ثقافة

«نفحات الربيع»..قصائد مرصعة كالتبر في سلك البيان

04 مايو 2023
وفاة الشاعر أحمد بن منصور البوسعيدي:
04 مايو 2023

يرحل الشاعر عن الحياة، ويبقى شعره شمعة تضيء الوجود الثقافي، وعن عمر ناهز الثمانين عاما، رحل الشاعر الأديب أحمد بن منصور بن مبارك البوسعيدي أمس، بعد حياة قضاها في محبة الأدب ونظم الشعر، وخدمة الوطن في عمله الوظيفي، تاركا ديوانا شعريا بعنوان: «نفحات الربيع»، صدر عن دار رؤى الفكرية 2017م، يتضمن قصائد من شعر القافية، كتبها في مناسبات كثيرة، عاشها الشاعر وعايش أكثرها في القرية، ولد الأديب أحمد عام 1360هـ، في قرية «الفيقين» بولاية منح، ودرس كغيره من أترابه على يد المعلم عبدالله بن زهران البوسعيدي.

وفي تقديمه للديوان كتب الباحث خلفان بن سالم البوسعيدي كلمة ذكر فيها أن الأديب أحمد: أخذ علوم اللغة العربية من الشيخ القاضي يزيد بن خالد البوسعيدي، كما قرأ في كتب الفقه، وعرف عنه حفظه للقرآن الكريم، وطرق في أشعاره أنواعا كثيرة من أغراض الشعر، منها في المناسبات الدينية، والمديح والحكمة والحماسة والعتاب والرثاء والتاريخ والمراسلات الشعرية مع الشعراء.

وفيما يشبه النقد، يكتب خلفان البوسعيدي في تقديمه لديوان نفحات الربيع، محتفيا بشعر الراحل الشيخ أحمد البوسعيدي: تخرج غرر قصائده مرصعة كالتبر المنضود، في سلك من البيان، فهو ينتقي درر ألفاظها، ويصوغها صياغة أدبية، بل ويسبك ألفاظها في قالب شعري بديع، وهذا يدل على ذوق أدبي رفيع، كما تحتوي قصائده على صور بلاغية، وتشبيهات لطيفة، وحكم وأمثال، وله حب عميق في جمال الطبيعة الخضراء، ويمتاز شعره بالفصاحة والعذوبة وسهولة اللفظ، وقوة المعاني، وبالدقة والجودة، فهو حاضر البديهة، صافي الذهن، يمتلك قريحة سيالة، وملكة بيانية بفطرته السليمة وسليقته العربية، وهذا من توفيق الله تعالى له.

وفي تقديم آخر للديوان، كتب الدكتور سالم بن سعيد البوسعيدي: هذا الديوان، ليس نفحات الربيع، بل الربيع كله، بزهره وروحه، وأريجه ونسمات هوائه، ومنظره البديع، ثم أثر الربيع على محبيه، فانسكب طبيعة تغار منها الطبيعة، ووصفا يحار منه الوصف، وثمرا رائقا عذبا يفوق حلاوة الرطب في داخلية عمان، والنارجيل في ظفار، والرمان في الجبل الأخضر، ألا ما أروع التحليق مع شعر يأخذ من الأصالة روحها، ومن الطبيعة جمالها، ومن القلاع شموخها، ومن النخلة عنفوانها.

وكعادة الشعراء يصدرون دواوينهم بقصائد تقريضية، أو كلمات احتفائية، فقد كتب الشاعر موسى بن سالم الرواحي قصيدة، أهداها للشاعر أحمد البوسعيدي، مطلعها: (إنْ شِئتَ فوزًا بالمِنَح.. فاقصد إلى دارِ مَنَح)، وكتب الشاعر يونس بن مرهون قصيدة أخرى مطلعها: (إذا أبهرَتْ عينيك لؤلؤة بِكرُ.. فأحمد بن منصُور لؤلؤهُ شِعْرُ).

والمتصفح لديوان نفحات الربيع، والقارئ لقصائده الشعرية ذات المأخذ السلس، والمفردات السهلة، يشعر أن الشاعر مطبوع في نظمه، وقد رصد للكثير من المشاهد واليوميات التي عاشها، بعضها يوثق فيها لقاءاته بالفقهاء الذين تبادل معهم الزيارات، أو بالشعراء الذين تطارح معهم الشعر، أو وصف نخلة، أعجب بشموخها، وتلذذ برطب شماريخها، أو وصفه لأحد المواسم الأربعة، كقصيدته التي يصف فيها رحيل الشتاء، يقول الشاعر:

إذا الشتاءُ بيومٍ صارَ مُنصَرِفا

فلم أكنْ جازِعًا أو قلت يا أسَفا

ارحلْ سَريعا فعيني غير باكيةٍ

حُزنا عليك فما قد جَاءَ منكَ كفى

ألبَسْتني مِعْطفا كالحِلْسِ أثقلني

رُغما عليَّ فما قلبي عليك صَفا

حَرَّارُنا صَارخٌ مِدْفاتنا ضَجِرَتْ

وبُرْنُسَين ثِقالًا صِرتُ مُلتَحِفا

أتابعُ الشَّمْسَ صُبحًا مِنْ مَشارقِها

حتى الزَّوال وجسمي ظلَّ مُرتَجِفا

ويبدو من القصيدة أن الشاعر يمتعض كثيرا من فصل الشتاء، لعدم تحمل جسمه النحيل الصقيع والبرد القارس، وهو في هذه القصيدة صادق العاطفة، وتغلب على القصيدة الطرافة، وهو حس يظهر في أكثر قصائده الوصفية، كقصيدته في وصف رحيل نخلة «قش سلمان»، التي اقتلعت من مكانها ونقلت إلى مكان آخر، يقول الشاعر في قصيدته:

أيا قشُّ سلمان بكتك المَنازلُ

بأي بلادٍ أنت يا قَشُّ نازلُ

فقدناك إذ أمسَى مَكانك خاليًا

نعَى فقدك الفيفاي والمُوز ذابلُ

أجابَ بحُزنٍ والدُّمُوعُ سَواكِبٌ مَقالا له لانَ الحَصَى والجَنادلُ

لقد جاءني لحَّاسَة السدِّ ضَحْوَةً

ولم يأتِ وقتَ العصْرِ إذ أنا راحِلُ

وهي قصيدة وصفة مليئة بالدعابات، إذ لا يملك قارئها إلا أن يتفاعل معها، ويطلق ضحكه مع أبياتها، وقد يأسف مع الشاعر على رحيل القش إلى مكان آخر.

وفي نفحات الزهر الكثير من القصائد ذات الحس الإنساني، وفيه رصد لمواقف ومشاهدات عاشها الشاعر، فكتب فيها قصائد رائقة، وينتهي الديوان بمجموعة من قصائد الرثاء، كرثائه للشيخ عبدالله بن علي السليماني، المتوفى في عام 2012م، يقول فيها:

لسيفِ المَنايا في الأنامِ صَليلُ

وكلُّ امرِئٍ نحو الفناءِ يؤولُ

ولن يبقَ إلا خالقُ الأرْضِ والسَّما هو الواحدُ القهَّارُ ليس يزولُ

ويختتم الشاعر ديوانه نفحات الربيع، بقصيدة بعنوان «حياض المنايا»، وكأن الشاعر يرثي فيها نفسه:

حِياضُ المَنايا للخلائِق موردُ

وكلُّ امرئ لا شكَّ منهنَّ يوردُ

ولو عاشَ آلافَ السنين سَينتهي

به الأجلُ المَعدُودُ ليس يخلدُ

ألا إنما الدنيا سَفينة مَعبَرٍ

وما عابرٌ إلا سَيخلوهُ مَقعدُ