ثقافة

يوسف الكمالي في «مسائيون».. جمع لشتات شاعر

06 أبريل 2023
رحلة بين دفتين
06 أبريل 2023

في عالم التواصل الاجتماعي من السهل أن يبرز المميز في الطرح عموما، وإن شاب هذه القاعدة كثير من النقد حول مفهوم «المشهور»، إلا أنني لا أقف هناك على سبب واحد يجعل المرء مشهورا إنما سبب عام، يدخل فيه ذو المحتوى المضحك، ويدخل فيه صاحب التميز في الكلمة والبوح، وعوامل أخرى كثيرة.

استهلال هذا المقال يمهد الحديث عن شاعر عماني سطع نجمه في السنوات الأخيرة، إذ ظهر واحدا من نجوم مواقع التواصل الاجتماعي بقصائده العذبة التي تلامس الإحساس أولا، عرف يوسف الكمالي بشعره العاطفي الذي انتشر انتشارا واسعا في الوسط الاجتماعي المحلي، ويمكننا القول كذلك في الوسط الاجتماعي الخليجي، وربما العربي، ليكون اليوم واحدا من شعراء سلطنة عمان التي أصبحت كلماته تتردد وأشعاره تُغنى في الكثير من الأغنيات الوطنية وكثير من المناسبات الاجتماعية.

عنونتُ المقال بـ «جمعٌ لشتات شاعر»، وذلك لأنني فور معرفتي بإصداره للمجموعة الشعرية «مسائيون» حرصت على اقتنائه، وربما بين إشهار الإصدار واقتنائه بون شاسع من الوقت، ولكنه اليوم بين يدي، ومحور حديثي.

تصفحت بداية المجموعة -الصادرة من دار النشر الكويتية «مجرة للنشر والتوزيع» التي تقع في 74 صفحة من القطع المتوسط- لأجد كثيرا مما باح بها الشاعر الكمالي قد سمعته سابقا في مقاطعه المنتشرة، سواء المسجلة خصيصا في حسابه على منصة الإنستجرام، أو ما باح به في أمسيات شعرية، أو في جلسة بين أصدقائه، فربما خشية من ضياع تلك النصوص، رغم حفظها في منصة للتواصل الاجتماعي، إلا أنه وكما يقال «التقنية غير مضمونة!»، فجاءت هذه المجموعة لتحتضن 25 قصيدة دارت في محاور عديدة أبرزها العاطفية، وربما اشترك كذلك في كتاباتها في وقت «المساء» فهو الشاعر المدافع عن المسائيين ويرى فيهم بذرة إبداعية تميزهم عن غيرهم -كما قال هذا في برنامج إذاعي- وكذلك جاءت «مسائيون» عنوانا لقصيدة من قصائده التي لم تُصدَّر أولا في المجموعة بل جاءت بين الصفحات الداخلية في دفتي هذه المجموعة المميزة.

بدأ الكمالي بمقدمة تفيض بالشعر المتحرر من الأوزان والقافية، وهذا يذكرني بقول أحد الأصدقاء: إن الشاعر إن جرَّب كتابة نص نثري سيكون أكثر إبداعا من كتاب النثر لأنه مبدع وقد تحرر من سطوة الأوزان والقافية، وجهة النظر هذه قد تجانب الصواب أو الخطأ، ولكن فيما قاله الكمالي في مقدمة إصداره إبداع قد يثبت هذه المقولة.

يقول الشاعر يوسف الكمالي في مقدمة مجموعته الشعرية: «إهداء.. إلى كل صديق طرقَ السماءَ والباب واللغة حتى أيقظ في عينيَ الشمسَ والطَّريقَ والمعنى.. إلى كل فقد يجعلنا مسائيين، ويعلمنا حكمة العودة بلا حنين.... إلى حبيبي «بدر» كلما فزع من أعماق السرير وصرخ أبي بابا... إلى هذه اللحظة التي أقف فيها على رصيف الشارع السريع، أشعل مصباح الخطر، وأقف إلى جانب المطر، لأغزل من البرقٍ سحابا ومن الشوق نصا وكتابا».

أخذتُ أُبحر في قصائد المجموعة، بداية بنصه «مشيٌ بالشاعر الداخلي للعمر»، ثم «عودة بلا حنين» التي انتشرت في أوساط التواصل الاجتماعي، حاملة معنى الصداقة في مفهوم الشاعر يوسف الكمالي، إذ يقول في هذا النص:

في الموعد الليلي

مِلْء غيابه

حضر الجميع

بعطره وثيابه

والبدرُ

ينقصه مساءٌ واحدٌ

ورصيفُ هذا البحر

دونَ تُرابِهِ

كل يكابر

عن فراغ فادح

ويقول للأشواق:

لستُ بآبهِ !

عُدنا

وفي الذكرى «ثلاثة أشهر»

عُدنا وغاب الحبُّ عن أحبابه

عدنا

تكفّر للغياب ذنوبه

حيث التقينا...

قبل أن نشقى به !

مَن عَلَّقَ الأقفال

فوق قلوبنا

حتى يعلقنا برحمةِ بابِهِ؟

أفديك يا ملح الصداقة

لا تسل

هذا الرحيل المر

عن أسبابه

قد يُصبحُ الأصحابُ

أكثر غُربةً

يا من يرى الأوطان

في أصحابه!

وهنا ترك الشاعر محطة فسيحة من الانتظار في فضاء مليء بالتساؤلات عن مفهوم الصداقة، وما هو التعلق، وما هي المحبة، وكيف تتبدل المشاعر، وكيف توثق أكثر، هي وجهة نظر إنسانية في قالب موسيقي شعري مقرون بعذب الكلمات، وهكذا يأخذنا الكمالي من محطة إلى أخرى في مجموعته الشعرية، فنقف بين عناوينها التي منها ما كنا قد سمعناه من قبل، من ذلك قصيدة «أعزني وأذله» التي يتحدث فيها عن مكانة نفسه الأبية، تلك النفس التي زعزعها ذات يوم التعلق إلا أنه انفك بقوة وبأس شديدين، فيقول في خاتمتها:

ويدي لمن أهواه: دربٌ أخضر

يفدي به جبل الزمان

وسهله

أما «السبيل إلى وصالك»

لم يعد يغري ضياعي أو خطاي

فقل له

إن شاء

أن يأتي بقلبك... صاغرا

«يا من هواي أعزني وأذله»

وأما القصيدة التي اختارها لتكون عنوان مجموعته «مسائيون» فيقول فيها الكمالي:

مسائيون

دون فم وراح

ولا قمر....

يطل من الجراح!

ولا سر نبوح به

ولكن نسير..

من المساء إلى الصباح

لنشرب

من فراغ الوقت شايا

ونأكل

من صديق مستباح !

فقل لبياض قلبك:

أي غيم سيعصمه البياضُ

من الرياح؟

ويعد هذا الإصدار هو الثاني للشاعر يوسف الكمالي، فكان الإصدار الأول بعنوان «الصادق المفضوح» وقد طبعت منها طبعتان وتضمن الإصدار الأول 84 نصا شعريا متفاوت الطول، وفي كلا الإصدارين يثبت يوسف الكمالي أنه شاعر متمكن قادر على صنع الدهشة وكسب الجمهور واستمالة عواطف الناس نحو كلماته.