نجوى العتيبي: الرواية الخليجية بدأت تعبّر عن نفسها
في روايتها «رفُّ اليوم» عالم غريب على الرواية العربية، إذ تدور الرواية حول الطريقة التي يتحول بها الإنسان إلى نصف بشري نصف آلي، وكيف يشك في وجوده، أو في كينونته، ساعيًا للخلاص من استلابه على يد سلطة ترقد تحت جلده وتعرف مشاعره قبل أن يبوح بها. نجوى العتيبي هي باحثة سعودية، ولديها تحت الطبع عملان في أدب الأطفال واليافعين. هنا حوار معها حول روايتها «رفُّ اليوم».
روايتك «رفُّ اليوم» يمكن تفسيرها على أنها رواية ما بعد الإنسانية، حيث تصل محاولات السيطرة على الإنسان إلى ذروتها، بحيث يتحول إلى كائن نصف بشري نصف آلي، لا يفهم مشاعره على وجه التحديد، ما رأيك؟
- نعم صحيح، وكانت بعض الشخصيات داخل الرواية واعية بهذا الأمر. وهذه الفكرة كانت محرّضة لشرارة الكتابة الأولى، أنّ الإنسان مطروح عليه سلفًا ما الذي يمكنه التفكير به وما المحظور عليه ولا يملك حق التصرف في أخص خصوصياته، وتبعًا لذلك قراراته ستتأثر وسيحدث خلل ما كما حدث داخل الرواية.
منحتِ أبطالك مسميات عبارة عن رموز، فالراوي على سبيل المثال هو 9ك وصديقه 35م وصديقته 7أ.. إلخ، هل غياب الأسماء هو تأكيد على فكرة غياب الفوارق بين الأشخاص والتعامل معهم كأنهم مجرد أرقام؟
في ثقافتنا العربية يتعدّى (اسم المرء) كونه اسمًا، ويتجاوزه إلى أشياء كثيرة قد تؤثر على حياته بل وجودة حياته كذلك.
التسمية مهمة وكانت مسألة حياة أحيانًا، لكن ما الذي يمكن أن تعنيه التسمية بالأرقام؟
- وأظن أننا بدأنا منذ وقت بتجربة التسمية بالأرقام، فالفكرة ليست خيالية تمامًا، نحن نعيش وجهًا من وجوه ذلك فعلًا، فكل الناس في كل مكان من العالم اليوم وجودهم منذ اللحظة الأولى يبدأ بالأرقام، وقبل أن يُمنحوا الأسماء يُمنحوا الأرقام، وقد يملك المرء تغيير اسمه لاحقًا لكن رقمه المدني مفروض عليه ولا يُعرَف إلا به ولا يتغيَّر.
كان ظهور الأب باهتًا وحضوره المؤثر كان لحظة موته.. ماذا يمثل غياب الأب في الرواية.. ولماذا كان دور الأم أكثر قوة؟
- دائمًا ما تُوصف السلطة بمختلف أنواعها بالأبوية سواء كانت دينية أم روحية أم سياسية، ومن ينبغ ويبرز عادةً ما يكون في حياته أب بمعنى الراعي والمعين أو القدوة، وحضور الأب بدأ يضعف في حياة الشخصية لضعف دوره حاميًا ومنقذًا، ولعلّ وجود حدث من ذكريات الشخصية أيام المراهقة يشير إلى تلك الفكرة.
برزت فكرة هامشية الأب في إمكانية استبداله والاعتراض على وجوده لأن الشخصية توهّمت امتلاكها الأمر والقرار فلا حاجة لها بسلطة الأب، بل صار عبئًا كما رأت.
بخلاف دور الأم الذي تسبب بانعطافة هائلة في حياة الشخصية وعودتها إلى طبيعتها جزئيًا، ذلك كان بسبب غلبة العاطفة عليها وعلى طريقتها وإلحاحها الفطري حتى غيّرت في التكوين الجديد للشخصية وجعلتها تتخلى عنه تدريجيًا.
السلطة تنازع السلطة مثلها لتسلبها لا العاطفة التي قد تستغلها وتستفيد منها، لذلك اختلف الدوران تبعًا لغلبة الطبع وما يعنيه الأمر ثقافيًا، واستثمرتهما في دعم فكرة خط الإنتاج، الفكرة التي تعيد النظر في العلاقات الإنسانية كلها في مثل ذلك الزمن المتقدم.
لماذا اخترتِ أن يكون الراوي رجلًا لا امرأة؟
- هو تحدٍّ لي أنا ككاتبة أن أكتب على لسان رجل، فانتقال الكاتب إلى عالم خيالي كهذا وانتقاله أيضًا للحديث على لسان جنس آخر هو تحدٍّ كبير بلا شك ويبرز مقدرته الروائية في التخييل والكتابة ويكشف عن جانب من أدواته، كما أن طبيعة القضايا التي تطرقتُ إليها يدعمها وجود شخصية مذكرة وليست مؤنثة.
هناك إشارات إلى بعض الأفلام في الرواية.. ما الفارق في رأيك بين هذه الرواية وفيلم «الذكاء الاصطناعي» لستيفن سبيلبيرج؟
- الرواية لا تحيل إلى عالم حقيقي، فالأفلام المذكورة بداخلها وهمية وفكرتها التي بنيتها تناسب الأفكار المذكورة كذلك في الرواية وتنسجم معها، أما عن أفلام الخيال العلمي عامةً فهي كانت رافدة للخلفية الثقافية والإبداعية التي جعلتني أود الكتابة في هذا المجال، ومحفّزة على إيجاد عالم آخر وهنا ينتهي دورها لديّ، فمسألة كتابة عمل روائي مسألة مختلفة تمامًا عما نشاهده ونستمتع به في الأفلام، فلا أظنني تأثرت بأي صوت وأنا أكتب وإلا لما اخترتُ تقديم هذا العمل للنشر كبداية لي، فوجود صوت آخر غير صوتي في العمل يجعلني أتركه ولا أكمله، ومع مزيد من الأعمال ستتضح الصورة إن شاء الله.
خطوط إنتاج للأصدقاء وللوالدين وللأطفال .. هل تُظهر الحاجة الإنسانية الملحة إلى أشخاص غير موجودين في واقع يتوحش باطراد؟
- أعتقد أن الشخصية كانت تبحث عن أدوار تظل موجودة في حياتها دون أن ترتبط هذه الأدوار بأشخاص ثابتين، أعتقد أنها كانت تكافح ضد الشخص وليس ضد الدور، وتحاول أن تعيش حريتها عبر اختيار الأشخاص واستبدالهم كل مرة، فهذا هو ما تبقّى لها من حرية كما تتوهَّم، أي أنه سُمِح لها التفكير بذلك، وهذا لن يجعل الواقع أجمل أو أقل توحّشًا بوجود المنتج أو غيابه لوجود الإكراهات في التعامل مع الاحتياجات الإنسانية.
وكلما توحّش الواقع ستزداد هذه الرغبة كما يبدو لي وستظهر بطرق مختلفة ومناسبة للعصر.
هل تقول الرواية أيضًا إن الإنسان مصيره العزلة؟ وهل الحل كما طرحته الرواية في الموت؟
- أظن أن مصير الإنسان يكمن في مكافحة العزلة حتى وإن كانت قدرًا لا مفرّ منه، أي أنه سيظل يكافح ليجد نفسه عبر الآخر دائما، والموت نتيجة حتمية وليس حلًا لأي شيء، فالموت لا يحل المشكلات.
والنهاية في العمل ليست حلًا بل هي مناسبة لبنية العمل والشخصية في أدب الخيال العلمي.
هذه الرواية أقرب إلى أدب الخيال العلمي منها إلى أدب الفانتازيا.. هل تهتمين بتصنيفها؟
- الخيال العلمي نفسه مفهوم واسع وتدخل فيه الفانتازيا وغيرها، والتصنيف لا يهم في نفسه بل لفهم العمل وتوجّه الكاتب في كثير من الأحيان، وأيضًا التصنيف يسهّل على القارئ اختيار ما يناسبه وييسر الوصول إلى العمل.
لماذا اخترت البُعد عن الكتابة الواقعية في هذه الرواية؟ ما الذي قدمه لك الخيال الكبير فيها؟
- بصراحة لم أرغب في كتابة شيء مكرر مع أنني أحب قراءة كثير من الأعمال الواقعية وأتعلم منها أيضًا، لكن يوجد عدد هائل من الأقلام المهتمّة بالواقع وبرصد الذات فيه وبطرق عديدة، وذلك لا يشغلني في الكتابة وليس همًّا لي بهذا المعنى المطروق.
الكتابة لديَّ تحدٍّ واكتشاف، وأنا في هذا العمل مثلًا تحديت نفسي على أصعدة كثيرة وتعلَّمتُ أيضًا، وانطلقت في كتابة شيء مختلف عما حاولتُ كتابته مسبقًا مما لم أنشره، كما أنّ اشتغالي على النص فتحَ لي مجالًا للانطلاق كذلك في التعبير عن الواقع القريب أو استشراف شيء من المستقبل، وهذا الأمر يعنيني كثيرًا في مسيرتي، أن أكون مختلفة وأفتح أفقًا للتعبير غير موجود، وأن أتحرّك في مكان لا يقف فيه كثيرون، الكثير يستطيع الكتابة ويجيدها لكن السؤال بالنسبة لي: كيف أكتب وماذا أكتب، وأودُّ أن أكتب أعمالًا مختلفة عن السائد.
وفي رأيك لماذا تم استقبال هذا العمل بشكل جيد؟
- ما زال النشر في بدايته، لكن الملاحظات المبدئية التي أتتني يشير أغلبها إلى احتياج نَفَسٍ جديد وموضوعات مختلفة بأقلام عربية وتحديدًا من السعودية، وجدتُ الناس متعطّشة للإبداع العربي وهذا أكثر ما مسَّني من ردود الفعل، ووعي القارئ بذلك يسعدني أيما سعادة، ولا سيما ونحن نمرّ بنقلة هائلة على كافة المستويات في المملكة العربية السعودية، ويجب أن يكون للأدب حيّز وبصمة في هذا الارتقاء النوعي الذي نشهده في الأعوام الأخيرة، وأحب أن يكون قلمي مثالًا جيدًا في هذه المرحلة، ومن أجل ذلك اعتنيتُ حتى باختيار الدار، اهتممتُ بسمعتها وجودة الأعمال المطبوعة لديها وانتمائها للوطن منشأ ومحلًا في تقديم قلم مختلف.
من الكتَّاب الذين تعتبرينهم آباءك؟
- قرأت لكثيرين من ثقافات مختلفة وتأثرت بهم، وأحب قراءة أقلام مختلفة ومتنوعة باستمرار، ولعلّني مهما ازدادت قراءاتي أجد نفسي متأثرة بدرجة أكبر بالأقلام العربية، وبما أننا نتحدث عن عوالم سردية فسأختار منها نجيب محفوظ ويوسف إدريس، ومن المعاصرين ربيع جابر.
نجيب محفوظ يمثّل بالنسبة لي أنموذجًا روائياً كاملًا، في الأدوات والموضوعات التي طرقها وفي كسر التوقعات وفي ملاءمته لعصره وبداية مجد الرواية العربية، كان يليق بالرواية العربية أن تُعرف وتشتهر مع قلمه، ويوسف إدريس كذلك، وضعني على خريطة مبهرة في الكتابة، فلا يمكن أن أشعر بالملل وأنا أقرأ له، فهو يختار اللحظة المناسبة لينسج حولها عالمًا سرديًا خاصًا بها وحدها.
يوسف إدريس علّمني قيمة اللحظة المناسبة وكيف تُنجز سرديًا بمنتهى البراعة، وكان طموحي أن أكتب أعمالًا بمثل ما لقلمه من سحر.
ومن المعاصرين ربيع جابر، فقلمه مميز ومختلف، ويكتب باقتدارٍ كبير، وأتوقع له المزيد من الإبهار ومن المجد والمكانة الأدبية العالية.
في رأيك هل هناك خصوصية للأدب الذي يكتب في الخليج؟
- إذا استثنينا البدايات فأظن أن الجواب نعم، الرواية الخليجية بدأت تعبّر عن نفسها وتنفرد بموضوعاتها وعوالمها، وبدأت تتحدث بصوت عالٍ عن تاريخها وثقافتها وخصوصية بعض الأمكنة وقضايا المهمّشين مثلًا، ففي كل المجتمعات يوجد مهمّشون، والرواية الخليجية رفعت أصوات هؤلاء وقدّمت قضاياهم وحظيت باهتمام كبير جرّاء ذلك.
* ما ملاحظاتك على الساحة العربية فيما يتعلق بتوزيع الكتاب والجوائز والنقد الأدبي؟
- ما زال القارئ العربي يعاني في الحصول على كثير من الكتب، وقضية التوزيع هذه تُعامل دائمًا بما يشبه القضية المستحيلة، العالم العربي يمتد في نطاق واسع جدًا، وحين يصدر الكتاب في مكان بعيد لا أجده إلا بشقّ الأنفس وقد لا أجده، ولا سيما إن كانت الدار لا تعترف بالتجارة الإلكترونية ولم تدخل هذا المجال بعد.
الحصول على الكتب في نطاق دول الخليج أفضل بسبب المتاجر والمواقع الإلكترونية والخدمة الميسرة السريعة، وأتمنى تفعيل هذا الأمر ولو على نطاق مؤسسي في كل دولة عربية خدمةً للكتاب العربي وقرائه.
أما الجوائز فأظن أن الأمر يخضع لمعايير كثيرة وتقييدات لا تخدم العمل المميز حقًا، فما زال حق التقديم على الجائزة بيد الناشر أو الكاتب وليس اختيارا للكتاب الجيّد في مجاله من قبل هيئات متخصصة.
كما أن الاعتبارات (غير المعلَنَة) هي من تتحكم بعملية الفوز، وأنا كقارئة ومتابعة ألحظ هذا الأمر كثيرًا، لكنني لم أجرب بعد ولعلّ التجربة تعدّل من رؤيتي أو تغيّرها.
أما عن حركة النقد الأدبي فإنني أسترشد بها في اختيار العمل الجيد، فأكثر الأعمال جودة هي التي اخترتها بناء على نقاشات النقاد وكتاباتهم الجادة ولا يدخل في ذلك مجاملاتهم في الحسابات الشخصية لبعض الأقلام، وأتمنى أن يُوفَّقوا في اختيار الأعمال الجيدة دائمًا بغضّ النظر عن الاعتبارات الأخرى التي لا تمسّ العمل الأدبي وجودته.
