د.أنس الحجي: ما يحدث في هرمز يتجاوز الطاقة إلى قلب الصناعة والتكنولوجيا
15 أبريل 2026
15 أبريل 2026
حاورته: رحمة الكلباني -
أحدثت الوقائع المتسارعة في الخليج والمواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ضغطا يوميا واضحا في الأسواق العالمية تسبب في إعادة رسم ملامح الإمدادات والتجارة العالمية، ومع تعطل التدفقات عبر مضيق هرمز لم يعد الحديث مقتصرا على حجم الصدمة فقط، بل بعمقها واتساع نطاقها ليشمل ما هو أبعد من النفط.
وفي هذا السياق، أجرت «عُمان» حوارا مع خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي؛ لقراءة أبعاد الأزمة الراهنة وانعكاساتها على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتحولات التي بدأت تتشكل في مفهوم أمن الطاقة عالميا.
وتناول الحوار أبعاد الأزمة من زوايا متعددة بدءا من دور مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق رئيسة في الاقتصاد العالمي مرورا بتداعيات تعطل تدفق المواد الحيوية مثل: الهيليوم والبتروكيماويات على صناعات متقدمة كأشباه الموصلات، ووصولا إلى التحولات المتسارعة في مفهوم أمن الطاقة الذي يشمل سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والأمن القومي للدول.
وفيما يلي نص الحوار:
برأيك، كيف تعيد المواجهة المباشرة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تشكيل خريطة أمن الطاقة العالمي عمليا مقارنة بما حدث خلال حرب الخليج أو الحرب الروسية الأوكرانية؟
يمكن القول إن هذه أكبر أزمة يواجهها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، ولا يماثلها أي أزمة سابقة، حتى أنها أكبر من المقاطعة التي حدثت في عام 1973، ومن الثورة الإيرانية، وأكبر من الحرب العراقية الإيرانية، وأكبر من غزو العراق للكويت، وحرب الخليج التي تلتها، وأكبر من الاحتلال الأمريكي للعراق، وأكبر من الغزو الروسي لأوكرانيا.
ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسة وهي: أولا، كمية الإمدادات المتوقفة كبيرة جدا مقارنة بكل ما حصل في الماضي، وثانيا، أن الأمر لا يتعلق بالنفط فقط بل أيضا بالهيليوم والأسمدة والميثانول والمنتجات النفطية والغاز المسال وغازات البترول السائلة والبتروكيماويات والألمنيوم وغيرها، وثالثا، الأثر في هذه الحالة يعد عالميا ويتعلق بكل الأنشطة الاقتصادية الصناعية والزراعية والسياحية.
وكنتيجة لذلك، لن تنظر الدول الآسيوية -على سبيل المثال- للإمدادات من الخليج على أنها آمنة، فمِن ثَم ستحاول تنويع وارداتها، كما أن التكاليف سترتفع، خاصة تكاليف التأمين.
إلى أي مدى أثبتت التطورات الأخيرة أن مضيق هرمز يمثل «عنق زجاجة» حقيقيا للنظام الاقتصادي العالمي، وليس فقط لسوق النفط؟
إضافة إلى المواد التي ذكرتها سابقا، فإن توقف مئات السفن على طرفي المضيق لفترة طويلة أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن عالميا حتى في الأماكن البعيدة التي لا علاقة لها بالمنطقة على الإطلاق، وهذا أفضل مثال على الأثر العالمي لعنق الزجاجة هنا، لكن المشكلة أن بعض الآثار لن تظهر على المدى القصير وستظهر لاحقا حتى لو انتهت الحرب.
وقد أدى توقف صادرات الأسمدة من دول الخليج إلى أزمة حادة تهدد الإنتاج الزراعي في العديد من الدول، ولا سيما في الهند وعدد من الدول الإفريقية. وبلغ الأمر حد إصدار الأمم المتحدة تحذيرا رسميا من خطر حدوث أزمة غذائية في بعض هذه الدول. ولا تقتصر مشكلة الأسمدة على توقف الصادرات الخليجية فحسب، بل تمتد إلى مصانع إنتاج الأسمدة في عدد من الدول -وخاصة الهند وباكستان وبنجلاديش- التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغاز الطبيعي والغازات السائلة (مثل الغاز الطبيعي المسال) من دول الخليج لتشغيل عملياتها.
كيف غيّرت هذه المواجهة مفهوم «أمن الإمدادات» ليشمل سلاسل التكنولوجيا وأشباه الموصلات، وليس قطاع الطاقة فقط؟
لا يمكن تصنيع أشباه الموصلات، خاصة المتقدمة منها واللازمة للذكاء الاصطناعي، بدون غاز الهيليوم، ثم إن نحو 35 من تجارة الهيليوم في العالم تمر من خليج هرمز وأغلبها يذهب إلى آسيا، و70% من واردات كوريا الجنوبية وتايوان يأتي من قطر، بينما تبلغ تلك النسبة 54% للصين، و50% للهند و33% لليابان، وشركات تصنيع أشباه الموصلات الكبيرة لديها خزين لمدة ثلاثة أشهر، ولكن مخزون الشركات المتوسطة والصغيرة بدأ ينفذ. ولهذا فإن استمرار الحرب وإغلاق المضيق سيكون ضربة قوية لصناعة أشباه الموصلات الآسيوية وكل ما يعتمد عليها من حواسيب وسيارات، وغيرها.
أخيرا، وبشكل عام كيف تقرأ أهم آثار أزمة مضيق هرمز في أسواق الطاقة العالمية على المديين القصير والبعيد؟
أهم وأخطر نتيجة تؤثر سلبا في دول الخليج هو قيام حكومات الدول المستهلكة بربط مصادر الطاقة بالأمن القومي وتبني سياسات بناء على ذلك.
وأحد أبرز أسباب لجوء الصين إلى ربط موارد الطاقة بالأمن القومي هو تعرضها للحروب التجارية والرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية، إلى جانب استخدام الولايات المتحدة للنفط والغاز الطبيعي المسال كأدوات في سياستها الخارجية والتجارية.
وقد أدركت دول الاتحاد الأوروبي وكندا المأزق الذي وقعت فيه بسبب الحروب التجارية التي شنها الرئيس ترامب، ورغبته في السيطرة على جرينلاند، وتهديداته بقطع إمدادات الغاز الطبيعي المسال عن أوروبا. وفي هذا السياق، استخدمت الولايات المتحدة الغاز المسال سلاحا سياسيا، مما دفع دول الاتحاد الأوروبي وكندا إلى التفكير بالطريقة نفسها التي اتبعتها الصين: ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي. ونتيجة لذلك، بدأ الاتحاد الأوروبي يتجه نحو تقليل اعتماده على واردات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، لأسباب بيئية وأمنية على حد سواء. ومن هذا المنطلق، شهدنا عودة قوية لبعض الدول إلى الطاقة النووية، بينما تسعى دول أخرى إلى تقديم إعانات ضخمة لبناء مزارع الطاقة الشمسية، وتوربينات الرياح البحرية، مع التركيز الشديد على تقنيات تخزين الطاقة (البطاريات). ورغم أن هذه المشاريع غير منطقية اقتصاديا وماليا في كثير من الحالات، إلا أن مثل هذه الانتقادات تفقد قيمتها أمام اعتبارات الأمن القومي. وكان هذا التوجه قائما حتى قبل الأزمة الحالية. أما أزمة مضيق هرمز التاريخية، فمن المتوقع أن تعزز هذا الاتجاه بشكل كبير، وتدفع الدول إلى تسريع ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي، والتركيز على تنمية المصادر المحلية، خاصة الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين، بالإضافة إلى تسريع انتشار السيارات الكهربائية أكثر من أي وقت مضى. المشكلة أن العديد من الدول ستحذو حذو الصين وأوروبا نتيجة ما يجري حاليا، مما يعني «عولمة» النموذج الصيني في ربط الطاقة بالأمن القومي. وهذا بدوره سيؤثر سلبا على الطلب العالمي على النفط والغاز التقليديين، وسيضر بالدول النفطية على المدى المتوسط والبعيد.
خلاصة الأمر يمكن أن نقول أن إغلاق مضيق هرمز -أو التهديد المستمر بإغلاقه- يصب في مصلحة الولايات المتحدة على المديين القصير والبعيد، رغم أنه سيكون مكلفا على المدى القصير بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم الناتج عن ذلك. أما الفوائد الاستراتيجية على المدى الطويل فتفوق التكاليف بكثير. أحد أهم نتائج هذه الأزمة هو تعزيز فكرة ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي لدى أغلب الدول. وهذا سيؤدي إلى إضعاف التجارة العالمية في الطاقة، حيث ستركز الدول على تطوير مصادر طاقة محلية مكلفة. وبالتالي، سيشهد العالم ارتفاعا في تكاليف الطاقة في معظم الدول، باستثناء الولايات المتحدة، على مدى العقود القادمة. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الولايات المتحدة، كما جاء صراحة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي نُشرت في شهر نوفمبر الماضي: توفير طاقة رخيصة وموثوقة للشركات الأمريكية، وجعل أسعار الطاقة مرتفعة على الشركات في الدول المنافسة.
