد صداها في أعماقي وروحي. أرسم كما لو أنني أعيد عرض الشعر مع الألوان». وفي الفصل الثالث نقرأ للجاحظ «إن لابتداء الكتاب فتنة وعجبا». وفي الفصل الرابع نقرأ لنزار قباني: «عندما أنشر قصيدة ولا يرجمونني بسببها.. أشعر أنني مريض، وتبدأ حرارتي بالارتفاع..» وفي الفصل الخامس وهو الفصل المعنون بـــ (الأربعون النزارية)، يبدأ بالقرآن الكريم: ﴿حتىٰ إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي﴾ . وفي الفصل السادس نقرأ للأصفهاني: «أوفرغنا من شعر العقلاء حتى نروي شعر المجانين» ونقرأ لسقراط: «إن أعظم النعم تأتينا من الجنون». وهكذا شكلت العتبات أهمية للقارئ في هذا الكتاب لفهم فصوله قبل الدخول إلى قراءة مضمون كل فصل.

أقول إن هذا الكتاب مميز في فكرته وطرحه وبنائه وأنصح بقراءته، وأما ملاحظاتي فهي قليلة لا تضر جودة الكتاب وفكرته المميزة، وهي ملاحظة تتعلق باللغة الأدبية المسجوعة التي كتب بها الكتاب، ولعلها تكون لغة صعبة على الباحث المبتدئ؛ فكما أن اللغة الأدبية لها جمالية وعذوبة في قراءة الكتاب إلا إنها عند آخرين قد تكون هذه اللغة صعبة الفهم في البحث العلمي. وملاحظة تتعلق بكثرة ما أورده المؤلف في الهامش؛ مما جعل الحواشي واسعة، وكان بالإمكان أن تكون بعض الهوامش في متن النص لا في حاشيته؛ إلا أن من حسنات هذا الأسلوب، التخفيف على القارئ، وتقليل عدد صفحات الكتاب.

في كتاب جدل الكلام اتبع المؤلف ثلاثة أساليب في رسم القصائد الشعرية في النص؛ أما الأول فقد رسم القصيدة كما كتبت في الديوان بشكلها العمودي الحر وهو قليل في عموم الكتاب، وأما الأسلوب الثاني فهو أن ترد القصيدة متراصة الجمل على أن يفصل بينها بشرطة مائلة وهو الأسلوب الغالب، بالإضافة إلى ذلك فإن بعض النصوص ترد في الهامش دون ذكرها في المتن، والأسلوبان الثاني والثالث جعلا النص الشعري على غير ما رسم به في الديوان؛ إلا أن من إيجابيات الأسلوبين -كما ذكرنا- صارت صفحات الكتاب أقل عددا؛ بالإضافة إلى ذلك فإن القارئ سيتمكن من مطالعة النص ولو كان طويلا في الصفحة نفسها التي تم فيها التحليل النقدي. 

د. يوسف بن سليمان المعمري أستاذ الأدب والنقد المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الشرقية.