facebook twitter instagram youtube whatsapp
00211
00211
ثقافة

والآن ماذا يحدث لتركة فيليب روث؟

08 يونيو 2021

ألكسندرا أولتر ـ جينيفر شوسلر - ترجمة: أحمد شافعي -

كثيرا ما كان فيليب روث يمزح في أواخر حياته، قائلا إن في انتظاره نائبتين كبريين: موت وسيرة ذاتية. «ولنأمل أن تأتي الأولى منهما قبل الثانية» كما قال في حوار معه سنة 2013.

فيليب روث هو مؤلف «الرعوية الأمريكية» و«شكوى بورتنوي» وتسعة وعشرين كتابا آخر، ولكنه لم يعش ليقرأ سيرته الذاتية التي فوض (بليك بايلي) لكتابتها. لكنه قطع مسافات هائلة في صياغة تركته الأدبية. ففي السنوات السابقة على وفاته في 2018، أجرى روث حوارات وأحاديث مع بايلي امتدت لمئات الساعات. كما أذن له حصريا بالاطلاع على كنز دفين من الوثائق والكتابات غير المنشورة كانت بمثابة خريطة طريق حميمية مفصلة ثرية ارتجى روث أن تمهد لسرد حاسم لحياته.

ولكن لعل جهود روث للسيطرة على سمعته في ما بعد وفاته قد أفضت إلى نتائج معكوسة. في أبريل، بعد أسابيع من نشر كتاب بايلي، وجه العديد من النساء لبايلي اتهامات بسوء السلوك والتعدي، مما أدى بناشره (دبليو دبليو نورتن) إلى إيقاف شحنات من السيرة ثم إلى إيقاف طباعتها. (وقد أنكر بايلي الاتهامات). وفي مايو اشترى الناشر المستقل سكايهورس الكتاب وأعلن عن عزمه إطلاقه في طبعة شعبية هذا الشهر.

وفي حين أن بايلي قد عثر على ناشر جديد، فإن السيرة نفسها باتت مرتبطة ارتباطا لا ينفك بحالة من الجدل. فالاتهامات التي يواجهها أبرزت حديثا موازيا عن معاملة روث للنساء، مما أضاف وقودا إلى نار الأسئلة المحيطة بما إذا كان سرد بايلي لعلاقات روث الجنسية والعاطفية مفرطا في تعاطفه وتهوينه.

قال العديد من أصدقاء روث إنهم آسفون لانتشار الجدل المحيط ببايلي من الكاتب إلى الكتاب.

فقال جويل كوناروي ـ وهو كاتب وصديق على مدار عقود لروث ومنفذ وصيته السابق ـ إنه «من العار أن يرتبط روث بما حدث» وأضاف أن «ما يزعج البعض منا هو تأثير هذا على سمعة روث».

وأعرب بعض معارف روث عن خيبة أملهم من تركيز السيرة المكتوبة بتفويض من روث تركيزا كبيرا على حياته الخاصة، لا على أدبه.

كلوديا روث بيربونت، وهي صديقة لروث، وليست من أقاربه، ومؤلفة كتاب «روث طليقا» الصادر في 2013، وهو دراسة لكتبه تعتمد على حوارات مسهبة مع الكاتب. قالت بيربونت إن «ذلك قد يلطخ اسمه، لبعض الوقت القادم، وهذا محزن. ونحن نود أن توجد سيرة جيدة لفيليب روث تتحلى بالمسؤولية وتتناول من الأمور ما لا أثق أن سيرة بايلي تناولته على أي حال».

يقول بعض الذين كانوا مقربين من روث إن الكتاب فشل في جوانب محددة. فقالت كارو ليولين ـ الكاتبة التي التقت بروث في جنازة جون أبدايك سنة 2009 ـ إن بايلي أساء عرض علاقتها العذرية بروث.

يشير إليها بايلي في سيرته باسم مستعار هو مونا. ويصف ما كان بينها وبين روث من انجذاب. لكن ليولين قالت إن المشهد الذي وصفه بايلي لم يحدث قط. «فأنا وفيليب لم نتحامق قط» حسبما قالت ليولين التي كتبت عن علاقتها بروث في سيرتها المنشورة سنة 2019 بعنوان «الغوص في الزجاج».

قالت ليولين ـ التي أنكرت أن يكون بايلي قد أجرى معها حوارا ـ إن أكثر ما ساءها هو ما أغفلته السيرة، بما يعطي انطباعا بأنها كانت شخصية هامشية في حياة روث، وهو ما لم ينطل على أحد. «فحميميتي مع فيليب لم تتوافق مع القصة التي حاول بليك أن يكتبها».

في رسالة إلكترونية من بليك بايلي، قال إنه استند في وصف علاقتهما على معلومات حصل عليها من روث الذي «كان ينزع إلى الصدق» مضيفا أن «المعلومات لم تكن مؤذية، فضلا عن حماية هويتها باسم مستعار». ورفض النقد القائل بأن كتابه أكثر تركيزا على علاقات روث الحميمية وينتقص من النساء في حياته.

لن يكون كتاب بايلي هو الكلمة الأخيرة. ففضلا عن سيرة كتبها الناقد الأدبي إيرا نادل وصدرت في مارس (دون ترخيص من روث)، ثمة المزيد من الكتب في الطريق منها سيرة بقلم ستيفن زيبرشتاين الأستاذ في جامعة ستانفورد، و«فيليب روث الذي لا نعرفه» لجاك برلينربلاو الأستاذ بجامعة جورجتاون.

لكن باحثين وكتابا يتخوفون من أنه لن تتاح لأحد آخر قراءة الأوراق الشخصية التي تمكن بايلي من قراءتها والاعتماد عليها. في مايو، أصدر 23 منهم بيانا يلتمسون فيه من الأوصياء عدم تدمير الأوراق كما أعلنوا أنهم قد يفعلون و«إتاحتها فورا» للباحثين.

وجاء في البيان أن «كاتبا في قامة فيليب روث يستحق روايات عديدة لحياته اتساقا مع ما ينطوي عليه فنه من فوارق وتعقيد».

قالت آيمي بوزورسكي ـ المحررة التنفيذية المشاركة لمجلة «دراسات فيليب روث» الأكاديمية ـ والتي كتبت البيان مع برلينربلاو إن «أعمال روث شاهدة على نفسها، ولكنها سوف تحمَّل دائما بحواش من قصة بليك بايلي. ولو أن القائمين على وصية روث ملتزمون بحماية تركته، فيجب أن تتاح هذه المادة لمزيد من الناس لإضافة طبقات إلى الحوار، بحيث لا يتوقف عند فكرة أن روث كان كارها للنساء».

مصير المواد التي أعطاها روث لبايلي غير واضح. فقد وفر له روث مئات الوثائق، المشفوعة بمذكرات تفصيلية توضح أهمية كل ملف. ومنحه أشرطة وأسطوانات مدمجة تضم حوارات أجراها أصدقاء مقربون، منهم جوديث ترومان، وجانيت مالكوم، وروس ميلر الذي كان أول مفوض من روث لكتابة سيرته وعمل في ذلك سنين قبل أن يستبعده روث من المشروع لاستغراقه وقتا أطول مما ينبغي وعجزه عن إجراء بعض الحوارات المحورية.

كما أعطى روث لبايلي نسخا من مخطوطات غير منشورة، منها 295 صفحة بعنوان «ملاحظات إلى كاتب سيرتي» يفند فيها السيرة التي أصدرتها زوجته السابقة كلير بلوم سنة 1996، ومنها أيضا رد بعنوان «ملاحظات حول ناشر الافتراءات» فند فيه ملاحظات وحوارات جمعها روس ميلر.

يرجح أن يؤول بعض هذه المادة إلى مكتبة الكونجرس التي تقتني الكم الأكبر من أرشيف روث. ولكن بعضها ـ ومنه «ملاحظات إلى كاتب سيرتي» ـ قد لا يرى النور مرة أخرى.

في حوار سنة 2012 قال روث إنه طلب من القائمين على وصيته الأدبية تدمير أوراقه الخاصة بعد إنهاء بايلي كتابه. وقالت جوليا جوليير ـ وهي من هؤلاء الأوصياء ـ لمجلة نيويورك تايمز في مارس إن الأوصياء قد يفعلون ذلك حقا. غير أن الأوصياء صامتون منذ نشر السيرة وما لحقها من فضيجة. حيث امتنعت جوليا جوليير وشريكها في الوصاية الوكيل الأدبي آندرو وايلاي عن التعليق على الخطط المتعلقة بالأوراق.

يذهب المنادون بإتاحة الأوراق التي أتيحت لبايلي إلى أنها لو وقعت بين يدي شخص آخر فقد يستنبط منها آراء مختلفة تماما عن علاقة روث باليهودية أو السياسة أو المال أو المرض. قال نادل «إنها مادة أساسية مرتبطة بكاتب أمريكي أساسي».

فضيحة بايلي والاتهامات الموجهة لديه تثير قضايا أخلاقية متشابكة منها تساؤل البعض عما إذا كان سحب الناشر للكتاب له ما يسوغه. أما الأسئلة المحتدمة المتعلقة بمدى أحقية الكتاب ـ أو منفذي وصاياهم ـ في تحديد ما يراه الناس منهم فأسئلة قديمة قدم السير الذاتية نفسها.

فجميع الكتاب والأوصياء يحددون ما يضعونه في الأراشيف، وما يحتفظون به لأنفسهم أو يدمرونه. وليس نادرا أن تبقى الرسائل والمواد الشخصية لعقود بعد وفاة أصحابها غير متاحة في الأراشيف حماية لخصوصية أصحاب الأراشيف أو أشخاص آخرين.

لكن التاريخ الأدبي ممتلئ أيضا بخيانات، إذ تنكر المعهود إليهم بتنفيذ وصايا الكتاب لرغباتهم. فماكس برود خالف أمر فرانز كافكا بإحراق مخطوطاته غير المنشورة ويومياته. وتوجيهات فلاديمير نابوكوف وفيليب لارن بتدمير مخطوطاتهم غير المنشورة تعرضت لتجاهل ورثتهما الذين لم يكتفوا بالمحافظة عليها بل وقاموا بنشرها.

أما توجيهات روث نفسه فغير واضحة. ولأصدقائه آراء متباينة في ما إذا كانت عواقب نشر السيرة قد تغير هذه التوجيهات، وإن كان بعضهم يستبعد أن روث كان ليفضل إتاحتها فورا حسبما يطالب البعض.

قال برنارد أفيشاي ـ وهو من أصدقاء روث المقربين ـ إن «أعصاب روث ما كانت لتحتمل تصور قيام أي شخص بالتنقيب واختيار ما يحلو له».

قالت جوديث ثورمان ـ كاتبة السير والمحررة في ذي نيويوركر ـ إن منفذي الوصية أمام خيار مستحيل. «نحن لا نعرف هل كان ليرغب في منح شخص آخر فرصة العمل من جديد، ولا نعرف أي شخص آخر كان ليختاره» مضيفة أنها تعارض تدمير أوراقه لشخصية. قالت «أنا ضد تدمير أي شيء».

استثمر روث الكثير في الاحتفاظ بمساره الورقي. فبدأ إعطاء أوراقه لمكتبة الكونجرس في السبعينات، فتراكم لدى المكتبة نحو 25 ألف وثيقة تغطي ما بين عامي 1938 و2001، منها مراسلات مع بلوم وأبدايك وسول بيلو وسينثيا أوزيك. وبعد وفاة روث اشترت المكتبة المزيد من الأوراق، فمنها مراسلات، ومسودات، وملاحظات بحثية، وملاحظات سيرية، ومواد أخرى شخصية.

والمشتريات الأخيرة ـ قرابة خمسة عشر صندوقا تغطي الفترة من 1945 إلى 2018 ـ لا تتاح إلا بإذن من الأوصياء على روث وذلك حتى سنة 2050 التي ستتاح الأوراق فيها للجميع، بحسب ما قالت باربرا بير المتخصصة الأدبية في قسم المخطوطات بالمكتبة. وقالت «إننا نرجو ضم أي مواد إضافية لدى السيد بايلي أو غيره إلى المكتبة، ولكن لم تنته الترتيبات اللازمة».

في الوقت نفسه، تحرك الأوصياء بجدية للسيطرة على إتاحة مواد روث الموجودة في جامعة برنستن إذ اشترتها الجامعة سنة 2018 من بنيامين تيلور صديق روث. وتضم الأوراق نسخة من «ملاحظات على ناشر الافتراءات»، ومقالات غير منشورة في مواضيع مثل المال والزواج والمرض، وقائمة بعلاقاته مع النساء، مع تعليقات.

الطبيعي أن تكون إتاحة مواد الأراشيف محكومة باتفاق مع المتبرع، وليس الشخص الذي أنتج تلك الوثائق. في 2018، أعلنت برنستن أن المجموعة متاحة للباحثين، لكنها أغلقت في ما بعد ورفعت من دليل المقتنيات المتاح على الإنترنت.

وأصاب ذلك المنع الباحثين العاملين في كتب عن روث بالذهول. وقال متحدث باسم الجامعة إن «المناقشات مستمرة» مع أوصياء روث فيما يتعلق بالمجموعة.

والأرجح أن لروث مواد لم تظهر بعد على السطح. فقد قال أصدقاء للكاتب إنه كان كثيرا ما يبعث إليهم مخطوطات ومسودات أولى من روايات، ووثائق يمكن أن توفر رؤى لكيفية تطور أعماله.

في 2020، باع كوناروي نحو ستين رسالة لروث عبر دار مزادات بونهام. وقال إن لديه مائة رسالة أخرى من روث يخطط لإعطائها لأرشيف أو لمكتبة، قد تكون مكتبة نيوارك العامة التي تبرع لها روث بسبعة آلاف من كتبه يحمل الكثير منها تعليقات منه. ومن المخطط أن تتاح المجموعة للاطلاع في هذا الشهر.

وبرغم تخوف باحثين من مصير أوراق روث الشخصية، فالبعض متفائل حيال مستقبل دراسات روث، إذ يبحث مزيد من الباحثين في حياته وعمله. قال نادل ـ مؤلف كتاب «فيليب روث: حياة مضادة» إن «القصة يقينا لم تنته بعد، والأرشيف لم يزل يتنامى».

نشر التحقيق في جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 4 يونيو 2021

أعمدة
No Image
هوامش... ومتون : شبّاك لميعة
عبدالرزاق الربيعيحين بلغني خبر رحيل الشاعرة لميعة عباس عمارة في سان دييجو الامريكية عن٩٢ سنة، فإن أول شيء فعلته هو إرسال تعزية إلى الصديق غيلان نجل الشاعر بدر شاكر السياب التي كانت زميلة والده في دار المعلمين العالية- كلية الآداب بجامعة بغداد، وملهمته، ومرّ ذكرها بشكل غير مباشر في...