جورجي زيدان
جورجي زيدان
ثقافة

مرفأ قراءة... جورجي زيدان والبحث عن سؤال "التاريخ"

05 أغسطس 2023
05 أغسطس 2023

- 1 -

رغم الوفرة التي تبدو للوهلة الأولى من الكتب والدراسات التي عكفت على كتابة تاريخنا الفكري والثقافي الشامل في القرنين الأخيرين، فإن المدقق والمتأمل لهذه الوفرة الظاهرة من النصوص والكتابات سيجد فراغات ومساحات من الصمت والغموض حول أحداث ومواقف وشخصيات وكتب.. إلخ، لم تنل ما تستحقه من القراءة والتحليل والنظر بالنظر إلى قيمة الأدوار التي لعبتها أو الأهمية التي مثلتها مقارنة بغيرها في الفترة نفسها.

وما زلنا في مراجعاتنا التنقيبية في تاريخ تلك الفترة الخصبة الغنية (1850- 1925) نكتشف ثراء وحراكا ونشاطا غير مسبوق، على مستوى الإنتاج العلمي والمعرفي والثقافي، وعلى مستوى الأشخاص والأعلام الذين شكلوا هذه الحركة الزاهرة والزاخرة التي عرفت بـ"النهضة الحديثة".

وإذا كان الفكر العربي في بواكيره الأولى -منذ منتصف القرن التاسع عشر- قد قام على اعتبار الوحدة الإسلامية والوحدة العربية من الحقائق التي لا يرقى إليها الشك والريبة، استنادا إلى اعتبارات وتصورات أيديولوجية راسخة، وأسانيد تاريخية ثابتة، كالجنس واللّغة والتراث والوجدان أو الدّين والتاريخ والثقافة، فإنه في ظل هذا الاعتقاد قد تنادى النهضويون العرب (مسلمين ومسيحيين) بالعصبيّة الوطنية، والقومية، والشرقية، وعادوا إلى التراث العربي الإسلامي، وإلى اللغة العربيّة، بوصفها حاملةَ هذا التراث، يقرأونه (أي هذا التراث) تحت أضواء جديدة كاشفة، ونظرات منهجية مستحدثة، ويسعون إلى كتابة تاريخ جديد لهذا التراث ولهذه الثقافة في ظل الأسئلة التي واجهتهم في سعيهم لتأسيس نهضة حديثة، فكَتبوا الروايات ونَظَموا القصائد التي تستعيد أمجادَ العرب وماضيهم التليد، فضلًا على إسهامهم النشط في تهيئة التربة الثقافية العربية لتقبل الجديد الوافد وتأصيله، وتمثله.

- 2 -

من بين أهم هذه الشخصيات -فيما أظن- الرائد اللبناني، الروائي والمؤرخ والصحفي والموسوعي المذهل جورجي زيدان (1861-1914) إحدى الشخصيات النهضوية البارزة، المثيرة للتأمل والنظر، وهي تطرح بما قدمته من جهود وأعمال ضرورة إعادة النظر والفحص والتقويم لهذا النتاج المذهل، وبما يمثله من قيمة وحضور وتأسيسية في تاريخ النهضة العربية الحديثة.

وجدير بالذكر أنه لا يُذكر اسم جورجي زيدان إلا مقرونًا بريادته للرواية التاريخية في أدبنا العربي الحديث، فقد كان صاحب المحاولة الباكرة للغاية في إخراج سلسلة من الروايات التاريخية بعنوان "روايات تاريخ الإسلام" بلغ عددها ما يقرب من 22 رواية غطت مراحل التاريخ الإسلامي كله، منذ ظهور الإسلام وحتى ما قبل العصر الحديث، وقد عرفنا بها وبريادتها في تاريخ نشأة الرواية العربية وتطورها في حلقة سابقة من حلقات (مرفأ قراءة).

وقد كان جورجي زيدان من الطليعة المؤمنة بضرورة الجمع بين المسارين، وإن كان مثله مثل كل أقرانه النهضويين في ذلك الوقت يعي حجم الفجوة الضخمة التي تشكلت واتسعت طيلة القرون الثلاثة أو الأربعة التي وقعت فيها البلاد الإسلامية والعربية تحت الحكم العثماني، بين ما كانت عليه وما صارت إليه هذه الشعوب والبلدان، ثم هالها ما حدث في العالم الغربي (الأوروبي تحديدا) من تقدم في العلوم والصنائع والمعايش.. إلخ.

ولعل تجذر هذا الشعور بالتخلف ومدى ما استغرقنا فيه من سبات طويل، هو الدافع الجذري لجورجي زيدان كي يكون من أوائل المنادين والداعين إلى إنشاء "الجامعة" المدنية الحديثة، ومن أكثر الناشطين في الدفع بهذا الأمر إلى تمامه، وهو ما تكلل في النهاية بتأسيس الجامعة الأهلية عام 1908 التي ستصير الجامعة المصرية الأم في العالم العربي كله.

ودور جورجي زيدان في هذا التأسيس غير منكور ولا مجهول، بل إن اسمه أيضًا سيرتبط بواحدة من المعارك الفكرية المبكرة في تاريخنا الثقافي، وهي معركة تدريس التاريخ الإسلامي في الجامعة الوليدة، وهي معركة كبرى تستحق أن نفرد لها مساحة خاصة في (مرفأ قراءة).

وعموما يمكن القول إن كتاب جورجي زيدان "تاريخ التمدن الإسلامي" (صدر في خمسة أجزاء) كان ثمرة مباشرة أو غير مباشرة لهذه الحالة الثقافية ولهذا النزوع النهضوي المحتدم، ولهذه المعركة التي أشرنا إليها قبل قليل.

- 3 -

لقد اقترنت النهضة في وعي الرعيل المؤسس للفكر والأدب الحديثين، في المنطقة العربية مطلع القرن الماضي، بمحورية درس التاريخ والنظر فيه مجددا، سواء بما هو وقائع ومضامين، أو بوصفه مجموعة من المصادر والمرجعيات، أو بوصفه خطابًا حول الماضي والذاكرة.

ولهذا نجد جورجي زيدان لا يكتفي بالتأليف في هذا العلم انطلاقًا من هدف تأريخي استعادي أو اجتراري إذا شئنا الدقة، كما يلتقط ذلك بذكاء شرف الدين ماجدولين، بل يقرنه بمفاهيم التمدن والتحضر والآداب والثقافة الشاملة، وجماليات التعبير، وهو ما يمكن الوقوف عليه بوضوح في مقطعٍ بالغ الأهمية من كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" -الذي أعده مع كتابه المهم "تاريخ التمدن الإسلامي" أول محاولة جسور وطموح في كتابة التاريخ الثقافي والفكري والأدبي الشامل للعرب والمسلمين في القرون العشرة الأولى للهجرة- حيث يتحدث جورجي زيدان عن وضعية علم التاريخ، في زمن النهضة، والعلل الذي ركبت خطابه ومنهجه، قائلًا: "ظل علم التاريخ في معظم القرن الماضي نحو ما كان عليه قبله، من حيث أسلوبه وكيفية التأليف فيه، إلا ما نقل عن اللغات الإفرنجية في أول هذه النهضة؛ ثم أخذ أصحاب هذه النهضة يؤلفون من عند أنفسهم، لكن أكثرهم كانوا ينقلون أو يجمعون أو يلخصون بلا نقد أو استنتاج إلا نادرًا، ودخل التاريخ في الربع الأخير من القرن الماضي (يقصد القرن التاسع عشر) في عصر جديد، ولا سيما لدى المطلعين على أساليب الإفرنج في تدوين تواريخهم، فمالوا إلى التنسيق والترتيب والتبويب، وأخذوا ينشرون المقالات التاريخية الانتقادية في المجلات، ثم عمدوا إلى تأليف الكتب بعد البحث والتحقيق والانتقاد بما يقتضيه ذلك من فلسفة التاريخ".

ويبدو جليًّا - من نص جورجي زيدان- هذا الوعي المحموم بطرح السؤال ومعاودة النظر النقدي فيما ورثناه وتناقلناه، ويبدو أيضا بزوغ هذا الحس النقدي أو "الانتقادي" في المحاولات الجديدة لكتابة التاريخ، هذه الكتابة التي تنهض على تجاوز قواعد التصنيف التاريخي السابق أو القديم، باعتماد كتابةٍ ذات عمقٍ منهجي قائم على تحقيق الوقائع، ومراجعة الأسانيد، ونقد المصادر؛ ثم تخطي أساليب الكتابة التاريخية القديمة في مصنفات الأخبار والتراجم، وسير الأنبياء والأمم والملوك، القائمة على تجميع الوقائع والمآثر، إلى كتابة تاريخية بوعي منهجي جديد، يعيد النظر في الأحكام الناتجة عنها، ويراجع صيغ تمثيل الماضي، وما حفلت به من خطوب وقيم، بحيث تؤسس لمنطلقات التجاوز المعرفي والثقافي.

ويمثل شرف الدين ماجدولين لهذه الخطوة الحاسمة في الوعي النقدي بالتاريخ بما ترجم إلى اللغة العربية من كتابات النهضويين الغربيين.

- 4 -

لهذا مثل التاريخ، في وعي جورجي زيدان، مجمل ما يتصل بالأمة ولغتها وثقافتها، من إنتاجات واجتهادات وتحولات مكنتها من الرقي. ولأن الأمة هنا ليست شيئًا آخر إلا شعوب الوطن العربي، على امتداد رقعة هذا الوطن، الذي توسع، في فترات الازدهار، ليصل تخوم أوروبا وأعماق أفريقيا، فإن التاريخ الذي كتبه وسعى إلى تمثيله وتيسير المعرفة به، امتد من الأندلس إلى مصر، ومن السودان إلى العراق، ومن الحجاز إلى الشام، واتصل بمقومات الهوية العربية من لغة وآداب، وعقائد وعادات، وأزياء وأطعمة، أي بكل سجايا الثقافة العربية.

بتعبيرٍ أدق، كما يقول شرف ماجدولين، فقد سعى جورجي زيدان للاستناد إلى قاعدة التاريخ لإنشاء خطاب تاريخي يؤصل للهوية، ويمنح الانتماء الثقافي واللغوي والديني والجغرافي دلالة، في سيرورة تكون وعي مختلف، يتطلع إلى بناء نهضة.

وما كان مفهوم "التمدن الإسلامي" الذي صاغه جورجي زيدان في محاولة أولى نشرها عام 1911 إلا كناية عن ذلك الوعي المتطلع إلى استعادة لحظات المجد الحضاري، والبروز القومي، في مسار تحولات الفكر والثقافة والوجود العربي، وإشاعتها بين أكبر عدد من القراء والمتعلمين من الأجيال الصاعدة، ومن هنا سيظهر ما يطلق عليه عبد الإله بلقزيز "أول محاولة ناجحة لكتابة تاريخ ثقافي شامل" في تاريخ النهضة الحديثة... (وللحديث بقية..)